عن الفساد وسنينه   
الخميس 1427/11/3 هـ - الموافق 23/11/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:19 (مكة المكرمة)، 13:19 (غرينتش)

إبراهيم غرايبة
يسلط المؤلف في هذا الكتاب الضوء على جوانب من التباين الشديد في مصر بين الطبقات والفئات الاجتماعية والسكانية، طبقة تستأثر بالموارد والاهتمام وتحتل المساحات الأكثر أهمية وظهورا في وسائل الإعلام ويسميها مصر الأولى.

-اسم الكتاب:عن الفساد وسنينه
-المؤلف: فهمي هويدي
-عدد الصفحات: 270
-الناشر: دار الشروق، القاهرة
-
الطبعة: الأولى/ 2006
وطبقة أخرى تشكل الأغلبية ولكنها تكاد تكون محرومة من كل شيء، ولا تكاد ترى لها أثرا في التلفزيون والصحف إلا في أخبار الكوارث والحوادث، ويسميها مصر الثانية.

وهناك الطبقة الوسطى التي تتعرض للتلاشي والتآكل رغم أنها تشكل التوازن والاعتدال وتحفظ الاستقامة والعافية في المجتمع.

ويعرض المؤلف الأستاذ فهمي هويدي بقدر كبير من الجرأة والإحاطة والمتابعة معلومات وملاحظات كثيرة عن الفساد في مصر، وهي أنواع واتجاهات من الفساد لا تقتصر على مصر، ولكن الحرية النسبية للنشر (وهذه مسألة تحسب لمصر والمصريين) تتيح المجال لمعرفة عن الفساد يمكن تعميمها وتقدير وقوعها في دول أخرى.

رائحة هذا الزمان
تظهر الصحف المصرية جوانب من السياسات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة التي تمضي بعيدا عن الأهداف المفترضة للتنمية والإصلاح، فالبحيرات المنتجة للسمك اختفى معظمها بسبب التوسع العمراني، وتزايدت الديون إلى حد الخطر، وتراجعت قيمة الجنيه بنسبة عالية، وانحدر مستوى التعليم والخدمات الحكومية، وتراجعت البورصة، وغادرت الاستثمارات الأجنبية، وهرب عدد من رجال الأعمال بالملايين التي اقترضوها من البنوك.

وفي الوقت الذي تتسع فيه مساحة الفقر والعوز تتنامى طبقة من الأثرياء الذين يصعب تحديد مصدر ثروتهم، ولكن المخيف في هذه التحولات هو ما يجري لقطاع الوظيفة العامة التي لم تعد توفر الحد الأدنى من الكفاف حتى لكبار الموظفين من مرتبة مدير عام، مما يجعل أبواب الفساد وضعف الإنتاج وتراجع الانتماء مشرعة.

فقد مرت حادثة القطار التي أودت بحياة 373 مواطنا وكأنها مأساة تخص عائلات المتوفين وليست كارثة قومية تستدعي مراجعة السياسات والأفكار.

"
قضايا الفساد في مصر خلال عام 2003 كانت بالآلاف، وحجم الكسب غير المشروع بلغ 99 مليار جنيه، وحجم أموال قضايا الرشاوى بلغ 400 مليون جنيه، وحجم الأموال الموضوعة تحت الحراسة بلغ 600 مليون، وجرائم غسيل الأموال التي ضبطت بلغت قيمتها أكثر من خمسة مليارات جنيه
"
وفي الوقت نفسه جرت احتفالات عظيمة بفوز نادي الأهلي، واعتبر ذلك الحدث إنجازا وطنيا عظيما شغلت به وسائل الإعلام، ولم يشغل الإعلام نفسه بحالة القطارات المتآكلة والمزدحمة، والتي انتهى عمرها الافتراضي منذ زمن بعيد، والتي لم يعد لها قطع غيار باعتبار أنها انقرضت من العالم.

ولكن وسائل الإعلام ركزت على أنه لا يوجد بين الضحايا سياح أجانب، وبذلت جهودا إعلامية وإدارية لإظهار الحادث وكأنه بسبب إهمال الركاب لإعفاء المسؤولين في سكة الحديد وفي وزارة النقل.

ولكن الكوارث التي تحدث أو تكتشف كل يوم لا تقف عند كارثة القطار، فالعمارات التي تسقط تؤشر على حالة الغش في المباني التي تمرر بالرشاوى، وتسربت إلى السوق كميات كبيرة من اللحوم والأسماك والقمح المستوردة التي تحفظت عليها الجهات المختصة لمخالفتها للمواصفات.

وينظر القضاء في قضية تهريب كميات كبيرة من الآثار المصرية لا تقدر بثمن، ويشارك في الجريمة عدد كبير من التجار والمتنفذين وموظفي الأمن والجمارك والطيران، ونهبت مبالغ تجاوزت ثلاثمائة مليون جنيه من بنك مصر إكستريور تحت غطاء تسهيلات وقروض بلا ضمانات حقيقية أو كافية، وأجريت مئات العمليات الجراحية الوهمية في المستشفيات بهدف الاختلاس والاستيلاء على المال العام.

وقدرت مجلة الأهرام الاقتصادي أن قضايا الفساد في مصر خلال عام 2003 كانت بالآلاف، وأن حجم الكسب غير المشروع بلغ 99 مليار جنيه، وحجم أموال قضايا الرشاوى بلغ 400 مليون جنيه، وحجم الأموال الموضوعة تحت الحراسة بلغ 600 مليون، وجرائم غسيل الأموال التي ضبطت بلغت قيمتها أكثر من خمسة مليارات جنيه.

وأما الجامعات التي يفترض أن تمد المجتمع والدولة والقطاع الخاص بالكفاءات المهنية فإنها منذ فقدت استقلاليتها أصبحت تخرج طلبتها تلقائيا دون أن يكونوا مستحقين أو مؤهلين لذلك.

ولم تعد تحظى باهتمام في الميزانية، الأمر الذي أفقر مكتباتها ومختبراتها، وأصبحت تلتمس المال من بعض السفارات الأجنبية ومن بعض رجال الأعمال.

عن الفساد وسنينه
يقابل ظاهرة تدني دخل الموظفين بما فيهم المديرون العامون وكبار الموظفين ظاهرة استغلال الوظيفة العامة للكسب غير المشروع، وهي عملية تتم بجرأة مدهشة رغم الحظر الدستوري والقانوني الذي يشدد على منع الوزراء وأعضاء مجلس الشعب من استئجار أموال الدولة أو تأجيرها أو بيعها شيئا من أمواله أو إبرام عقود معها، وينطبق ذلك على الأزواج والأولاد والأقارب، ورغم حرمة المال العام بالنصوص القانونية الكثيرة.

ولكن ذلك لم يمنع المسؤولين وأولادهم وأقاربهم من تملك العقارات بأبخس الأثمان، واغتصاب الأراضي.

وانفتحت أبواب الرشوة على مصاريعها حتى إنه لم يعد ممكنا قضاء مصلحة في أي مرفق حكومي بدون دفع "المعلوم" للموظف المختص.

"
استطلاع حول قضايا الفساد في مصر يؤكد: عدم احترام الوقت (93%) والمحسوبية (92%) والرشوة (89%) والتسويف في إنجازالمصالح (89%) والإهمال في العمل (60%) وقبول الهدايا (50%) وإفشاء أسرار العمل (44%) وسوء استعمال السلطة (25%)
"
وزاد المشكلة استفحالا أنه لم يعد بإمكان الموظفين تعليم أولادهم في مدراس الحكومة المتدنية المستوى ولا الانتفاع بالخدمات الصحية الحكومية، وأصبحوا بحاجة بالوسائل الشريفة وغير الشريفة إلى تدبير تعليم أولادهم وعلاج مرضاهم.

وفي دراسة استطلاعية لثمانمائة شخص من العاملين في القطاع العام نشرت في المجلة المصرية للدراسات التجارية لأهم مظاهر الفساد في الأداء الحكومي تبين أن ثمة ظواهر من الفساد يقترب المستطلع رأيهم من الإجماع على تفشيها، مثل: عدم احترام الوقت (93%) والمحسوبية (92%) والرشوة (89%) والتسويف في إنجاز المصالح (89%) والإهمال في العمل (60%) وقبول الهدايا (50%) وإفشاء أسرار العمل (44%) وسوء استعمال السلطة (25%)

لقد تعددت مظاهر الفساد ومواطن انتشاره حتى أصبحت المعركة في مواجهته أكبر مما نظن، فقد انهارت سلطة القانون في المجتمع، ويسود اعتقاد راسخ بأن القانون ليس هو السبيل لتحصيل الحقوق أو حماية الناس، وأنه ليس مهما أن تكون على حق أو باطل، أو تمارس عملا مشروعا أو غير مشروع، وإنما الأهم أن تكون قويا لا ضعيفا، وذلك يفقد الدول هيبتها.

والحكومة تتلاعب بالاحتيال على المجتمع وإخفاء الحقائق، وذلك يؤدي إلى تفشي الاحتيال في المجتمع أيضا، فسلوك الحكام ينعكس على أخلاق الناس، وغابت النماذج القدوة، في السياسات والقيادات، وطالما أن اختيار القيادات تتحكم فيه التقارير الأمنية والسياسية أو الأمزجة الشخصية، ولا تحتل الكفاءة والاستقامة المرتبة الأولى في معايير الاختيار فمن الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى تفريخ مظاهر الفساد وانتعاشها.

وغيبت الممارسات الديمقراطية في الرقابة الشعبية والمساءلة وحرية النقد والتعبير، وحين تدرك فئة من الناس أنها فوق الحساب فإن نمو الفساد وانتشاره يصبح أمرا طبيعيا وبلا عائق.

وترهلت القيادات في مقاعدها، واستمرت في مواقعها لمدة طويلة وهو ما أمكنها من تكوين شلل وشبكة من المصالح والأقارب والأتباع والأصدقاء، وتقدمت السياسة على النظام العام والقانون، فأصبحت الحسابات السياسية هي الحكم والفيصل في مصير الضالعين في الفساد.

إن الفساد ظاهرة عالمية موجودة في كل دول العالم، ولكن الفرق بين دولة وأخرى يكمن في كيفية تعامل كل منها مع الفساد، وعلى سبيل المثال فإنه لم يحدث خلال السنوات الثلاثين الماضية أن قدم وزير واحد في مصر إلى المحاسبة.

المجهول الذي ينتظرنا
ما الذي جرى؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ يكاد هذان السؤالان يشغلان الناس جميعا، فثمة شعور عام بأن مصر بصدد منعطف حاد هز ثقة الناس واطمئنانهم على نحو يكاد يشغلهم عن الأخبار والقضايا القومية الكبرى.

"
تغيرت على نحو تدريجي منظومة القيم في المجتمع المصري، واحتلت قيم الثراء السريع والفهلوة الصدارة، وأصبح رجل الأعمال النموذج الذي يتقدم على الأستاذ الجامعي والطبيب والقاضي
"
فالصحف تعرض من أخبار الحوادث ما لم يكن مألوفا في مصر من قبل، السرقة والخطف والاعتداء في وضح النهار، والانتحار، وبيع الأطفال، والتفسخ الأخلاقي الممزوج بالانحراف الفكري، مثل قضية الشذوذ الذي تبين أنه يمارس جماعيا في إحدى البواخر النيلية، وغيرها من الظواهر التي باتت تشغل المصريين.

وفي السنوات الأخيرة صدرت ثلاث كتب على الأقل حول الموضوع، كتاب أحمد نوار عن "الانفتاح وتغير القيم في مصر" وكتاب جلال أمين الذي طبع عدة مرات، وعنوانه "ماذا حدث للمصريين" وكتاب عزة عزت "التحولات في الشخصية المصرية"، هذا بالإضافة إلى قدر كبير من الكتابات والتعليقات الصحفية والتحليلات العميقة.

وتكاد تجمع الدراسات والتحاليل على رد هذه الظواهر إلى الانفتاح غير المنضبط الذي بدأ قبل ثلاثين سنة، وعمليات التجريح التي تعرض لها الانتماء الديني، والخلط بين التدين والتطرف، والأزمة الاقتصادية التي طحنت قطاعات من المجتمع وتسببت في البطالة ودفعت الكثيرين إلى الممارسات غير المشروعة، والبث الفضائي العابر للقارات الذي يشيع الفاحشة، وجدب الحياة السياسية وفراغها.

وفي الوقت الذي تولى توني بلير رئاسة الوزراء (بالانتخاب) وعمره 42 سنة فإنه لا يوجد في مصر مدير عام واحد عمره أقل من 45 سنة، ويقول أحد الباحثين إنه يتذكر وهو طالب في الإعدادية أسماء الوزراء والمسؤولين، وقد تخرج من الثانوية ثم من الجامعة ثم دخل الحياة العملية، وما زالت الأسماء نفسها ثابتة في سماء الإدارة والسياسية في مصر حتى إنهم أصبحوا من الثوابت المصرية ومعالمها البارزة مثل تمثال رمسيس وبرج القاهرة.

الأخطر من ذلك كله حالات اغتصاب الأراضي والممتلكات من أصحابها على يد المسؤولين والمتنفذين دون أن يجد المظلومون وسيلة لرد الظلم، فلم يعد القانون يحمي المواطن، وروض القضاء وألحق بالسلطة والنفوذ، وإذا توافرت له القدرة المالية فربما يستطيع نشر إعلان في صحف المعارضة، وإلا فليس أمامه سوى الدعوة على الظالم.

وتحفل الحياة اليومية بمشاهد الاستعلاء على المواطن والحق. والباحثون الاجتماعيون رصدوا الظاهرة وحققوا تجلياتها، فقد تغيرت على نحو تدريجي منظومة القيم في المجتمع، واحتلت قيم الثراء السريع والفهلوة الصدارة، وأصبح رجل الأعمال النموذج الذي يتقدم على الأستاذ الجامعي والطبيب والقاضي.

"
إذا لم تعترف الحكومة بظاهرة الفساد فإنه يستحيل علاجها، فلا بد من الإقرار بوجود مشكلة ليكون هناك حل، والعبرة ليست في وجود الفساد، ولكن في كيفية تعامل السلطة مع المشكلة
"
بل إن الظاهرة أفرزت لغة ومصطلحات وأمثالا جديدة تعكس الفجاجة وعدم التستر والخجل، ومن الطرف أن عضو مجلس الشعب زكريا عزمي وصف الفساد بأنه انتشر ووصل إلى "الركب" فرد عليه كمال الشاذلي وزير الدولة لشؤون مجلس الشعب وقال إن الفساد في حدوده المعتادة (يعني لم يصل إلى الركب).

ولكن إذا لم تعترف الحكومة بالظاهرة فإنه يستحيل علاجها، فلا بد من الإقرار بوجود مشكلة ليكون هناك حل، والعبرة ليست في وجود الفساد، ولكن في كيفية تعامل السلطة مع المشكلة.

وفي الذكرى الخمسين لاستقلال الهند نشرت صحيفة "هيرالد تريبيون" مقالا للرئيس الهندي "كيه آر.نارايانان" تحدث فيه عن استشراء الفساد في الهند وفي الحياة اليومية وتراجع قيم التسامح إلى درجة تنذر في رأيه بالخطر.

هذه الممارسة النقدية للرئيس الهندي زادت من قدره ومن قدر بلده الهند، فالكشف عن الفساد وفضحه يطمئن الناس ويعزز ثقتهم بالحاضر والمستقبل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة