تجربة بنك الفقراء   
الأحد 1428/3/27 هـ - الموافق 15/4/2007 م (آخر تحديث) الساعة 12:31 (مكة المكرمة)، 9:31 (غرينتش)

عرض/ إبراهيم غرايبة
يعرض هذا الكتاب تجربة بنك الفقراء "جرامين" التي بدأها في بنغلاديش أستاذ الاقتصاد بجامعة شيتا جونغ الدكتور محمد يونس الحائز على جائزة نوبل.

وتعتمد فكرة البنك على تقديم قروض صغيرة لتمويل مشروعات منزلية تقوم عليها غالبا نساء. وقد قدم البنك منذ تأسيسه أوائل الثمانينيات نحو 11 مليون قرض، ووصلت نسبة تسديد القروض إلى 99%.

النظام الاقتصادي لجرامين
-الكتاب: تجربة بنك الفقراء
-المؤلف: مجدي سعيد
-الصفحات: 271
-الناشر:
الدار العربية للعلوم/ ناشرون, بيروت
-الطبعة: الأولى 2007
بدأ بنك جرامين أعماله في قرية جوبرا عام 1976، وخلال أكثر من ثلاثين عاما واجه البنك العديد من المشكلات العملية والتنظيمية، واكتسب الكثير من الخبرات عبر النجاح والفشل. كما 
أدخل العديد من السمات الجديدة في منهجيته لمواجهة هذه الأزمات، والاستفادة من فرص جديدة بالعمل على إلغاء أو تعديل السمات التي صارت غير ضرورية.

ويلاحظ المؤلف أن فلسفة البنك تقوم على أن الائتمان يجب أن يقبل كحق من حقوق الإنسان، ومن ثم تبني نظاما على أساس أن الشخص الذي لا يملك شيئا له الأولوية في الحصول على قرض.

فمنهجية جرامين لا تتأسس على تقييم الملكية المادية للفرد، وإنما تتأسس على الدافعية التي يملكها، فجرامين بنك يعتقد أن كل البشر بمن فيهم الأكثر فقرا موهوبون بدافعية لا حدود لها.

كما يعطي الأولوية للنساء اللاتي يشكلن 96% من مقترضي البنك، ويعمل على تحسين أوضاعهن في أسرهن بإعطائهن القدرة على التملك.

وتتواجد فروع بنك جرامين في المناطق الريفية، فهو يعمل على أساس أن الفقير لا ينبغي أن يذهب إلى لبنك، وإنما على البنك أن يذهب إليه. ويتعامل البنك اليوم مع سبعة ملايين شخص في أكثر من 71 ألف قرية.

وعن صفة البنك الاقتصادية والمالية يقول المؤلف إنه مشروع اقتصادي ربحي يقوم على تدوير المال واستثماره، وذلك بإقراض المال لعملائه من الفقراء.

ويتخذ من الوسائل الكفيلة لاستعادة هذا المال من خلال نظام مالي وإداري صارم قائم على ضمان الجماعة المحلية، إضافة إلى رقابة ومتابعة موظفي البنك.

ويذكر الكتاب أن النظام الاقتصادي للبنك على تقديم القروض للفقراء، دونما ضمانات مالية من صنف تلك الضمانات التي تطلبها المؤسسات المالية.

فيستطيع المستفيد الحصول على قرض وعليه الالتزام باستثمار القرض في الغرض المطلوب من أجله خلال الأسبوع الأول من استلام القرض، ويحق للعضو المنتظم في السداد والملتزم بحضور اجتماعات المركز وباستخدام القرض في الغرض المخصص له، الحصول عل قرض آخر.

وأنواع القروض في البنك هي:
- القرض العام، ويحصل عليه كل أعضاء البنك، ويستخدم في جميع أغراض الاستثمار الفردي.
-القرض الموسمي، والغرض منه دعم الزراعات الموسمية.
- قرض الأسرة، وتحصل عليه الأسرة عن طريق المرأة، وهي المسؤولة قانونيا عنه.
- وهناك قروض الإسكان.

"
الدراسات أثبتت أن مقترضي جرامين يتحركون بثبات إلى خارج دائرة الفقر، فطبقا لإحدى الدراسات يتحرك 5% من المقترضين سنويا خارج هذه الدائرة
"
وتقوم عملية المتابعة والرقابة المالية والإدارية على الموظفين الميدانيين والموجودين في فروع البنك المنتشرة في معظم محافظات بنغلاديش، ويتكون طاقم العمل في أي فرع من تلك الفروع من تسعة موظفين.

والفرع وحدة التشغيل الأساسية في البنك وهو الوحدة المسؤولة عن الربح فيه، ويحصل الموظفون في الفرع على10% من الأرباح كحوافز، ويشرف على كل 10 فروع مكتب منطقة يقع غالبا في مدينة صغيرة.

ويخدم مكتب المنطقة مساحة تصل إلى 400 ميل مربع، ويتكون كل مكتب منطقة من ستة موظفين يقومون بالوظائف التي يقوم بها الموظف على مستوى الفرع والمنطقة. ثم يأتي المكتب الرئيسي للبنك والذي يقع في دكا عاصمة البلاد.

وعندما واجهت بنغلاديش أعنف فيضان عام 1998 إذ بقي الناس تحت الماء 10 أسابيع وفقدوا ممتلكاتهم ومنازلهم، قرر بنك جرامين القيام ببرنامج ضخم لإعادة التأهيل بتوزيع قروض جديدة لمشاريع مدرة للدخل.

وبالتالي بدأت مرحلة اقتصادية جديدة للبنك ببناء نظام عمومي يعتمد على نوع أولي من القروض بقواعد توصف "الطريق السريع للقروض المتناهية الصغر".

وقد أتاح النظام الجديد للمواطنين المعدمين الالتحاق ببنك جرامين بدون التزام بالعضوية ولا يطلب منهم ادخارا ولا سدادا أسبوعيا، إذ يتم تشجيع المراكز على وضع قائمة بالأسر المعدمة في منطقتهم، وعلى المجموعات أن تأخذ الأعضاء المعدمين تحت أجنحتها، وتنصحهم بالخروج من مخاوفهم وتعطيهم مهارات الأعمال المطلوبة وتساعدهم على اتخاذ نشاط مدر للدخل.

وقد أثبتت الدراسات أن مقترضي جرامين يتحركون بثبات إلى خارج دائرة الفقر، فطبقا لإحدى الدراسات يتحرك 5% من المقترضين سنويا خارج دائرة الفقر.

جرامين وتحسين نوعية الحياة
يحدد المؤلف مداخل التنمية في تجربة بنك جرامين للفقراء في المبادئ التالية:

أولاً- تحسين حالة المسكن الذي يعتبر من المطالب الأساسية للتنمية، وبخاصة في بلد مثل بنغلاديش الذي يعيش أغلب سكان الريف به في أكواخ مبنية من البامبو.

فيعطي البنك للفقراء ثلاثة مستويات من قروض الإسكان تختلف حسب عدد سنوات العضوية في البنك، فمنها ما يهدف إلى إصلاح المسكن فقط، ومنها ما يغطي إقامة الأعمدة والصرف الصحي. وتسدد قروض الإسكان في أقساط أسبوعية خلال مدة حدها الأقصى عشر سنوات.

وقد سبق للبنك أن حصل على جائزة الآغا خان للعمارة الإسلامية، وكانت أول مرة تعطى فيها الجائزة لنمط من أنماط "عمارة الفقراء" الملائمة للبيئة والظروف الاقتصادية، والتي تحقق في الوقت ذاته خطوة إلى الأمام في تحسين حالة المسكن لهذه الفئات الفقيرة في المجتمع.

"
لا بد من تغير فكرة الناس عن الفقر بأنها مشكلة ليس لها حل، ولا بد للفقير أن يشارك في حل مشكلته ولا ينتظر مساعدات المحسنين فقط، وكل إنسان قادر على أن يدير عملا سواء كان فقيرا أو أميا أو امرأة
"
ثانيا- تحسين الوضع الصحي للمجتمع عبر تحسين الحالة الصحية للأسرة، وزراعة الخضراوات. كما يتناول البنك المدخل البيئي والسلوكي في الصحة، مثل بناء المراحيض الصحية، والعمل على شرب الماء النظيف.

ومن أجل تحقيق الأهداف الصحية القومية، فقد أنشئت تسعة مراكز صحية تابعة لبنك جرامين لتتعامل مع المشاكل الصحية للمقترضين وأسرهم في تلك المناطق، كما يمكن لغير أعضاء البنك في تلك المناطق أن يتلقوا العلاج الصحي في تلك المراكز.

ثالثا- المدخل التعليمي، بإحداث نهضة المجتمع وإتاحة الفرصة للحراك الاجتماعي، فقد اهتم البنك بتحسين التعليم، وذلك عبر برامج قروض التعليم العالي ومساعدة الطلاب الفقراء والمتفوقين على مواصلة تعليمهم العالي على أمل إنشاء جيل من الفقراء المتعلمين تعليما عاليا يجعلهم قادرين على الخروج من دائرة الفقر.

وأسس البنك بالتعاون مع اليونسكو في إطار مبادرة التعليم للجميع "مؤسسة جرامين للتعليم" التي تستهدف التعليم المستمر للنساء الفقيرات الأميات من عضوات البنك والدمج الاجتماعي لهن وتحسين نوعيات حياتهن من خلال محو أمية القراءة والكتابة والحساب.

وقد نصت رؤية المؤسسة على أنها تسعى إلى نشر التعليم من أجل تنمية المجتمع بوجه عام، وتحسين مستويات حياة الأطفال من خلال ضمان تمويل الطلاب المحتاجين في المنح الدراسية، ونشر التعليم بشكل كثيف، وتوفير التسهيلات للتعليم والتدريب، وترويج تقنيات حديثة وملائمة مثل الفضائيات والإنترنت.

كما أقام البنك برنامجا للرعاية في حالة الكوارث، وعمل على إعادة رأس المال بناء على أن 38% من الأعضاء كانوا متعثرين في السداد، بإعطائهم رؤوس أموال جديدة وتجميد الفوائد على القروض القديمة.

ويرى المؤلف جوانب تنموية واجتماعية للبنك غير مباشرة أو منظورة، فالبنك يقوم بدعم الروابط الاجتماعية، وذلك عندما يتكئ في صلب نظامه على "المجموعة" و"المركز" وهي تكوينات من أفراد المجتمع المحليين المتقاربين وقد اختار بعضهم بعضا، حيث يقوم البنك بتنمية الوعي الاجتماعي بمشاكل المجتمع، أي الإحساس الاجتماعي بالآخرين.

وليس ذلك فحسب بل يسعى البنك إلى تحسين نوعية الإنسان ذاته عبر تغيير الأفكار والمفاهيم وبث روح الثقة بالنفس.

فلا بد من تغير فكرة الناس عن الفقر بأنها مشكلة ليس لها حل، ولا بد للفقير أن يشارك في حل مشكلته ولا ينتظر مساعدات المحسنين فقط، وكل إنسان قادر على أن يدير عملا سواء كان فقيرا أو أميا أو امرأة.

الآفاق المحلية والعالمية
يعرض المؤلف في هذا الفصل آفاق التوسع والانطلاق لتجربة بنك الفقراء في بنغلاديش والعالم، فقد بدأت مؤسسات جديدة تابعة للبنك بالعمل في مجالات جديدة، مثل مؤسسة جرامين كريشي التي ظهرت عام 1991 وتهدف إلى تحسين نظام الري، والعمل على إدخال التقنية ومساعدة المزارعين على زيادة محاصيلهم، والعمل على زراعة الأراضي غير المستغلة، وزيادة فرص التوظيف للنساء الفقيرات في مختلف الأنشطة الزراعية.

"
هل يمكن تكرار التجربة في مصر والوطن العربي؟ الجواب أن ثمة اختلافات تشريعية واجتماعية في مصر تجعل من الصعب نجاح تجربة مثل بنك الفقراء الذي ستنظر إليه الحكومة على أنه ينازعها مهماتها ودورها الاجتماعي
"
ومنها مؤسسة جرامين أدوج التي اشتهرت بالمنسوجات اليدوية البنغالية، فيوجد في بنغلاديش أكثر من نصف مليون مغزل في القرى، وفي وقت ما كانت كلها مستخدمة طوال العام.
أما الآن فإن نحو 60% منها لا تعمل بكامل طاقتها أو لا تعمل مطلقا لانعدام رأس المال.

وتقوم مؤسسة جرامين أدوج بمساعدة النساجين بتوفير المواد والأصباغ والتصميمات الحديثة، وتقديم خدمات التسويق، ومتابعة الجودة من خلال الإشراف.

ونتيجة لهذا العمل فقد أضيف 8000 مغزل يدوي حديث إلى قاعدة الإنتاج في جرامين تشيك، ويستفيد منهات أكثر من 10 آلاف أسرة استفادة مباشرة.

وقد قامت مؤسسة جرامين تشيك بتصدير 13 مليون ياردة إلى أوروبا والولايات المتحدة عبر العديد من أصحاب مصانع الملابس في بنغلاديش على شكل ملبوسات.

ويذكر المؤلف العديد من مؤسسات جرامين الهادفة إلى مكافحة الفقر في بنغلاديش مثل مؤسسة جويسار للأسماك، ومؤسسة جرامين كاليان (مؤسسة للرفاهية الريفية) ومؤسسة جرامين شاموجرى التي تعنى بالمنتجات الريفية، ومؤسسة جرامين تيليكوم المتخصصة في إدخال ثورة المعلومات إلى الريفيين.

وكذلك مؤسسة جرامين شاكتي التي تعمل في مجال الطاقة الريفية بهدف توفير الطاقة المتجددة في القرى المحرومة من الكهرباء، ومؤسسة جرامين للاتصالات وتهدف إلى زيادة الوعي والحفز على استخدام المعلومات المتاحة على الإنترنت بهدف تحسين أحوال التعليم والبحث والأحوال الاجتماعية والصحية في بنغلاديش.

هل يمكن تكرار التجربة في مصر والوطن العربي؟ يتساءل المؤلف ويجيب بأن ثمة اختلافات تشريعية واجتماعية في مصر تجعل من الصعب نجاح تجربة مثل بنك الفقراء الذي ستنظر إليه الحكومة على أنه ينازعها مهماتها ودورها الاجتماعي والذي يبدو أنها لا تقبل أن يشاركها فيه غيرها.

وقد دعمت جرامين ترست من خلال المانحين أكثر من 113 منظمة في 34 دولة بآسيا والباسيفيك وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا، وقد أقرضت تلك المنظمات ما مجموعه 16مليون دولار حتى الآن، والتي أقرضت بدورها 174 مليون دولار من أموال المانحين في الأغلب إلى المقترضين.

وهذا مؤشر على أن تلك المنظمات قد استخدمت القروض التي وفرها لها جرامين ترست كرافعة، وقد وصل مجموع من وصلت إليهم تلك المنظمات الآن إلى نحو مليون عضو، 99% منهم من النساء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة