أعاصير الشرق الأوسط   
الثلاثاء 24/9/1429 هـ - الموافق 23/9/2008 م (آخر تحديث) الساعة 20:35 (مكة المكرمة)، 17:35 (غرينتش)

عرض/ بدر محمد بدر
يحظى مؤلف هذا الكتاب الدكتور حامد عمار بمكانة مرموقة بين المشتغلين بالعملية التعليمية والتربوية في مصر, وله إسهامات فكرية ومنهجية جديرة بالاهتمام.

ويطلق عليه تلامذته وزملاؤه لقب شيخ التربويين, ليس فقط لأنه جاوز الخامسة والثمانين من العمر, ولكن أيضاً باعتباره مرجعاً مهماً للمناهج التعليمية وطرق التدريس في مصر.

-الكتاب: أعاصير الشرق الأوسط
-المؤلف: د. حامد عمار
-
الناشر: الدار العربية للكتاب, القاهرة
-
الصفحات: 208
-
الطبعة: الأولى 2008 

وهذا الكتاب تأملات سياسية وفكرية ومنهجية فيما يجري من أحداث وأزمات وأعاصير في منطقة الشرق الأوسط, وتداعيات ذلك على الفكر التربوي والمناهج التعليمية.

وهو خلاصة تجارب المؤلف عبر هذه الرحلة الطويلة في ميدان التعليم وفي مجال الفكر, لكنها خلاصة ساخنة وعميقة وحاسمة كأن كاتبها في ريعان الشباب.

وينقسم الكتاب إلى قسمين: الأول يتحدث فيه عن الهيمنة الإمبراطورية الأميركية والعدوان الصهيوني في المنطقة, والثاني يتناول الحديث عن تجارة التعليم وتفكك المجتمع.

رأسمالية متوحشة
في المقدمة يؤكد المؤلف أن المتتبع لمختلف الأحداث المأساوية التي جرت وتجري في منطقة الشرق الأوسط منذ تسعينيات القرنالماضي بالذات, يجد أنها تمثل الصورة الخشنة العنيفة والمتوحشة لإرساء قوانين التشكيل الجديد للخارطة, أي البنية التحتية المادية للواقع.

ويأتي إصلاح التعليم ومفاهيمه وسياساته الجديدة لتمثل البنية الفوقية للتشكيل المادي الجديد, إذ يتم تشييد البنية الفوقية من خلال ما نشهده من إصلاحات تعليمية داخلية, مستوحاة من توصيات البنك أو صندوق النقد الدوليين أو منظمة التجارة العالمية.

وتدعم ضغوطَ هذه المؤسسات أموال طائلة مرصودة لباب إصلاح التعليم في المشروع الشرق أوسطي, من خلال صندوق خاص لتمويل وتشجيع الدور الذي يقوم به في تفكيك قوى المجتمع وبعثرة توجهاته المعرفية والثقافية, عبر المعونات والمنح السخية التي تتدفق في ساحة التعليم ومشروعاته.

"
ما جرى من أحداث نشر الرسوم المسيئة إلى الرسول العظيم وزلات لسان البابا بنديكت السادس وإعلان الرئيس بوش حرباً صليبية ضد الإرهاب (الإسلامي)، لم يكن كل ذلك من قبيل الأحداث المنفصلة بل من نواتج النظام العالمي الجديد
"
هذا إذن هو الإطار الذي استهدفه الكتاب -كما يقول المؤلف- في الربط ما بين الأحداث السياسية والمعارك الحربية من ناحية, وبين قضايا إصلاح التعليم من ناحية أخرى.

منذ البداية ينبه المؤلف إلى أن ما جرى من أحداث نشر الرسوم المسيئة إلى الرسول العظيم محمد -صلى الله عليه وسلم- وزلات لسان البابا بنديكت السادس عشر حول أنه لا عقلانية في الإسلام, وفي لجوئه إلى السيف والحرب لنشر دعوته, وكذلك إعلان الرئيس بوش حرباً صليبية ضد الإرهاب "الإسلامي" وصكه مصطلح "الإسلام الفاشي"..

لم يكن كل ذلك من قبيل الأحداث المنفصلة أو المنعزلة عن السياقات العولمية للرأسمالية المتوحشة وثقافتها, بل كانت من نواتج النظام العالمي الجديد الذي تسعى الولايات المتحدة -باعتبارها قطب العالم الأوحد- إلى تولي مسؤولية "أمن العالم", ومحاولة السيطرة على موارد الضعفاء بكل ما لديها من قوة.

مواجهة لا حوار
ويرى المؤلف أنه مع فشل كل الجهود التي بذلها العرب والمسلمون فيما يسمى حوار الحضارات والمواثيق والإعلانات العالمية والمعاهدات الدولية, فإنه لم يعد ثمة إضاعة للجهد والوقت, ولا يوجد سوى خيار الحل الأخير: لا حوار ولا تبريرات حول تفسير الصراع, ولا دفاعَ لفظيا عن المقدسات, ولا مجاملات واسترضاءات دبلوماسية, إنما السبيل الناجع الوحيد اليوم هو المواجهة والمقاومة, بما لدينا من وسائل المقاومة المتاحة والممكنة, وهي ليست بالقليل, وإذا صح العزم وتوحدت الجهود فستفرض أمتنا مكانها اللائق بها.

"لقد تفجر هذا الإحساس بفعل ما عايشت وعانيت كغيري من أبناء الأمة, من أحداث التعامل مع الغرب, لقد عايشت حروباً متعددة من عدوان الغرب علينا, منذ مهد الطريق لإنشاء دولة إسرائيل, ودعمها وناصرها في كل جرائمها.

لقد بلغ شعورنا بالهوان إلى درجة الاحتقان والانفجار من مواقف الغرب نحونا, ومن الاستهانة بأقدرانا, وظللنا نسلك معه الأسلوب نفسه في الشجب والإدانة, ومحاولات الفهم والإفهام والاستكانة, ولم ننفذ أي موقف جسور شجاع, حتى حين الاعتداء على مقدساتنا, ولم ولن ينفعنا أن نستجير بالأمم المتحدة, ففي ذلك إضاعة للوقت, وتخلص من مسؤولية المواجهة الحازمة".

إن القضية بالنسبة للغرب -كما يؤكد المؤلف- ليست صراع حضارات ولا تطاحن ديانات, وإنما هي تفكيك وتحطيم من خلال فرض هيمنة ثقافية شاملة وعارمة بغية استغلال موارد الشعوب واستنزاف ثرواتها, وبالتالي لابد من مواجهة ومقاومة, وفي غياب الحريات تتعذر المواجهة والمقاومة.

تغيير الخريطة
ويستعرض المؤلف وقائع وتوابع الطغيان الغربي في منطقة الشرق الأوسط, وخصوصاً في أزمة الأسرى الإسرائيليين الثلاثة في لبنان وفلسطين, مؤكداً أن الهدف الأساسي هو تغيير خريطة عالمنا العربي, واستبدال الشرق الأوسط الواسع أو الجديد بخريطة الوطن العربي والأمتين العربية والإسلامية, وليكن ذلك بواسطة كل مصادر الجبروت والحرب, مع تغليفه بشعار مخادع, من إرساء دعائم ديمقراطية القهر والإذعان, وإقامة نظم حكم عميلة تخدم مصالحها, وتحطيم كل مقاومة وطنية وإسلامية بزعم مقاومة الإرهاب, ولم يعد هناك بعد اليوم أي ستار لهذه المطامع الاستعمارية.

"
مصر تبدلت وهي آخذة في التبعية والتفكك, وما يجري في ساحة التعليم عوامل مؤذنة بكارثة التفكك المجتمعي, حيث تضيع البوصلة التي تحكم سياستنا التعليمية
"
ويستمر في الحديث عن الحروب والصراعات والأزمات في المنطقة, سواء في لبنان أو في العراق أو في فلسطين التي يفرد لها مساحة كبيرة باعتبارها قضية العرب والمسلمين الأولى, ويتحدث عن "الإبادة الجماعية للبشر في غزة" و"تجربة علمية كبرى في حرب الإبادة والتجويع في غزة" و"محنة سكان غزة" و"الغرب والكيل بمكيالين" ثم "متى تقدم إسرائيل للمحاكمة؟".

كما يتحدث عن "مصير العراق المأساوي بين التوحد والتقسيم" ويتساءل في نهاية القسم الأول من الكتاب "متى تنتهي الحروب في الشرق الأوسط الجديد؟" ويطرح سؤالا آخر "إلى فخامة إمبراطور آخر الزمان (بوش): صهيونية فاشية أم إسلام فاشي؟!".

في القسم الثاني يتحدث المؤلف بنفس الدرجة من القوة والحماسة فيقول إن مصر التي عرفتها قد تبدلت, وإنها آخذة في التبعية والتفكك, وما يجري في ساحة التعليم عوامل مؤذنة بكارثة التفكك المجتمعي, حيث تضيع البوصلة التي تحكم سياستنا التعليمية, والتي تقتضي وضوح الإجابة عن: من يتعلم؟ وإلى أي مدى يتعلم؟ وماذا يتعلم؟ وبماذا يتشبع من القيم الإنسانية والأخلاقية والمجتمعية؟ ولمصلحة من تصاغ المعرفة المتمثلة في المناهج والأنشطة المدرسية والجامعية؟

تفكك مدمر
ومما يحزن ادعاء التعليم بأنه قطاع علمي وفني وموضوعي محايد, لكنه -كما يرى المؤلف- قطاع ونسق لعمليات سياسية, وأن وقائعه ومجرياته الحالية ستؤدي على الأفق الزمني المتوسط (بين 5 و7 سنوات) إلى بدايات التفكك الوطني المدمر, وإضعاف العروة الوثقى في التلاحم بين مختلف الشرائح الاجتماعية, والتضامن العربي المتأرجح.

لقد أثرت الأوضاع السياسية العامة التي أفرزتها ورعتها تيارات العولمة, متمثلة في هيمنة السوق العالمية وفي القطب الواحد, في مسيرة التعليم في مصر وفي تفككه من داخل منظومته, وما في ذلك من تداعيات على أحوال المجتمع برمته.

فالنظام الليبرالي الجديد اقتضى أن تزحف سيطرة رأس المال تدريجياً على الحكم, وبالتالي على منظومة التعليم, وأصبحت المعونات والقروض الأجنبية هي المحركة لمعظم جهود تطوير التعليم, ولها العديد من المشروعات المنفصلة, دون رؤية للمنظور العام في هيكلية التعليم وفي احتياجاته الأولية.

وتحت عنوان "تعدد منظومات التعليم ومخاطره المجتمعية" يقول المؤلف إن رسالة التعليم هي توفير إطار عام لما يعرف باسم الثقافة الوطنية ومقومات التضامن الاجتماعي, بما يحقق تماسك البنية المجتمعية وتفاعلها من أجل العيش المشترك والسلام الاجتماعي والتطور الحضاري.

وهذا يحدد نوع المواطنة التي يشكلها التعليم, فهي إما مواطنة مع استمرار النظام السياسي الحالي, أو مواطنة لتطوير النظام في مضمون مغاير لصورتها الراهنة, وهذا التوزع أو التفكك أو غموض الرؤية في قضية التعليم والمواطنة, هو محور ما يجري في منظومة التعليم المصري حاليا, وما تختلط وتضطرب فيه, من ضغوط العولمة وترسبات الموروثات المجتمعية التقليدية القديمة.

أربع منظومات
ويشير المؤلف إلى أن النظام التعليمي في مصر يتأسس من أربع منظومات مستقلة, كل منها متكامل ومتواصل في حلقاته, وهي منظومات حكومية وخاصة وأزهرية وأجنبية, والمشكلة أننا في مجتمع يعج بمشكلاته وأزماته السياسية والمجتمعية والثقافية ويحمل تراثه في الحكم السلطوي, ويؤسس لثقافة الصمت والانتظار والإذعان لما يأتي من فوق.

يدعمه نظام تعليمي تقليدي تشكل لكي يثبت الأوضاع الراهنة, في بنيته ومناهجه وطرق تعليمه, والحشر في فصوله ومؤسساته, بما لا يدع للمعلم مجالاً للحوار وتبادل الرأي.

"
مع ترهل الذهن وتعطل التفكير المستقل الناقد, تدهمنا العولمة الرأسمالية المتوحشة بمتغيراتها السياسية في الهيمنة وتحدياتها العلمية والتقنية وسوقها الاقتصادي الحر, وبذلك تضيف أزمة خارجية إلى الأزمة الداخلية التي نعيشها
"
وساد تعليمنا المدني والأزهري عملية النقل من السلف أو من الغير والحفظ والاجترار -حتى تدريس العلوم والرياضيات- ومع هذا اللون من الفكر والتفكير تتم برمجة العقل لأي نوع من التيارات الأيدولوجية لتعمل عملها في غسيل المخ, سواء من ناحية التطرف في مقاومة أي جديد, أو من ناحية التهام ذلك الجديد دون وعي أو فكر ناقد. وانشغلت السياسات التعليمية بمشكلات الامتحانات والمعلمين وتعديل المناهج, كما انشغل الطلاب بالكتب المقررة والمذكرات والدروس الخصوصية لحفظ الكتب المنقولة في معظمها أصلاً, نظراً لأنها الطريق الوحيد للنجاح والتميز.

ومع هذه المرحلة المترهلة من الذهنية وتعطيل التفكير المستقل الناقد, تدهمنا العولمة الرأسمالية المتوحشة بمتغيراتها السياسية في الهيمنة وتحدياتها العلمية والتقنية وسوقها الاقتصادي الحر, وبذلك تضيف أزمة خارجية إلى الأزمة الداخلية.

وينبه المؤلف إلى الخطر الذي كشفه تقرير التنمية البشرية لعام 2005 الصادر عن معهد التخطيط القومي في مصر, من أن معدل التحاق أبناء الفقراء بالتعليم الجامعي لا يتعدى 1% فقط ممن بدؤوا مسيرتهم التعليمية في المدرسة الابتدائية, وتزداد تلك النسبة في حالة أبناء الأغنياء, وخاصة من يلتحقون بالمدارس الخاصة المتميزة إلى أكثر من 90%.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة