السياسة الخارجية الأميركية والعالم الإسلامي   
الاثنين 1430/7/27 هـ - الموافق 20/7/2009 م (آخر تحديث) الساعة 19:36 (مكة المكرمة)، 16:36 (غرينتش)

عرض/أمل عيتاني
أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت دراسة أكاديمية جديدة باللغة الإنجليزية، استغرق إعدادها نحو ثلاث سنوات، في كتاب بعنوان "السياسة الخارجية الأميركية والعالم الإسلامي".

وقد شارك في كتابة هذا الكتاب 13 من أساتذة الجامعات والأكاديميين من الولايات المتحدة وبريطانيا وماليزيا والإمارات العربية المتحدة ولبنان، وحرره كل من د. محسن صالح، ود. اشتياق حسين.

تتوزع فصول الكتاب الـ14 على ثلاثة محاور، يحمل أولها عنوان: العوامل المحلية في صناعة السياسة الخارجية الأميركية، ويحمل المحور الثاني عنوان: خصائص السياسة الخارجية الأميركية، في حين يتحدث المحور الثالث عن تطبيقات السياسة الخارجية الأميركية في فلسطين والعراق وإيران وأفغانستان.

المؤثرات الداخلية في القرار الأميركي

- الكتاب: السياسة الخارجية الأميركية والعالم الإسلامي
- المؤلف: مجموعة من الباحثين
- المحرر: اشتياق حسين ومحسن صالح
- الصفحات: 422
- الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات–بيروت
- الطبعة الأولى، مايو/أيار 2009

في الفصل الأول من الكتاب يعالج د. اشتياق حسين المؤثرات الداخلية التي تلعب دوراً مهماً في صناعة القرار الأميركي، سواء في الإدارة الأميركية ودوائرها الرسمية، أو فيما يتعلق بجماعات المصالح والرأي العام، والقيم الأخلاقية السائدة في المجتمع الأميركي.

ويشير إلى دور مؤسسة الرئاسة ومجلسي النواب والشيوخ ومجلس الأمن القومي، لافتاً النظر إلى أهمية الدور الذي يلعبه مجلس الأمن القومي ووزير الخارجية الأميركي في عملية صناعة القرار.

و يرى حسين أن "الأميركيين لا يرون غضاضة في محاولة نشر القيم الأخلاقية الأميركية في العالم، لكونها أتت للولايات المتحدة بخير"، وهي قناعة تبنتها الإدارة الأميركية في صياغة سياستها الخارجية.

أما الفصل الثاني من الكتاب، فقد كتبه د. محمد عارف زكاء الله حول صعود اليمين المسيحي وتأثيره على السياسة الخارجية الأميركية، والكيفية التي تتم من خلالها عملية التأثير على السياسة الخارجية الأميركية التي تستند بشكل عام إلى معايير دينية في النظر إلى الآخرين، ودعم إسرائيل بسبب خلفيات دينية، والاستناد إلى نبوءات الإنجيل حول نهاية العالم، وظهور المسيح المخلص.

أما الفصل الثالث، فيحلل فيه د. اشتياق حسين دور المحافظين الجدد في التأثير على السياسة الخارجية الأميركية، وخصوصاً في عهد بوش الأب وبوش الابن، محللاً الطريقة التي يؤثر بها المحافظون الجدد على السياسة الخارجية الأميركية، ليخلص إلى التساؤل عن "مستقبل حركة المحافظين الجدد، بعد الفشل الذريع الذي منيت به الولايات المتحدة الأميركية في العراق، والإذلال أو الإهانة التي تعرض لها المحافظون الجدد وحلفاؤهم، وخصوصاً في إدارة بوش الابن".

"
اللوبي الإسرائيلي يدفع السياسة الخارجية الأميركية باتجاه تبني ما يصب في مصلحة إسرائيل
"
دور الإعلام الأميركي في التعتيم
وفي الفصل الرابع، تتحدث الكاتبة الأميركية المتخصصة أليسون وير عن دور الإعلام الأميركي في التعتيم على حقائق ما يجري على ساحة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والدور الذي تلعبه السياسة الخارجية الأميركية في هذا المجال.

وترى وير أن الرأي العام الأميركي لا يعرف شيئاً عن هذه القضية إلا ما يراه من خلال التغطية الإعلامية للأحداث المنحازة لإسرائيل، وهو ما يعكس الدور الخطير لوسائل الإعلام في صناعة قرارات تعتمد على معلومات خاطئة أو مضللة، مما يؤدي إلى نتائج تخدم عادة طرفاً محدداً هو الطرف الإسرائيلي، وهذا ما يزيد الشعور بالظلم لدى الأطراف الأخرى، ويزيد الكراهية ضد الولايات المتحدة وسياساتها.

أما الفصل الخامس فيعالج فيه د. عطاء الله كوبانسكي، ود. محسن صالح الموضوع الأكثر إثارة للجدل فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأميركية، وهو موضوع اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة وتأثيره على عملية صناعة القرار، ليُظهر الباحثان بعد بحث شامل ومفصل كيفية تأثير اللوبي الإسرائيلي على مختلف المؤسسات الحكومية الإعلامية والأكاديمية في الولايات المتحدة الأميركية بأن اللوبي الإسرائيلي يدفع السياسة الخارجية الأميركية باتجاه تبني ما يصب في مصلحة إسرائيل.

وفي الفصل السادس يعالج د. أحرار أحمد دور المجموعات الأميركية المسلمة في التأثير على صناعة القرار الأميركي، متطرقاً إلى المجالات المحددة التي تؤثر فيها هذه المجموعات على السياسة الخارجية الأميركية، ومقارناً بين تأثير اللوبي الإسرائيلي وتأثير المجموعات الأميركية المسلمة في هذا المجال، ليؤكد أن المجموعات الأميركية المسلمة لم تستطع حتى الآن أن تبلور إنجازات معتبرة فيه، لأن تأثيرها فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأميركية في العالم الإسلامي ما يزال متواضعاً جدا.

وفي الفصل السابع من الكتاب يقدم د. الفاتح عبد السلام تحليلاً تاريخياً للقضايا الأساسية في السياسة الخارجية الأميركية، فيشرح كيفية تحول الولايات المتحدة الأميركية إلى قوة عظمى عالمية، متطرقاً إلى السياسة الخارجية الأميركية في مراحل مختلفة مثل الحرب العالمية الأولى، وما بعدها، ثم الحرب الباردة، ثم مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

ويؤكد سقوط الفرضية الأميركية الأهم التي سادت في مراحل مختلفة من التاريخ الأميركي، والتي تقول بأنه "ما لم تسيطر الولايات المتحدة الأميركية على العالم من الناحية العسكرية، فإن النظام العالمي سوف ينهار" وهي فرضية ثبت خطؤها، بحسب رأي الكاتب، إذ يرى أن "العالم تمكن من أن يتدبر أموره طوال التاريخ، ومنذ فترات طويلة سبقت وجود الولايات المتحدة الأميركية أصلا".

وفي الفصل الثامن، يشرح د. حبيب الحق خوندر تأثير الاقتصاد السياسي الأميركي على عملية صناعة القرار في الولايات المتحدة الأميركية، مؤكداً أنه في الوقت الذي يتجه فيه العالم لسيادة النظام الاقتصادي الرأسمالي المعتدل، ما زالت الولايات المتحدة الأميركية تعتمد في مقاربتها الاقتصادية على النظرية الرأسمالية الاستعمارية، الأمر الذي ينعكس على طريقة صياغة سياساتها الخارجية.

"
المقاومة العراقية غير المتوقعة، وما تسببت به من خسائر للجيش الأميركي أفشلت التطلع الأميركي، لقيادة العالم وحدها وأثبتت أن القوة الوقائية والقبضة العسكرية الحديدية لا توفر الأمن لأي طرف
"
وفي الفصل التاسع، يشرح د. شهيد شهيد الله، المبادئ أو النظريات التي صيغت على أساسها السياسة الخارجية الأميركية في مراحل تاريخية مختلفة، محللاً نظريات الحرب الباردة، والحرب على الإرهاب، ومجرياً مقارنة بين نظرية كلينتون في السياسة الخارجية الأميركية ونظرية بوش الابن، داعياً الولايات المتحدة إلى ضرورة تبني نظرية جديدة في السياسة الخارجية، خصوصاً فيما يتعلق بالعالم الإسلامي.

وفي الفصل العاشر يناقش د. داود عبد الله السياسة الخارجية الأميركية تجاه القضية الفلسطينية من وجهة نظر محايدة، فيحدد العوامل الداخلية التي تلعب دوراً أساسياً في صياغة السياسة الخارجية الأميركية تجاه القضية الفلسطينية، وكيف تتم صياغة السياسة الخارجية الأميركية في هذا المجال بشكل عام.

وقد خلص عبد الله إلى القول بأن الولايات المتحدة الأميركية فشلت تاريخيا في انتهاج موقف معتدل، تصالح من خلاله بين الأهداف الإسرائيلية والحقوق الفلسطينية.

السعي إلى السيطرة
وفي الفصل الحادي عشر يتحدث د. عبد الرشيد موتن عن اجتياح العراق واحتلاله، وسعي الولايات المتحدة إلى السيطرة على النظام العالمي، فيرى أنه مع نهاية الحرب الباردة، حدث تحول بازر في السياسة الخارجية الأميركية، دفعها إلى تبني نظرية القوة الوقائية التي تهاجم من خلالها أي "جهة إرهابية محتملة" وذلك في إطار سعيها لإحكام قبضتها بالسيطرة على العالم، وأن تصبح القوة العظمى العسكرية الوحيدة فيه.

ولكن موتن رأى من خلال تحليله أن المقاومة العراقية غير المتوقعة، وما تسببت به من خسائر للجيش الأميركي، أفشلت هذا التطلع الأميركي، وأثبتت أن القوة الوقائية والقبضة العسكرية الحديدية لا توفر الأمن لأي طرف، مما أوجد حالة من الاعتراض حالت دون قيام بوش الابن بأي مغامرة عسكرية جديدة لضرب سوريا أو إيران أو لبنان أو غيرها.

وفي الفصل الثاني عشر، يعالج الدكتور شودري شميم، الملف النووي الإيراني وطريقة تعاطي كل من الولايات المتحدة، وأوروبا وإسرائيل والأمم المتحدة معه، فيذكر أن التطلع النووي لم يكن يوماً حكراً على إيران، حيث إن الكثير من الدول ومنها البرازيل على سبيل المثال، طالبت بحقها في امتلاك السلاح النووي أسوة بغيرها من الدول منذ أواخر السبعينيات.

كما يحلل الباحث وجهات النظر المختلفة المعارضة والمؤيدة لامتلاك دول العالم للسلاح النووي، واحتمالات معالجة الملف النووي الإيراني، ومنها احتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران، مستبعداً هذا الاحتمال لأسباب تتعلق بالطرفين.

أما الفصل الثالث عشر فيقدم فيه د. وهاب الدين رئيس دراسة حول السياسة الأميركية تجاه أفغانستان منذ بداية الثمانينيات وحتى سنة 2007، محللاً المصالح الأميركية في أفغانستان، والتحولات التي طرأت على السياسة الخارجية الأميركية حيال الملف الأفغاني، والتي تبدلت بتبدل المصالح والتحالفات الأميركية فيها.

"
إذا صدق الرئيس الأميركي في وعوده فسيكون بإمكانه أن يخبر الأجيال المقبلة من الأميركيين بأن بلادهم ساعدت في صناعة السلام في الشرق الأوسط، وواجهت مشاكل التغير المناخي، واستطاعت هزيمة الإرهاب العالمي
"
ملفات تنتظر
وفي الفصل الأخير يستعرض د. اشتياق حسين الملفات الساخنة التي تنتظر الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأميركية، وأهمها ملف السلام في الشرق الأوسط وملفات العراق وباكستان والحرب على الإرهاب في أفغانستان وباكستان.

وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية المستفحلة في الولايات المتحدة الأميركية التي تعد الأسوأ منذ الثلاثينيات، والأجندة الداخلية المثقلة التي يجب على الرئيس الأميركي معالجتها، يستبعد الكاتب تماماً أن تعود الولايات المتحدة إلى سياسة عزل نفسها من أجل معالجة أزماتها الداخلية.

ويشير الكاتب إلى أنه إذا صدق الرئيس الأميركي في وعوده فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأميركية، فإنه سيكون بإمكانه أن يخبر الأجيال المقبلة من الأميركيين بأن بلادهم ساعدت في صناعة السلام في الشرق الأوسط، وواجهت مشاكل التغير المناخي، واستطاعت هزيمة الإرهاب العالمي.

ويعد كتاب السياسة الخارجية الأميركية والعالم الإسلامي إضافة متميزة تهم كل الباحثين والأكاديميين والطلاب الذين يتخصصون في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية، وكل الذين يتطلعون إلى معرفة أعمق للسياسة الخارجية الأميركية، وكيفية تفاعلها مع قضايا العالم الإسلامي.

وعلى الرغم من أن الأحداث في المشهد الدولي تشهد تغيرات سريعة نسبيا، تستدعي وجود دراسات متجددة دائما لمواكبة التطورات، فإن هذا الكتاب عالج بمقاربة تحليلية شاملة الأسس الثابتة التي تتعاطى على أساسها الولايات المتحدة مع ملفات السياسة الخارجية، تجاه العالم الإسلامي، على الرغم من وجود متغيرات ظرفية سريعة ومربكة في بعض الأحيان.

ويمكن القول إن أهم ما يتميز به هذا الكتاب هو هذا الحشد الكبير للطاقات الأكاديمية البحثية من أماكن مختلفة من العالم، من أجل وضع دراسة أكاديمية متخصصة عالجت موضوع تأثيرات السياسة الخارجية الأميركية وكيفية تعاطيها مع العالم الإسلامي، من وجهة نظر متخصصين من العالم الإسلامي، أو ممن عاشوا في الولايات المتحدة الأميركية ودرسوا ودرّسوا فيها، وليس كما تراها الإدارة الأميركية، أو مراكز الأبحاث المؤثرة في صناعة القرار الأميركي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة