مصر كما تريدها أميركا   
الأربعاء 8/1/1434 هـ - الموافق 21/11/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:27 (مكة المكرمة)، 11:27 (غرينتش)

عرض/ بدر محمد بدر

يرصد هذا الكتاب تطور العلاقات الأميركية مع مصر, منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945م)، وبداية صعود نجم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عقب قيام حركة الجيش بالاستيلاء على السلطة عام 1952م، ومرورًا بمرحلة الرئيس السادات، وانتهاءً بسقوط نظام مبارك في 11 فبراير/شباط عام 2011، ويحاول المؤلف من خلال الرصد والتحليل الوصول إلى محددات العلاقة بين الدولتين، وما يمكن أن تؤول إليه في المستقبل.

ومؤلف الكتاب "لويد سي. جاردنر" هو أستاذ التاريخ بجامعة روتغرز بالولايات المتحدة، وهو باحث متخصص في الشؤون السياسية والدبلوماسية، وله نحو 16 كتابًا في هذا المجال.

ويتحدث الفصل الأول عن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وعملية إحلال الولايات المتحدة محل بريطانيا العظمى وفرنسا في الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، وكيف أن أميركا استخدمت المساعدات الاقتصادية لتلك البلدان، وأيضًا المساعدات العسكرية المشروطة في تدعيم هذه السياسة، من دون السماح للقوميين أو الشيوعيين باستغلال الوضع لترسيخ أقدامهم في المنطقة.

-الكتاب: مصر كما تريدها أمريكا
-المؤلف: لويد سي. جاردنر
-المترجمة: د. فاطمة نصر
-عدد الصفحات: 280
-الناشر: سطور الجديدة, القاهرة
-الطبعة: الأولى 2012

الحرب الباردة
ويشير المؤلف إلى أن الحرب الباردة بين المعسكرين: الشرقي والغربي عقب الحرب العالمية، كانت فرصة للولايات المتحدة لإحداث نقلة في سياستها تجاه دول المنطقة، بحيث حجبت قضية، قيام دفاع مشترك ضد أي تهديد عسكري، الأطروحات القديمة في هذا المجال، وكان من الواضح أن الولايات المتحدة لن تجد من السهل ممرًا آمنًا لها في المنطقة، وسط تعقيدات القضايا القديمة والجديدة وعلى رأسها قضية فلسطين، وهي المشكلة التي كانت تواجه أميركا لتحويل هذه التوجهات التي كانت تجتاح مصر، واستغلالها كوسيلة لاحتواء الشرق الأوسط داخل حدود "العالم الحر".

لقد كان للولايات المتحدة دور سلبي واضح في قضية فلسطين، دعمًا لليهود وضد العرب، وهو ما كان يحتاج إلى جهد ووقت لتحسين العلاقات السياسية مع مصر، لكن رغبة القاهرة بعد ذلك في إخراج الإنجليز وإنهاء الاحتلال، سهلت المسألة.

ويتناول الفصل الثاني تزايد مشاعر العداء للبريطانيين في مصر، بعد حادث استشهاد أكثر من أربعين شرطيًا، وإصابة أكثر من سبعين آخرين بمدينة الإسماعيلية، في معركة بين الإنجليز وقوات الشرطة يوم (25/1/1952م)، ثم اشتعال حريق القاهرة في اليوم التالي (26/1م)، وحرق المحلات والمتاجر وبخاصة كل ما يمت للإنجليز بصلة، مما أدى إلى تدخل القوات البريطانية بعنف ضد المتظاهرين، وهو ما مهد لقيام الثورة بعد نحو ستة أشهر من تلك الأحداث.

ويقول المؤلف إنه بعد ساعات من استيلاء الجيش على السلطة في يوليو/تموز 1952م، التقى أحد المشاركين في الثورة بالملحق العسكري الأميركي في القاهرة، ليؤكد له مشاعر مجلس قيادة الثورة المؤيدة للغرب، وليطلب مساعدته على إقناع البريطانيين بعدم التدخل، وسرعان ما وصلت واشنطن المناشدات المتوقعة لتزويد الجيش المصري بالسلاح، ولتحسين صورة الولايات المتحدة في أعين الجماهير المصرية، كان لا بد من تزويد مصر بالسلاح والمعونة المالية، ثم جرت محاولات لإقناع مصر بالانضمام إلى معاهدة، تتيح لواشنطن الوفاء ببعض مطالب مصر العسكرية بلا حرج، غير أن هذه المحاولات لم تنجح.

صفقة روسية
ويبدو أن عبد الناصر ضاق ذرعًا نتيجة إصرار الولايات المتحدة على التفاوض في موضوع السلاح من موقع القوة، فأعلن عن إبرامه صفقة عسكرية ضخمة مع الاتحاد السوفياتي، وكان هذا يعني أن أميركا لم تعد تسيطر على توزيع السلاح بالمنطقة، ثم جاءت أزمة بناء السد العالي، وإعلان الروس استعدادهم لدراسة المساعدة في بنائه في النصف الثاني من الخمسينيات، مما زاد من الضغوط على الولايات المتحدة من أجل إيجاد سبيل لإعادة التأثير على القيادة المصرية.

وفي الفصل الثالث يقول المؤلف: إن "عبد الناصر كان رجلاً ذا نزعات كثيرة وطموحات كبيرة، علاوة على أنه كان انتهازيًا ماهرًا، يلعب أوراقه بحيث يستثير الأميركيين بأسلوب يوفر له أكبر قدر من الخيارات السياسية".

عبد الناصر كان رجلاً ذا نزعات كثيرة وطموحات كبيرة، علاوة على أنه كان انتهازيًا ماهرًا، يلعب أوراقه بحيث يستثير الأميركيين بأسلوب يوفر له أكبر قدر من الخيارات السياسية

وشهدت سنوات عبد الناصر اعتراف الولايات المتحدة بقيادة مصر الثقافية والفكرية للشرق الأوسط، وأيضًا اعتبارها الراعية العسكرية للقناة ولقاعدة السويس البريطانية، وكانت أميركا تعتبرها من الأصول الضرورية لها في المنطقة، لكي تنجح في احتلال مكان السيادة الاستعمارية القديمة.

وتحت عنوان: "الحياة مع أنور السادات" يتناول المؤلف في الفصل الرابع علاقة الولايات المتحدة مع مصر، في أعقاب وفاة عبد الناصر وتولى السادات في سبتمبر/أيلول عام 1970، مشيرًا إلى أن عبد الناصر قام بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة عقب حرب 67، وعلى الرغم من أنها لم ترجع بشكل رسمي حتى عام 74، فقد ظلت ثمة اتصالات بين واشنطن والقاهرة، حيث مضى الطرفان يستشفان مواقف كليهما من وقت لآخر، وبخاصة بعد وفاة عبد الناصر.

كان السادات يشعر بأن تعاطي إدارة نيكسون معه منذ البداية لم يكن وديا، وما لم يحدث تغيير في الوضع فسوف تصبح الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد حرب 67 حدودًا دائمة، فاتخذ سلسلة من الإجراءات الأحادية، بدءًا من فبراير/شباط عام 71، حيث اقترح في خطاب أمام مجلس الشعب أن تنسحب إسرائيل حتى الممرات الإستراتيجية، وعندها يمكن إعادة العلاقات مع الولايات المتحدة، وإجراء مفاوضات مباشرة للتوصل إلى معاهدة سلام، غير أنه لم يحدث أي تقدم في هذا الطرح.  

وفي صيف عام 73 بدأ السادات في تحقيق انفراجة في داخل مصر، وبينه وبين القادة العرب، وقال في خطاب جماهيري، إن تحرير أرض مصر هي المهمة الأساسية، لكن الولايات المتحدة لم تهتم بذلك، لكثرة حديثه دون أن يلحظوا فعلاً، وهكذا تفاجأ الكثيرون بحرب أكتوبر/تشرين الأول عام 73، ثم بدأت الولايات المتحدة في التحرك السياسي والعسكري لإيقاف الحرب، من خلال جهود "الدبلوماسية المكوكية"، التي قام بها هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي وقتها.

تحالف عسكري
ويقول المؤلف إنه بحلول نوفمبر/تشرين الثاني عام 1973, كان تحالف عسكري جديد على المستويين: الرمزي والواقعي، بدأ يتشكل بناء على طلب الرئيس السادات من الولايات المتحدة لربط مصر وإيران بها، وبدا أن الرئيس المصري على استعداد للقيام بدور "عامل الاستقرار الإقليمي" من خلال التبعية للولايات المتحدة، ثم اكتملت الترتيبات لتفعيل هذا الدور بعقد اتفاقيات سيناء عام 1975، ثم الرحلات التي قام بها السادات إلى إسرائيل، وإلى مؤتمر كامب ديفد للسلام.

ويأتي عنوان الفصل الخامس: "ثلاثون عامًا من الاعتماد المصري/الأميركي المتبادل"، يقول فيه المؤلف إن التحدي الأكثر إلحاحًا، الذي يواجه صناع السياسة في واشنطن، حتى قبل اغتيال السادات في عام 1981، هو الحاجة إلى مكافأة القادة المصريين لعقدهم سلامًا مع إسرائيل.

وكانت إدارة الرئيس كارتر قد بدأت بالفعل في وضع أسس علاقة دائمة مع مصر، من خلال مبيعات أسلحة حديثة لها بشروط ائتمانية ميسرة، وكانت العلاقات مع مصر قد تعثرت بسبب محاولة العثور على وسيلة لإرضاء احتياجات مصر، دونما المساس بالتزامات أميركا بالحفاظ على أمن إسرائيل، بعد ذلك أوجد السادات هذا الحل بأن اضطلع بمهمة عقد سلام مع إسرائيل.

ويرى المؤلف أن مبارك أدرك أنه ليس باستطاعته تحقيق نجاحات، كتلك التي كان السادات قد أحرزها في حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 73، أو في إعداد المسرح لمحادثات كامب ديفد، ولم يكن لديه ما يقدمه للأميركان بشأن مبادرة جديدة لعملية السلام، وإجمالاً لم يكن لدى مبارك رؤية للمستقبل، مقارنة بزخم طموحات ناصر الاقتصادية، أو بإجراءات السادات الجريئة، ولم يكن ثمة "مشروع قومي مصري" له سمة الاستقلال.

عمر سليمان
ويقول المؤلف إن الولايات المتحدة أدركت أن عمر سليمان كان هو الرجل الذي يعهد إليه مبارك بالتعاطي مع عمليات تعذيب المعتقلين الإسلاميين، الذين تسلمهم الولايات المتحدة للقاهرة، وكان من المعتاد لجميع صناع السياسة الأميركيين لدى زيارتهم لمصر تحديد مواعيد للقاء عمر سليمان، لمعرفة آرائه في الشؤون الدولية، أو مدى تعاون مصر لعزل حماس وإضعافها.

كان عمر سليمان هو الرجل المفتاح بعد مبارك الذي يتعين لقاؤه في مصر, على الرغم من أنه بدا في السنوات الأخيرة لحكم مبارك، أنه تمت إزاحته جانبًا لإفساح الطريق أمام جمال مبارك، ليرث منصب أبيه

ولم يكن بالتالي هناك شك في أن عمر سليمان كان هو الرجل المفتاح بعد مبارك الذي يتعين لقاؤه في مصر, على الرغم من أنه بدا في السنوات الأخيرة لحكم مبارك، أنه تمت إزاحته جانبًا لإفساح الطريق أمام جمال مبارك، ليرث منصب أبيه.

على أية حال فإن المعتقلات التي كانت تؤوي آلاف المصريين طوال فترة التسعينيات، ومن بينهم حوالي مائة معتقل سلمتهم السي. آي. أي. للسلطات المصرية لاستجوابهم وتعذيبهم بعد أحداث 11/9، من أسباب توتر الحياة السياسية في مصر وفسادها.

وفي الفصل السادس الأخير يتناول المؤلف موقف الولايات المتحدة من دول الربيع العربي فيقول إن صناع السياسة الأميركيين حاولوا دائمًا العثور على المزيج المناسب، من الإغراءات والنصائح والتحذيرات، من أجل ضمان وجود بيئة مستقرة مناسبة لتوسيع مصالح الولايات المتحدة السياسية والاقتصادية بالمنطقة، منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، وأيضًا التغلب على الغضب الذي يشعر به العالم العربي نتيجة لقيام دولة إسرائيل.

وفي حالة مصر فقد أوضحت السياسة التي اتبعتها أميركا إزاء ناصر وأنور السادات، صعوبة العثور على كوة للهروب من الاعتماد على النوايا الحسنة للولايات المتحدة كقوة عظمى، فيما أبقى هذا الاعتماد وتلك التبعية على حسني مبارك في السلطة لعقود ثلاثة، حتى أصبح وجوده خانقًا بدرجة لم يعد الشعب يطيق تحملها، ويرى البعض أن الخيار الذي يواجه صناع السياسة في الولايات المتحدة هو خيار بين الواقعية أو العمل على نشر الديمقراطية.

وتجدر الإشارة في الختام إلى أن المؤلف يرى الأمور -بالطبع- من المنظور الأميركي، وهو في النهاية منظور أحادي غير محايد، لا يستقيم مع المنهج العلمي في التحليل السياسي، وهو ما يجعل من الملاحظات التي دونتها الترجمة ذات أهمية كبرى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة