الصهيونية والنازية وإشكالية التعايش مع الآخر   
الأحد 1425/11/15 هـ - الموافق 26/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 14:31 (مكة المكرمة)، 11:31 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة

يجري هذا الكتاب الذي هو في الأصل رسالة ماجستير في العلوم السياسية من جامعة آل البيت في الأردن مقارنة بين الصهيونية والنازية لتبيان أوجه الشبه بينهما في المنطلقات الثقافية والأيديولوجية وفي الممارسات العملية لفكرة التعايش السلمي مع الآخر، وهو تحديد ألزمت به الباحثة نفسها كما يبدو مسبقا، ورغم منطقية التشابه فقد كان أحرى منهجيا أن تكون مقارنة علمية مطلقة تتوصل إلى التشابه والاختلاف، وليس التزاما مسبقا بالتشابه بين المنظمتين الصهيونية والنازية.

 

رؤية النازية والصهيونية لمفهوم التعايش السلمي

تعرض الدراسة حقيقة التشابه بين حركتي الصهيونية والنازية في المنطلقات الثقافية والأيديولوجية تجاه "الذات" و تجاه فكر التعايش السلمي مع الآخر و في الممارسات العملية لها وهذا ما يؤدي إلى التشابه في النتائج أيضا.

 

العنوان: الصهيونية و النازية و إشكالية التعايش مع الآخر

المؤلف: نادية سعد الدين

عدد الصفحات: 368

الناشر: دار الشروق، عمان

الطبعة الأولى: 2004

تبدو
النازية مختلفة عن الصهيونية في المنطلقات الثقافية والأيديولوجية التي تنطلق منها، والتي حالت دون أن تتعايش سلميا مع الآخر مع توضيح الممارسات العملية لها.

 

لكن رصد وتحليل المنطلقات الثقافية والأيديولوجية التي تستند إليها الصهيونية في نظرتها تجاه الآخر وتجاه التعايش السلمي معه وتبيان التجسيد العملي لها، والمقارنة بينهما لدى الحركتين تظهر تشابها في النتائج.

 

فكلاهما ترفضان التعايش السلمي مع الآخر وتعليان من شأن العنف والعنصرية والشعور بالتميز والتفوق والاتجاه التوسعي ألاحتلالي، فهل ستنتهي الصهيونية إلى ما انتهت إليه النازية؟

 

يسهل أن تكون الإجابة بنعم إذا كانت هذه المنطلقات هي المسؤولة عن نهاية النازية، وهو ما يحتاج إلى إثبات لم يظهر في الكتاب، لكن يمكن القول منطقيا إن الصهيونية مرشحة لأن تنال مصير النازية، لكن ماذا عن الصعود الجديد للنازية في ألمانيا والنمسا؟ وصعود اليمين المتطرف بعامة في أوروبا؟ أليس مؤشرا على عودة ونجاح وهيمنة هذه المنظمات؟

 

وبالتالي ألا تبدو الصهيونية وفق هذا المعيار مرشحة للصعود والنجاح، وهو تغيير ملحوظ في السياسات والاتجاهات الشعبية والجماهيرية في إسرائيل، تجلى في نتائج الانتخابات الإسرائيلية في السنوات الأخيرة، وفي انحسار اليسار الإسرائيلي.

 

 تعتمد المؤلفة على أن التشابه في المنطلقات الثقافية والأيديولوجية وفي الممارسات العملية للتعايش السلمي مع الآخر بين حركتين سياسيتين أيديولوجيتين يؤدي إلى تشابه في النتائج أيضا، وهي تعتقد أن الصهيونية والنازية متشابهتان، وهو أمر يحتاج إلى جدل طويل.

 

تعرض الدراسة المفاهيم الأساسية التي تسعى لتطبق عليها تجربة الصهيونية والنازية، مثل التعايش السلمي، وهو مصطلح أطلقه لينين عام 1917 دون أن يحظى باهتمام، وقد أعيد إحياء التعامل به مجددا خلال الحرب العالمية الثانية.

 

"
الصهيونية كالنازية طالما سعت إلى بناء دولتها الكبرى من خلال تحقيق هيمنتها وسيطرتها على المنطقة بالتوسع باحتلال الأراضي وضمها
"
بعد ذلك تعرضت الكاتبة رؤية النازية والصهيونية للمفهوم، والممارسة العملية لهما في هذا المجال،
ثم تناولت النظرة التوسعية عند كل من النازية والصهيونية بالبحث أولا في المنطلقات الثقافية والأيديولوجية عند كل من النازية والصهيونية ومن ثم تبيان الممارسات العملية لهما عند كليهما.

 

كما قلنا سابقا تطرق البحث إلى أوجه التشابه بين النازية والصهيونية التي تمثلت خاصة في أن كلا منهما تسعى نحو السيطرة والهيمنة.

 

والنازية قد رفعت مقولة "ألمانيا الكبرى" التي تتحقق من خلال سيادة العرق الآري على أوروبا بدعم قوة الدولة العسكرية وباحتلال الأراضي و ضمها وتحقيق تفوقها العسكري ونفوذها الاقتصادي والسياسي وهي أمور جمع هتلر بينها حينما قال إن مستوى ألمانيا الاقتصادي كان يرتفع كل مرة بتزايد نفوذها السياسي ويشتد ساعدها في المجال الدولي الفسيح.

 

ويقول هتلر إن انصراف الأمة إلى الاقتصاد وحده كان يتم دائما على حساب فضائلها القومية ومناقبها ومثلها ولا يلبث أن يسبب انهيار الاقتصاد معها، حيث لم تقم دولة قط على الاقتصاد السلمي.

 

وفي المقابل نجد أن الرؤية ذاتها تشكل مركزا أساسيا في فكر الصهيونية وإستراتيجيتها التي طالما سعت إلى بناء "إسرائيل الكبرى" من خلال تحقيق هيمنتها وسيطرتها على المنطقة بالتوسع باحتلال الأراضي وضمها، وكانت المشاريع الاقتصادية الإسرائيلية مخططات توسعية وإستراتيجية لتكريس الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة.

 

الفروق بين الصهيونية والنازية

ثمة فروق بين الصهيونية والنازية تلاحظها المؤلفة، منها أن النازية في منطلقاتها ورؤاها الفكرية وممارساتها العملية ترجع إلى أساس عرقي، بينما تستند الصهيونية في منطلقاتها ودعواها وممارساتها العملية إلى العامل الديني بانتقاء نصوص مختارة من التوراة والتلمود لتدعيم مزاعمها.

 

الصهيونية تعمل تحت ذريعة العودة إلى أرض الميعاد واستطاعت التسلل ثم التغلغل في أرض فلسطين والاستيطان فيها تمهيدا لغزوها واحتلالها وطرد الآلاف من الفلسطينيين لتوطين اليهود الذين جلبتهم من جميع أنحاء العالم بدلا من السكان الأصليين.

 

انبثقت النازية ونمت وتطورت ضمن سياق تاريخي ألماني يحمل موروثا فكريا وثقافيا لفلاسفة ومفكرين ألمان كانت لهم آثارهم الواضحة في الفكر النازي مع الاستفادة من المناخ الفكري الغربي الذي كان سائدا آنذاك، والذي ساهم في تزكية بعض الأفكار التي اعتنقتها النازية.

 

"
الصهيونية فلسفة وإستراتيجية مستعارة لتطبق في غير بيئتها وسياقها إذ إن اليهود ليسوا شعبا أو قومية مستقلة وعلاقتهم بالأرض فلسطين ليست حقيقية لتنشئ فكرا قوميا ووطنيا
"
أما الصهيونية فقد ولدت ونمت في الغرب مستفيدة
من المناخ الفكري والثقافي الذي كان سائدا آنذاك ومن ثم انتقلت إلى فلسطين لتصنع لها هناك تاريخا ووجودا وكيانا بعد أن وقع الاختيار عليها من بين بلدان عديدة.

 

فهي فلسفة وإستراتيجية مستعارة لتطبق في غير بيئتها وسياقها، إذ إن اليهود ليسوا شعبا أو قومية مستقلة، وعلاقتهم بالمكان والأرض (فلسطين) ليست حقيقية لتنشئ فكرا قوميا ووطنيا.

 

ولا يعقل أن شعبا غادر أرضه نحو ألفي عام يملك هذه العلاقة مع المكان والأرض، ففي هذه الحقبة تنشأ علاقات مكانية وثقافات ولغات مختلفة ومتعددة، وهذا يشجع على استنتاج أن الصهيونية ليست فكرة يهودية، لكنها فكرة أوروبية وبالتحديد بريطانية مستمدة من مصالح وإستراتيجيات الغرب ولا علاقة لها باتجاهات قومية أو فكرية وفلسفية لدى اليهود.

 

النازية والصهيونية وسياسات الآخر

حظيت الصهيونية والنازية بمحاولات سياسية استرضائية لتوظيفها أو تقليل عداوتها ومخاطرها، هذه السياسة التي تقوم على التهدئة وتقديم التنازلات الإقليمية أو السياسية أو التعاقدية لدولة أو قوة معادية بغية تجنب الحرب، كانت في المحصلة استرضاء لعدو على حساب مبادئ أو حقوق معينة تجنبا لشره وعدوانه، من خلال إبرام اتفاقيات ومعاهدات يطلق عليها اسم معاهدات سلام.

 

في التجربة النازية نقض هتلر معاهدة فرساي في عام 1935  ولم تنجح المحاولات الفرنسية البريطانية في تحقيق تسوية تعطي للمتطرف النازي حقوقا إضافية مقابل حماية الحدود الأوروبية.

 

ولم يلتزم هتلر بخطابه الذي أعلن فيه نفيه أي مطامع ألمانية في أراض فرنسية، واحترامه لمعاهدة لوكارنو التي تقضي بجعل منطقة الراين منزوعة السلاح، فاحتلت القوات الألمانية في عام 1936 إقليم الراين منتهكة الاتفاقات السابقة التي وقعت عليها ألمانيا.

 

وقدمت بريطانيا في عام 1937 مجموعة من التنازلات لألمانيا في أوروبا الشرقية مقابل التزام ألمانيا باحترام سلامة الإمبراطورية البريطانية، ولكن هتلر أعلن في عام 1938 ضم النمسا إلى الرايخ الألماني منتهكا المعاهدة التي عقدها مع النمسا قبل سنتين فقط، والتي أكدت فيها ألمانيا اعترافها بسيادة النمسا والتزامها بعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

 

وهكذا فقد فشلت جميع الاتفاقيات التي عقدت مع هتلر وكذلك جميع المحاولات الاسترضائية والتنازلات التي قدمتها أوروبا لتجنب الحرب، وأشعل هتلر حربا عالمية مرعبة.

 

وفي ساحة الصراع العربي الإسرائيلي فقد قدم العالم والعرب للصهيونية الكثير من التنازلات والصفقات الاسترضائية، ففي الوقت الذي كانت تجري فيه المفاوضات الإسرائيلية المصرية وتوقع الاتفاقات كانت إسرائيل تمضي في التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وضمت القدس المحتلة عام 1967، وضربت المفاعل النووي العراقي، واحتلت لبنان، وضمت الجولان مخالفة سياق المفاوضات الجارية بهدف السلام والتسوية السياسية للصراع، منتهكة قرارات الأمم المتحدة واتفاقات فصل القوات التي وقعت بعد حرب عام 1973.

 

"
سياسة إسرائيل تؤدي بها إلى الاضمحلال والزوال في المستقبل شأنها في ذلك شأن النازية
"
وعلى الصعيد الأردني لم تف إسرائيل بتعهداتها وما وقعت عليه حول اللاجئين والنازحين الفلسطينيين، وانتهكت سيادة الأردن واتفاق السلام معه بمحاولتها اغتيال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس عام 1997، وهو مواطن أردني كان مقيما في عمان حتى عام 1999.

 

وأما على الساحة الفلسطينية فإن انتهاكات اتفاق أوسلو وانهيار حالة السلام التي بدأت بتشكيل السلطة الفلسطينية وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية أمر لا يحتاج إلى توضيح.

 

وهكذا فإن اتفاقيات السلام مع مصر والأردن وفلسطين وما تبعها من سياسات استرضائية وتنازلات من أجل استبعاد العدوان وتحقيق السلام والاستقرار قوبلت جميعها بالخرق والانتهاكات.

 

وتؤكد مقولة ورؤية هذه الحركات والدول القائمة على العنصرية والتمييز والكراهية أن كل تنازل تحصل عليه يعني الاقتراب من تنازل آخر.

 

مستقبل الصهيونية في ضوء التجربة النازية

وأخيرا تناولت الباحثة في كتابها مستقبل الصهيونية على ضوء التجربة النازية بعد توضيح رؤية النازية والصهيونية لمفهوم التعايش السلمي مع الأخر ومن خلال تبيان منظورهما لسياسات الآخر.

 

وهنا تجد الباحثة أن سياسة إسرائيل  تؤدي  بها إلى الاضمحلال و الزوال في المستقبل شأنها في ذلك شأن النازية التي تقل عنها من حيث السياسة والتفوق الذي حققته في الماضي وكل هذا راجعا إلى سياسة إسرائيل الخارجية الموسومة بالتطرف والرامية دوما إلى التصعيد والاحتلال وشن الحروب بالإضافة إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعتريها وإلى حالة الفساد الداخلي التي تصدع جوانبها.

 

"
إذا كانت الصهيونية تمتلك بعض شروط التكيف مع المتغيرات العالمية واستطاعت الاستمرار حتى الآن فإن ذلك التكيف لا يعنى قدرتها على الاستمرار
"
وكل هذه التكهنات تأتي استنادا إلى مبدأ تعميم النتائج  لتشابه المعطيات، حيث إن الأمم التي تنحرف في تصرفاتها عن المواقف المتوقعة التي تشكل شرطا لوجود المجتمع الدولي كثيرا ما تقطف ثمرة انحرافها.

 

بالإضافة إلى الأسباب السابق ذكرها هناك أسباب أخرى تعتبر عوامل داخلية ومآزق ومشكلات تواجهها الصهيونية التي تشكل مثار جدل بين صفوف المجتمع الإسرائيلي، وقد أشارت إليها الباحثة بالتفصيل، ويمكن ذكرها في نقاط هي الإعلاء من شأن العرق ونقائه، والشعب المختار، وعدم الاختلاط مع الآخر بدعاوى عنصرية قائمة على التصنيف الثنائي للبشر والتمييز العنصري، وانعكاس الرؤى والتعاليم النازية والصهيونية على المناهج التعليمية.

 

وتعتبر هذه الأخيرة حالات وسياسات تصطدم مع الاتجاه الفكري والإنساني السائد، وإذا كانت الصهيونية امتلكت بعض شروط التكيف مع المتغيرات العالمية، واستطاعت الاستمرار حتى الآن فإن ذلك التكيف لا يعنى قدرتها على الاستمرار، لأن الاتجاه العالمي ومنطقه سيتغلب في النهاية وهو أكبر من أي انحراف تحاوله فئة منشقة من البشر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة