تقسيم البلاد   
الثلاثاء 1426/11/20 هـ - الموافق 20/12/2005 م (آخر تحديث) الساعة 6:32 (مكة المكرمة)، 3:32 (غرينتش)

عرض/نزار رمضان
فكرة التقسيم داخل المجتمع الإسرائيلي قديمة جديدة، وهي تطالب الإسرائيليين بالانفصال الكامل عن العرب الفلسطينيين والعودة إلى حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967.

هذه الفكرة التي ناقشها السياسيون الإسرائيليون وكانت محورا لحكومات إسرائيلية سابقة تعود اليوم لتطرح على ساحة الصراع من جديد، خاصة عقب عملية الانسحاب من جانب واحد التي قاد لواءها أرييل شارون رئيس وزراء إسرائيل الحالي وزعيم حزب الليكود السابق وواجه خلالها اليمين الإسرائيلي بقسوة وشدة.

- الكتاب: تقسيم البلاد
- عدد الصفحات: 254
- المؤلف: أوري شفيط
- الناشر: معهد القدس للأبحاث والدراسات (كيتر)، القدس
- الطبعة: الأولى 2005

الاتصال والانفصال
تكمن أهمية هذا الكتاب في استعراضه أفكار 33 شخصية سياسية وعسكرية وأكاديمية وأمنية من رواد صنع القرار داخل إسرائيل.

فالمؤلف هو أوري شفيط السياسي والإعلامي اليساري المعروف الذي عمل في صفوف حركة ميرتس وأصبح عضوا في حركة السلام الآن.

فقد عرض شفيط أفكارا مميزة لموضوع الانفصال من خلال عرضه لوجهات نظر إسرائيلية عديدة تناولت أفكار اليمين واليسار والوسط، وآراء قيادات أمنية وعسكرية وسياسية وحكومية.

عرض المؤلف أفكارا لأمثال عامي أيلون وزير الأمن الداخلي السابق وشلومو غازيت لواء عسكري متقاعد في الجيش الإسرائيلي ويوسي بيلن أحد مهندسي اتفاق أوسلو وأفرايم هلسي رئيس جهاز الموساد السابق وشمعون شامير السفير الإسرائيلي السابق في القاهرة، وموشيه أرنت وزير الدفاع الأسبق، وبنيامين نتنياهو زعيم حزب الليكود الأسبق ويهود باراك رئيس وزراء إسرائيل الأسبق وأوري أفنيري زعيم حركة السلام الآن والعديد من المسؤولين.

كما عرض أفكار هؤلاء القادة والمفكرين والسياسيين حول التقسيم والانفصال ومدى تأثيرهما على الأمن والمستقبل الإسرائيلي، مؤكدا أن ضرورة أخذ مستقبل الصراع بعين الاعتبار تفرض نفسها على هؤلاء الساسة ليناقشوا عملية الفصل والانسحاب بجدية لأنها مصلحة عليا تساهم في خدمة الشعب الإسرائيلي.

هذ1 الانفصال يراه البعض تحطيما لأسطورة دولة الاستيطان والتوسع، فيما يراه البعض الآخر أنه إنجاح لفلسفة التعايش التي ينبغي أن تشهدها المرحلة في ظل تنامي الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين وفي ظل إصرار الفلسطينيين على الدولة الفلسطينية المستقلة وخاصة عقب اتفاقيات أوسلو.

يعد هذا الكتاب من الدراسات النادرة التي تعارض الاحتلال الإسرائيلي لمناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، بل ويطالب بإنهاء الاحتلال فورا حتى يهنأ الشعب الإسرائيلي بالأمن والأمان كما يرى الكاتب.

ويشير أيضا إلى أن سياسة السيطرة على شعب آخر تنتقص من مكانة إسرائيل الأخلاقية، ويرى أن الشخصية الإسرائيلية المنضبطة تبدلت بخليط ضخم من الحوافز والغرائز القومية.

فإسرائيل السيادية والبنغوريونية (نسبة إلى بن غوريون) كما يقول الكاتب انصهرت في إطار إسرائيل التي مزقتها شهوة السيطرة على شعب آخر، لا بل بات هذا النهج يهزها ويفسد عليها هويتها أمام العالم والمجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان.

"
حركة غوش أمونيم المتطرفة كانت الأكثر عنفا ودموية ضد الفلسطينيين، ووجدت عناية ومساندة فائقة من شارون أحد أبرز القيادات اليمينية المتطرفة التي أسست الاستيطان في الضفة وقطاع غزة
"
المستوطنون والفلسطينيون
يرى الكاتب أن المستوطنين هم العدو الأول للفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال والذين هم ضحية لهؤلاء المستوطنين الذين يحظون بحماية ورعاية الجيش الإسرائيلي.

ويعرض لنماذج مفجعة من الأعمال العدوانية التي قام بها المستوطنون ضد الشعب الفلسطيني، ولعبت دورا بارزا في تأجيج العداء مع الفلسطينيين.

يشير الباحث إلى أن حركة غوش أمونيم المتطرفة كانت الأكثر عنفا ودموية ضد الفلسطينيين. هذه الحركة قامت من أجل مواجهة العرب الفلسطينيين ووجدت عناية ومساندة فائقة من شارون أحد أبرز القيادات اليمينية المتطرفة التي أسست الاستيطان في الضفة وقطاع غزة.

ويشبه الكتاب اليمين الإسرائيلي بالشيطان، مؤكدا أن هذا الشيطان دفع إلى إغواء إسرائيل كي تعيش حالة التردي الأمني والسياسي كما هو الحال اليوم جراء تنكر هذا الشيطان للسلام والانسحاب والانفصال عن الفلسطينيين، معتبرا أن غالبية المسؤولين في إسرائيل كانوا رافدا أساسيا لنشطاء اليمين الذين كانوا ولا يزالون يتحكمون في مصير السواد الأعظم من الإسرائيليين.

ويتطرق الكتاب بالشرح والأمثلة إلى نماذج من السياسات التي كانت ترسم ضد الفلسطينيين من خلال ضغط المستوطنين الذين تم استغلالهم ليكونوا شرارة، ومن ثم وقودا لملحمة كبرى.

هذا الاستغلال كان يوجه بطريقة حكومية رسمية لعهود سابقة عبر حكومات مرموقة من العمل والليكود في آن واحد، إذ إن الجميع شركاء في الجريمة كما يصف الكاتب، فهم لا يرهقون الفلسطينيين فحسب وإنما يرهقون ويدمرون المستقبل الإسرائيلي أيضا.

"
جيل الاحتلال فقد المصداقية الإنسانية وبات يستعذب احتلال شعب آخر، فجذر الحقد والكراهية وبعثر المستقبل الإسرائيلي الذي بات غير واضح في ظل تنامي دائرة الصراع
"
الأجيال الثلاثة
يتعرض الكتاب للحديث عن أجيال إسرائيل ونظرتها للانفصال والسلام ومستقبل الدولة، مشيرا إلى أن الجيل الأول هو "جيل البلاد" أي جيل البحث عن موقع ومكان لليهود الذين عاشوا حياة الغيتو بعيدا عن الاندماج والاستقرار.

وهذا الجيل هو جيل الإسرائيليين القدماء الذين حملوا على عاتقهم المسؤولية الكبرى للمستقبل الإسرائيلي.

أما الجيل الثاني فهو "جيل الدولة" أي جيل البناء الذي انشغل في التأسيس وبناء الدولة اليهودية، والذي كان همه الأكبر أن يرى حلم الدولة قد تحقق.

وبدأ هذا الجيل من عهد بن غوريون الذي ترأس أول حكومة والذي كان صاحب شعار "دولة بلا حدود".

ويرى الباحث أن هذا الجيل غدر بالشعب اليهودي ولم يرسم له معالم خريطة المستقبل، فكان يهدف إلى البناء فقط دون دراسة النتائج.

ويطلق المؤلف على الجيل الثالث "جيل الاحتلال" الذي فقد المصداقية الإنسانية وبات يستعذب احتلال شعب آخر، فجذر الحقد والكراهية وبعثر المستقبل الإسرائيلي الذي بات غير واضح في ظل تنامي دائرة الصراع.

جيل الاحتلال هذا آمن بأن الحقيقة تكمن في استمرار الصراع وأن الصراع فقط هو الذي يحقق الأمن للإسرائيليين، وكذلك يحقق للأجيال الإسرائيلية الصاعدة رؤية مستقبلية نحو حياة مطمئنة ناجحة.

ويرى الكاتب أن هذا الجيل يؤمن بالسيطرة الأبدية على الشعب الفلسطيني انطلاقا من ديمومة الصراع بين العرب والإسرائيليين، حيث يشير إلى أن هذا الفهم يشكل قاسما مشتركا بين الصقور والحمائم في الدولة العبرية.

لهذا شكل هذا الجيل فلسفة الجيرة وعدم التمكن من الخروج من الأزمة التي ألمت بإسرائيل خلال عشرات السنوات والتي باتت عبئا ثقيلا على الأجيال القادمة. هذه الأزمة التي أودت بحياة آلاف الإسرائيليين خلال رحلة الاستنزاف الطويلة مع الفلسطينيين عبر الحروب والانتفاضات.

"
بعد 17 عاما من الصراع أصبح الانسحاب موقف معظم الشارع الإسرائيلي بعد اتفاق أوسلو وكامب ديفد الثانية، مرورا بأربع سنوات من الانتفاضة الثانية
"
الإفلاس السياسي
بجرأة متناهية يصف الكاتب أطروحات الجيل الثالث بأنها أفلست منذ يناير/كانون الثاني 1987 العام الذي تفجرت فيه الانتفاضة الفلسطينية، مشيرا إلى أن عدم رفض الصقور في إسرائيل الاعتراف بهذه الحقيقة (الاحتلال) أدى إلى ثقل أخلاقي وعسكري وسياسي يهدد بإغراق إسرائيل.

ويرى أن الخروج من المناطق الفلسطينية شرط إجباري لتجديد عظمة إسرائيل، خاصة إذا ما تم هذا الانسحاب في ظل أوج القوة.

أما إذا كان الخروج والانسحاب في ظل الجزر الإسرائيلي وحالة المد القومي الفلسطيني، فإن ذلك يعتبر بالنسبة لإسرائيل كارثة.

ويفند الكاتب ادعاءات اليمين التي تعارض الانفصال وتقول "اليوم نابلس وغدا يافا" بأنها ادعاءات غير واقعية، إذ لا يعني الإقرار بالانسحاب من حدود عام 1967 هزيمة سيتبعها انسحاب آخر من قلب إسرائيل، بل إن عملية الفصل المبرمجة والانسحاب -ولو من طرف واحد- تشكل أمنا وحياة للإسرائيليين.

ويقدم الكاتب أدلة على ذلك فيقول إن إسرائيل قبل احتلالها الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 لم تخسر هذا الحجم من الضحايا، ولم تبذل هذا الجهد الأمني والإرهاق العسكري الذي بذلته عقب احتلالها هذه الأراضي يوم 4 يونيو/حزيران 1967.

ولهذا يجب على اليمين الإسرائيلي التنازل عن النظرة الإقليمية، ويجب على اليسار التنازل عن النظرة الوطنية وعلى الصقور أن يفهموا أنه ليس لإسرائيل حياة في المستقبل القريب إلا في إسرائيل الصغرى (المناطق المحتلة عام 1948) وعلى الحمائم أن يفهموا أيضا أنه في المستقبل القريب لا حياة لهم إلا بالعيش خلف جدار حديدي داخل الحدود الصغرى، وهذا هو الخيار الأخلاقي والواقعي الوحيد.

ويؤكد الكاتب أنه بعد 17 عاما من الصراع منذ الانتفاضة الأولى وحتى اليوم، أصبح الانسحاب موقف معظم الشارع الإسرائيلي أي من بعد اتفاق أوسلو وكامب ديفد الثاني، مرورا بأربع سنوات من الانتفاضة الثانية.

ولهذا كان لابد من الانسحاب ولو من طرف واحد حتى تحقق إسرائيل الأمن لأجيالها القادمة.

ورأى أنه إذا كان الانسحاب باتفاق مع الفلسطينيين فهو أفضل، ولهذا يرى الكاتب أن تعطيل عملية الانسحاب كتعطيل عملية جراحية لقلب مريض هو بأمس الحاجة إليها، فإذا لم تنفذ هذه العملية بالسرعة الممكنة فإننا نحكم على مريضها بالموت.

وكذلك الحال مع إسرائيل التي تنزف في ظل صراع لا نهاية له، ولن يكون له نهاية إلا بالاتفاق على خطة انفصال محكمة تفاديا للموت المحتم. ومن هنا كان الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية مرحلة إستراتيجية هامة على طريق الصواب.

"
ينبغي على الشخصيات التي تشكل بانوراما إسرائيلية أن تنظر إلى مستقبل إسرائيل من خلال الإقرار بحيوية وفعالية عملية الفصل والانسحاب
"
جدار الفصل
يرى الكاتب أن جدار الفصل والانفصال مرحلتان مترابطتان ولا تنطويان على مخاطر مصيرية، فالجدار بحد ذاته يشكل حماية أمنية، ثم تضاف إليها عملية الفصل التي تشكل وقاية أمنية من جانب آخر.

لكنه يرى أن موقع الجدار الحالي مثير للجدل ويدفع باتجاه المزيد من الصراع، إذ يعتقد بأن الجدار ينبغي أن يعود إلى الوراء قليلا ليكون ضمن الحدود التي احتلت عام 1967.

ولهذا يرى أن الفلسطينيين قد يكون مقبولا لديهم جدار يفصل بينهم وبين إسرائيل ولكن ضمن الحدود التاريخية وليس على حساب الضفة وقطاع غزة، وأنه من الضرورة بمكان أن يكون هناك نقاش بين الإسرائيليين والفلسطينيين حول هذا الجدار وموقعه وعملية الفصل ضمن اتفاقات وتفاهمات مصيرية.

ويشير الكاتب إلى أن أفكار الكثير من دعاة اليمين ودعاة اليسار في إسرائيل قد تلتقي على مستقبل الجدار وحيثياته الأمنية والسياسية، إذا ما كانت هناك قناعات مسبقة بضرورة انفصال إسرائيل عن الأراضي الفلسطينية وخروج الجيش الإسرائيلي من هذه المناطق.

وهذا بدوره يؤدي إلى:
1- حفظ الأمن الإسرائيلي بعد عملية الانفصال.
2- التوصل إلى اتفاقيات سلام مع الفلسطينيين تضمن حق الطرفين.
3- إعطاء الفلسطينيين الحق في بناء بنية تحتية تكون أساسا للدولة الفلسطينية.
4- عملية الانفصال ستعطي إسرائيل مصداقية لعلاقات تطبيعية وطبيعية مع العالم العربي في حال التوصل إلى حسم الصراع.

ويختتم الكاتب كتابه قائلا إن وجهات نظر 33 إسرائيليا التي أجملها في هذا الكتاب، هي وجهة نظر أصحاب صنع القرار من سياسيين وعسكريين وأمنيين وأكاديميين سواء كانوا يمينا أم يسارا أم وسطا.

وقال إنه ينبغي على هذه الشخصيات التي تشكل بانوراما إسرائيلية أن تنظر إلى مستقبل إسرائيل من خلال الإقرار بحيوية وفعالية عملية الفصل والانسحاب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة