الإصلاح السياسي في الأزهر والإخوان المسلمين   
الأحد 1434/4/13 هـ - الموافق 24/2/2013 م (آخر تحديث) الساعة 11:33 (مكة المكرمة)، 8:33 (غرينتش)
عرض/شرين يونس

زخرت مئات الكتب بالمطالبة بتطوير الرؤية السياسية للحركة الإسلامية منذ سنين طويلة، من بينها كتاب "الإصلاح السياسي في الأزهر والإخوان المسلمين" للباحث د. عمار علي حسن، الذي سبق أن أصدر الطبعة الأولى منه منذ سنوات عدة، متوقعا فيها أن يكون الإخوان هم البديل لنظام مبارك.

-الكتاب: الإصلاح السياسي في الأزهر والإخوان المسلمين قبل الثورة وبعدها (الفريضة الواجبة)
-المؤلف: د. عمار علي حسن
-الناشر: هلا للنشر والتوزيع, القاهرة
-الطبعة: الثالثة/ 2013

وتأتي الطبعة الثالثة من الكتاب، الصادرة مؤخرا، منقحة ومزيدة ومضافا إليها ما فرضته ثورة 25 يناير من واقع جديد، ليؤكد من جديد أن التجديد السياسي لدى الحركات السياسية ذات الإسناد الإسلامي بات "فريضة واجبة".

وقسم الكاتب كتابه إلى بابين، يعيد في بابه الأول ما ذكره في طبعتيه السابقتين عن الحال قبل ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، متناولا فيه حركة الإصلاح ومساراتها، ورؤية الإسلاميين للإصلاح السياسي، وما يجب تجديده من رؤيتهم، ومستقبل الإخوان المسلمين، وكذلك حال مؤسسة الأزهر الشريف ومسيرته ومنعرجاته السياسية، وما يتعلق بالإصلاح الثقافي للإسلاميين، وفض الاشتباك بين المؤسسة الدينية وحرية الإبداع.

في حين يتناول الباب الثاني الحال ما بعد ثورة يناير وحتى إجراء انتخابات مجلسي الشعب والشورى، وقراءة في نسب المشاركة ونسب المقاعد الحاصلة عليها الأحزاب ذات الإسناد الإسلامي، ثم يستعرض الكاتب أخيرا رؤيته لمواجهة التزمت والتطرف الديني.

بين مسارات الإصلاح
تراوح موقف الجماعات السياسية ذات الإسناد الإسلامي في فترة ما قبل الثورة من قضية الإصلاح السياسي بين "الفتوى" التي تعني لديها التمسك بما تراه من ثوابت دينية أو عقدية لا يمكن التفريط فيها، وبين "الجدوى" التي تتمثل في البحث الدائب عن الوسائل الفاعلة في الواقع المعيش التي تقود هذه الجماعات إلى التمكن أو تحصيل السلطة.

بينما اختلف الموقف داخل الحركة الإسلامية المصرية بشأن زمنية الإصلاح، أو الوقت الذي من المفترض أن يستغرقه، ما بين نهج "الإخوان المسلمين" الذي يؤمن بالتدرج، ونهج "الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد"، الذي يسعي إلى القفز مباشرة.

كما يزاوج الإسلاميون بين الإصلاح من أعلى ومن أسفل عبر خطابين متزامنين، الأول إلى الحاكم، يحضه على الإصلاح، والثاني إلى الناس يدعوهم إلى التغيير، في حين يرفض الإسلاميون -بحكم الأيديولوجيا- أن يأتي التغيير من الخارج، رغم محاولاتهم -شأنهم شأن كثيرين في مصر- استغلال التطور الحاصل في النظام الدولي لتفكيك السياق الداخلي الاستبدادي.

إصلاح الرؤية السياسية للإسلاميين
ورغم تعدد المحاولات الإصلاحية للرؤية السياسية للإسلاميين، فإنها لم تأخذ طريقها إلى النمو التدريجي الكفيل بإخراج الحالة الدينية المصرية من الجمود الذي ران عليها قرونا عديدة.

وتعددت العناصر التي حالت دون تواصل البذرة التي غرسها الإمام محمد عبده، كالخبرة السيئة للاستعمار، والصراع السياسي في مرحلة ما بعد الاستقلال، والتضييقات على الحركة الإسلامية، وإخفاق الليبراليين المصريين، وكذلك ضعف نفوذ مجددي الرؤية الإسلامية في مصر، وتأثر الرؤية الدينية المصرية بالمنتج الديني البدوي، بما عزز من التوجهات السلفية، ونال من الرؤى الإصلاحية بوجهها المتسامح.

ويرى الكاتب أن الدعوة إلى التجديد لا يجب أن تتم تحت شعار الخضوع التام لشروط الآخر، ويجب ألا يهز هذا التجديد الثوابت العقدية والإيمانية، بل يقتصر مداه على المسائل المتصلة بالجانب المتغير، لملاحقة واقع لا يتجمد أبدا.

على الحركات الإسلامية التخلي عن أوهام الحتميات التاريخية، وإعادة صياغة الخطاب الإعلامي عن الإسلام، وتفكيك ما خلفه الأسلاف من تراث، لبناء رؤية عصرية

ولفت الكاتب إلى ضرورة قيام الحركة الإسلامية المصرية بممارسة نقد ذاتي، يجب أن يشمل عددا من القضايا، منها قيام المشروعية على الجماعة لا الشريعة، ليصبح الشعب هو مصدر السلطة وليس "الشرع"، إضافة لتديين السياسة وليس تسييس الدين منعا لاستغلال الدين في الممارسة السياسية.

وكذلك ضرورة توحد مرحلتي الصبر والدعوة والتمكن، حتى لا ينقلب الإسلاميون على قواعد اللعبة السياسية حال وصولهم للحكم، وكذلك الاندماج مع المجتمع وعدم تكفيره أو احتقاره، وفض التنازع النظري والجدل المفاهيمي حول الشورى والديمقراطية، والاعتماد على الانتخاب لا البيعة.

وأيضا التخلي عن أوهام الحتميات التاريخية، وإعادة صياغة الخطاب الإعلامي عن الإسلام، وتفكيك ما خلفه الأسلاف من تراث لبناء رؤية عصرية يتم تجذيرها عبر المؤسسات التعليمية والإعلامية والاجتماعية، بما يجفف المنابع التي ينهل منها المتطرفون.

وأشار الكاتب إلى ضرورة إطلاق حرية تشكيل الأحزاب المدنية وتمكينها من العمل بحرية، فيعود الناس إلى التحزب في السياسة بدلا من بحثهم عنها في الأيديولوجيات التي تلوي عنق الدين.

إصلاح الأزهر الشريف
ينتقل الباحث للحديث عن مسارات الإصلاح داخل الأزهر الشريف قبل ثورة يناير، لافتا إلى ثلاثة عناصر شكلت الدور السياسي للأزهر في مسيرته التاريخية، الأول هو شخصية شيخ الأزهر، وطبيعة السياق الاجتماعي السياسي السائد، ثم شخصية الحكام أنفسهم.

ويستعرض الكاتب تجارب الإصلاح في الأزهر سواء أكانت إدارية تتعلق بهيكله ووضعه المالي أو التشريعات التى تحكم حركته، أم كانت تتعلق برؤيته الدينية والفكرية وبنيته التعليمية، لافتا إلى أن ذلك الإصلاح الفكري كان يعلو ويهبط، يتوهج ويخبو حسب التكوين العقلي لمن يتولى المشيخة.

ولكن بعد ثورة يوليو/تموز 1952، حاول أغلب من تولوا مشيخة الأزهر تطويع رأي الدين لخدمة السياسات السائدة، لكنه كان قد استوعب كثيرا من الأفكار الإصلاحية التي روج لها رواده على مدار قرن من الزمان، فاستمر الخط البياني في إصلاح الأزهر في ارتفاع، لكنه لا يقارن بالقفزات التي كانت تحدث قبل ثورة يوليو/تموز.

ويري الكاتب أن الأزهر أمامه خياران، إما التطوير من الداخل، وإما التطوير من الخارج، بإجبار الأزهر على تعديل مناهجه التعليمية ورؤيته الدينية بما يخدم المصالح الآنية والآتية لقوى خارجية. ويؤخذ على الكاتب إغفاله لدور الأزهر خاصة فيما يتعلق بما طرحه من مبادرات الوفاق الوطني فيما بدا إعادة لدوره الوسطي.

ما بعد ثورة يناير
اقتصر الباحث في استعراضه وقراءته لحال ما بعد ثورة 25 يناير على الفترة الزمنية حتى ظهور نتائج انتخابات مجلس الشورى، متطرقا لنتائج ما سبقها من انتخابات البرلمان، وكذلك أدائه قبل حله، وبروز الحركات السياسية ذات الإسناد الإسلامي كفاعل رئيسي على الساحة السياسية.

ولفت الكاتب إلى أن الحركة الإسلامية المسيسة لها وجهان، الأول نراه حين تكون في مرحلة الصبر حيث الملاحقة والمطاردة والتمييز والاضطهاد والإقصاء، والثاني نعاينه حين تصل إلى التمكن لنجرب المسكوت عنه، مما سيساهم في إعادة تقييم القاعدة الشعبية العريضة لأدوار وأوزان الإسلاميين، واختبار المساحات الفاصلة بين القول والفعل وبين التنظير والتطبيق.

وأكد أن الإسلاميين ليسوا كتلة واحدة، فهناك جزء طاف على السطح نراه ونتعامل معه، يبدو أكثر تفهما للآخر وأعلى قبولا للأفكار السياسية الحديثة، وهناك جزء غاطس يتسم بالمحافظة، ويبدو في بعض تصوراته أقرب إلى السلفية التقليدية، وهناك قطاع من شباب الإخوان يبدو أكثر نزوعا إلى  التحديث والتثوير.

الحركة الإسلامية المسيسة لها وجهان، الأول نراه حين تكون في مرحلة الصبر حيث الملاحقة والمطاردة والإقصاء، والثاني نعاينه حين تصل إلى التمكن لنجرب المسكوت عنه

وأشار الكاتب إلى ما أكده الواقع من عدم امتلاك الإخوان نظرية سياسية متكاملة وعدم انفتاحهم بالقدر الكافي على التجديد النظري الذي أنتجته قريحة الباحثين المهتمين بتطوير رؤية سياسية عصرية للفقه والفكر الإسلامي.

وحول ما يتعلق بدولة المرشد مجازا في التعبير، في شكلها ومضمونها، يذكر الكاتب أن هناك مكتسبات وخصوصية ثقافية حازها المصريون عبر كفاحهم الطويل لبناء دولة حديثة، ولن يكون بوسع أحد أيا كان أن يهدمها أو يهيل التراب عليهما، معتقدا أن الإخوان لن يدخلوا في صدام مباشر مع هذه البنى الفكرية والطقوس الاجتماعية.

ما دون ذلك سيسعى الإخوان -بحسب الكتاب- على الأرجح إلى الانطلاق من الهيمنة على نظام الحكم إلى الهيمنة على الدولة نفسها، وصبغها بمصالح وتوجهات وارتباطات الجماعة، من خلال تعزيز وجودهم في جميع المؤسسات، وإزاحة كل من لا يستريحون له، وذلك نتيجة للشك المتجذر بسبب سنوات القهر التي عاشها الإخوان، ومع ذلك سيبقى الاقتصاد أو بالأحرى التنمية هو المحك الرئيسي لهم.

رؤية للمواجهة
ووضع الكاتب في ختام فصوله رؤيته لمواجهة التزمت والتطرف الديني من خلال إنشاء مؤسسات ثقافية بديلة عن أسلوب الملاحقة الأمنية، بالإضافة لتطوير مناهج التعليم، وإعادة النظر في مناهج النشء، ووضع مناهج التربية الدينية واللغة العربية من قلب الرؤى الدينية المستنيرة.

وطالب الكاتب بتعزيز دور خطبة الجمعة، وتطوير الإعلام وتقديم برامج إعلامية "تلفزيونية ومقروءة تقدم الرؤية الوسطية للدين، وإفساح المجال الإعلامي للكتّاب المحسوبين على علماء الدين المستنيرين والتيار المدني للكتابة.

بالإضافة لأهمية التنمية الاجتماعية، وبناء مشروع وطني جامع يبنى على أفكار محل اتفاق ورضا وقبول على نطاق واسع من الدولة ويشارك في إعداده علماء ومفكرون ومؤسسات دينية مستنيرة ومدنية وعلمية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة