تاريخ الشرق الأوسط   
الخميس 23/4/1431 هـ - الموافق 8/4/2010 م (آخر تحديث) الساعة 14:35 (مكة المكرمة)، 11:35 (غرينتش)

عرض/ عمر كوش

يدرس جورج قرم في هذا الكتاب جغرافية منطقة الشرق الأوسط وتاريخها، قديماً وحديثاً، بشمولية وموضوعية، مفسِّراً أسباب استهداف هذه المنطقة ومعللاً أهميتها الجيوسياسية، وسارداً ما أصابها من أحداث وتغيرات، وما حمله تاريخها من أشكال في تراثها الثقافي والحضاري، وما عرفه من تحولات تاريخية وانتقال ما بين الإمبراطوريات والحضارات.

ويدخل الكتاب ضمن ذات الاهتمام الذي تمحورت عليه معظم أعماله الفكرية والبحثية، والمسخر لدراسة تاريخ وتركيبة المنطقة منذ ما قبل الحقبة الإسلامية وصولاً إلى الحقبة المعاصرة، من خلال مسح ثري لجغرافيتها السياسية، ووضع رؤية لما يمكن أن تؤول إليه الأمور مستقبلاً، في ظل مختلف العوامل الفاعلة، وفي ضوء الإمكانات البشرية والثروات الطبيعية والأوضاع العالمية والتحالفات القائمة، وتبدُّل موازين القوى، وتزعزع البنيان الاقتصادي وثباته.

-الكتاب: تاريخ الشرق الأوسط (من العصور القديمة إلى اليوم)
-المؤلف: جورج قرم
-عدد الصفحات: 273
-الناشر: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت
-الطبعة: الأولى/ 2010

هدف الكتاب
يتمحور الهدف من عرض تاريخ منطقة الشرق الأوسط على توفير المعرفة العلمية التاريخية اللازمة لهذه المنطقة من العالم، وهي معرفة غير أسيرة للمعيار الديني، بوصفه العامل المحدد الوحيد للحقب التاريخية ولميزاتها حسب ما تذهب إليه أغلب الدراسات التاريخية.

وهذا يقتضي دراسة مسار تطور الشرق الأوسط على مدى طويل من الزمن حتى الوصول إلى حقبة الاستعمار الأوروبي، ووصف التواصلات والانقطاعات التي ميزت مراكز الحضارة الرئيسية فيه منذ العصور القديمة. كما يقتضي أيضاً التشديد على المرتكزات الجغرافية والثقافية الكبرى للشرق الأوسط، كالأناضول، والهضاب الإيرانية المرتفعة، وبلاد ما بين النهرين، ومصر، التي شكلت على مرّ تاريخها المتعدد الألفيات، دعامة لبنياتها السياسية الكبرى.

ويبدو أن المؤلف يسكنه همُّ الردّ على مقولات كل من برنارد لويس وصموئيل هنتنغتون وسواهما، التي تدعي وجود تجمعات ضخمة لهويات مثل "الإسلام" و"الغرب"، من خلال إبراز التنوع الذي ميّز المنطقة تاريخياً على المستوى الجغرافي والثقافي منذ العصور القديمة، فالمنطقة تضم ثلاث مجالات كبرى، هي المجال العربي والمجال التركي والمجال الإيراني، أي أنه ليس هناك مجتمع يوحد المنطقة، بما يشبه الجسم العرقي أو الوطني الموحد، والذي تشي به كتابات عديدة تناولت المنطقة، ذلك أن العرب والفرس والأتراك لا يشكلون جماعة متجانسة أو موحدة يجمعها الدين الإسلامي، كما أنه لا يمكن النظر إلى المجتمعين المصري والإيراني أو السعودي والتركي على أنهما مجتمع واحد، مع العلم أن دين الإسلام موجود في منطقة محددة، وأقام هذا الدين ما يسميه المؤلف "جيولوجيا الثقافات" على أرضها، وشيّد إحدى الحضارات الكبرى في التاريخ الإنساني.

لكن بالرغم من أن الإسلام شكّل عاملاً هاماً في تطور ما يسمى بـ"المجتمعات المسلمة"، لكنه لم يكن العامل الوحيد، فضلاً عن أن هناك العديد من الأنظمة السياسية التي استغلت هذا الدين –ومازالت– كي تضمن الحفاظ على سلطتها وسطوتها.

مفهوم الشرق الأوسط
"
لا يشير مفهوم "الشرق الأوسط" إلى حيّز جغرافي معين، ولا إلى تاريخ محدد مشترك لشعوب المنطقة، كونه استند في الأساس إلى نظرة السياسات الاستعمارية الأوروبية، التي تعتبر أوروبا كـ"مركز" يقع خارج "الشرق الأوسط"
"
يتفحص المؤلف بعض تداخلات الجغرافيا والتاريخ، كي يقدم التحديدات الجغرافية والبشرية المدروسة، حيث يرى أن منطقة الشرق الأوسط تشير إلى تعريف غير دقيق، يشمل مجالاً جغرافياً غير محدد بشكل دقيق، كونه يمتد من سلاسل الجبال البلقانية في أوروبا وصولاً إلى صحراء ليبيا.

ولا يشير مفهوم "الشرق الأوسط" إلى حيّز جغرافي معين، ولا إلى تاريخ محدد مشترك لشعوب المنطقة، كونه استند في الأساس إلى نظرة السياسات الاستعمارية الأوروبية، التي تعتبر أوروبا كـ"مركز" أو "قطب جاذب" للعالم، يقع خارج "الشرق الأوسط"، وبناء على ذلك اجترحت القوى الاستعمارية الأوروبية التعبيرات المختلفة، بخصوص مناطق التوسع الاستعماري انطلاقًا من المركزية الأوربية في عصر الاستعمار، الذي شكل عالمًا تميز بكونه ذا قطب واحد هو القطب الاستعماري بدوله المختلفة.

وتذهب التعريفات الأنغلوسكسونية إلى ضم كل من أفغانستان وباكستان إلى الشرق الأوسط، فيما يجري الحديث أحياناً عن منطقة "الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، أو عن "المشرق العربي" مقابل "المغرب العربي". لكن ما يدرسه قرم ضمن مجال الشرق الأوسط، في هذا الكتاب، يتحدد في بلاد المشرق العربي وإيران وتركيا.

ثروة ثقافية
عرفت منطقة الشرق الأوسط، منذ عهود قديمة جداً، التجّار والصيادين والبحّارة، الذين انفتحوا على البحر وخاضوا فيه، وجسّد الفينيقيون نموذجهم الأمثل. وتميزت اللوحة البشرية والسكانية للمنطقة بالغنى والتنوع، حيث اجتمع على أرضها الساميون والهنود الأوروبيون والأفارقة، وتعاقبت حضارات السومريين والأكاديين والآشوريين والفينيقيين والكنعانيين والآراميين وسواهم، الأمر الذي يشي بوجود ثروة ثقافية استثنائية، كونها كانت على الدوام مركز وملتقى حضارات إنسانية عديدة.

وفيها عرف العالم ولادة المدن ونموها وخرابها بفعل الغزوات واندثار بعضها وانبعاث بعضها الآخر، لذلك لا يمكن النظر إلى الشرق الأوسط من خلال تثبيت السمات الإثنية والثقافية، نظراً لوجود طبقات عديدة في الجيولوجيا الثقافية التي عرفتها المنطقة عبر تاريخها المديد.

ويشهد تاريخ الشرق الأوسط على حضارات بلاد ما بين النهرين، بمختلف مكوناتها، السومرية، والبابلية، والكلدانية، والآشورية، ثم الفتوحات العربية والخلافتين الأموية والعباسية، فيما شهد تاريخ الأناضول حضارة الحثيين.

وعرف الشرق الأوسط الفتح البطيء من قبل الأتراك السلاجقة، وبعدهم من قبل العثمانيين، فضلاً عن ما يسميه جورج قرم "الشرق الأوسط اليوناني"، الذي يمتد من الألف الثاني قبل الميلاد، وصولاً إلى القرن السادس عشر الميلادي، ليتوقف عن نهاية عصر الإمبراطوريات في الشرق الأوسط وبروز القوى الغربية الاستعمارية، حيث عرف العالم تناقضاً مدهشاً ما بين الصعود القوي للدول الأوروبية، بدءاً من عصر النهضة، منذ نهايات القرن السادس عشر، والتقهقر التدريجي، الذي عرفته مجتمعات الشرق الأوسط، ابتداء من القرن الثامن عشر، فـ"انحط الشرق" و"انبعث الغرب".

التدخل الأوروبي
"
بدأ تدخل القوى الأوروبية ثم الأميركية في منطقة الشرق الأوسط منذ حملة نابليون بونابرت على مصر حتى أيامنا هذه، وتعرضت المنطقة للسيطرة الأوروبية، بمختلف أنواعها، المباشرة وغير المباشرة
"
يمتد البحث التاريخي لمنطقة الشرق الأوسط، ليطاول السيطرة الاستعمارية الأوروبية في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى احتلال الولايات المتحدة الأميركية للعراق، مع استعراض نتائج الاختراق الاستعماري الأوروبي، ومعرفة أسباب انحطاط الشرق الأوسط منذ القرن الثامن عشر، والصعود القوي للدول الأوروبية، حيث بدأ تدخل القوى الأوروبية ثم الأميركية في منطقة الشرق الأوسط منذ حملة نابليون بونابرت على مصر حتى أيامنا هذه، وتعرضت المنطقة للسيطرة الأوروبية، بمختلف أنواعها، المباشرة وغير المباشرة، بعد أن خضعت لواقع التنافس ما بين القوى الأوروبية الصاعدة، وما ترتب عليها من تقسيمات جديدة، ما بين حملة نابليون بونابرت في عام 1798 ونهاية الحرب العالمية الأولى.

وأصبح الشرق الأوسط تحت ظل السيطرة الفرنسية الإنجليزية المباشرة ما بين عام 1919 وعام 1959، وذلك تنفيذاً للاتفاقيات المعروفة باسم اتفاقيات سايكس بيكو".

أما مع نهاية الحرب العالمية الثانية، التي خرج منها منتصران كبيران هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق، ثم نشوب حرب قناة السويس عام 1956، فقد عرفت بعدها منطقة الشرق الأوسط تنافساً كبيراً، بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي في ظل ما عرف باسم "الحرب الباردة".

نماذج المقاومة
يعرض المؤلف للأثر التخريبي الذي نجم عن الغزو الأوروبي، ونهض –بشكل خاص- على التنافس بين فرنسا وبريطانيا، وفي الأثر المدمر الذي مثله قيام الكيان الإسرائيلي في المنطقة. ويحدد ثلاثة أشكال لمقاومة السيطرة الغربية في المنطقة، التي تجسدت في أنماط المقاومة، التركية والإيرانية والعربية، ووُلد كل منها في ظروف تاريخية خاصة، حيث نهض النمط التركي على قاعدة أيديولوجية، علمانية وقومية، لدى مجموعة ضباط "تركيا الفتاة" وميراث كمال أتاتورك.

وكان للنمط الإيراني تطلعات تحديثية، عبّرت عنها النزعة البرلمانية، التي بدأت في عام 1908، فيما نهض النمط العربي على خلفية أيديولوجيا قومية، وجسّد الزعيم جمال عبد الناصر رمزها الأبرز.

لكن مع هزيمة السادس من يونيو/حزيران عام 1967 في مواجهة إسرائيل، ثم موت عبد الناصر المبكّر في عام 1970، فإن النتيجة تجسدت في تقهقر المبادئ القومية العربية ذات الطبيعة الدنيوية. ويعتبر جورج قرم أن قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، ثم الحرب العراقية الإيرانية التي أعقبتها، شكلا مقدمة لصعود الحركات المتطرفة على قاعدة أيديولوجية إسلامية.

ويبحث جورج قرم في أسباب وجود حالة من سوء الفهم بين دول أوروبا والشرق العربي، التي تعاظمت مع محاولة أوروبا إصلاح ما ألحقته باليهود من مظالم على حساب الشعب الفلسطيني وأرضه وحقوقه.

"
الخلاصة التي يقدمها الكتاب هي أن منطقة الشرق الأوسط تمرّ في حالة من الغليان والتوتر، منذ أوائل القرن التاسع عشر، وتشهد تحولات ثقافية وديموغرافية وسياسية مستمرة
"
لكن الخلاصة التي يقدمها في نهاية كتابه، تشير إلى أن منطقة الشرق الأوسط تمرّ في حالة من الغليان والتوتر، منذ أوائل القرن التاسع عشر، وتشهد تحولات ثقافية وديموغرافية وسياسية مستمرة.

ويظهر استقصاء أسباب استمرار انحطاط حضارات الشرق الأوسط الصعوبات التي تواجهها هذه المنطقة من العالم، على عكس مناطق أخرى، في إيجاد السلام والاستقرار، نظراً للمشاكل العديدة الراهنة، المتمثلة في التجزئة والنزاعات المستمرة التي تهز منطقة كانت، بلا منازع، مهد الحضارة".

وباعتبار أن الشرق الأوسط عرف سيطرة اليونانيين والرومانيين لقرون طويلة، وغزاه الصليبيون والمغول، فإن لا أحد يستطيع اليوم أن يتنبأ، فعلياً، ما سيكون عليه الوضع في الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين، لأن هذه الأرض يمكن أن تخبئ مفاجآت عديدة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة