الانتخابات والأحزاب الأميركية   
الأربعاء 2/7/1435 هـ - الموافق 30/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:52 (مكة المكرمة)، 13:52 (غرينتش)


عرض/ياسر غريب

يتفاوت تقييم الديمقراطيات المختلفة وفقا للمعيار الذي يُتخذ مقياسا، فالديمقراطيات النيابية أصنافها متعددة، ففي بعض الحالات يختار الناخبون مديرين ومشرِّعين وقضاة، وفي حالات أخرى لا يختارون إلا بعضا من هؤلاء.

وفي بعض الأمم، يختار الناخبون متقلدي المناصب على المستويات: الوطني والإقليمي والمحلي، وفي بعضها الآخر لا يختارون إلا بعضا من هؤلاء. وإن كان الشيء المشترك بينها جميعا أن المواطنين يصوِّتون لاختيار مَن يحكمونهم، انطلاقا من قدرة المواطنين على تقييم أداء مَن يتخذون القرارات التي تؤثر تأثيرا مباشرا في حياتهم.

ويمثل النموذج الأميركي للحكم المثال الأكثر ظهورا في الأدبيات السياسية العالمية. وبالرغم من أن الأميركيين يفخرون بنظامهم الانتخابي الديمقراطي لعراقته، فإن الغالبية من هؤلاء الأميركيين لا يفهمون العملية الانتخابية التي يفخرون بها، فضلا عن المراقبين من غير الأميركيين.

-العنوان: الانتخابات والأحزاب الأميركية
-المؤلف: إل ساند مايسل
-ترجمة: خالد غريب علي
-عدد الصفحات: 167
-الناشر: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
-الطبعة: الأولى، 2014

وفي كتابه "الانتخابات والأحزاب الأميركية" يسعى الباحث والسياسي الأميركي "إل ساند مايسل" إلى تقييم العملية الانتخابية قياسا على معايير ديمقراطية صارمة، ووفق مبادئ دستورية يُجلُّها الأميركيون بشدة. لافتا إلى أن الأميركيين يحلو لهم نقد النظم الديمقراطية الأخرى، بينما لا ينظرون بعين النقد إلى نظامهم على ما فيه من مساوئ لا تخفى.

ويقع الكتاب في سبعة فصول بعد المقدمة وقبل الخاتمة، هي على الترتيب: "سياق الانتخابات والأحزاب السياسية الأميركية"، و"تاريخ مختصر للأحزاب السياسية الأميركية"، و"التنظيمات الحزبية: كيف تبدو؟ وماذا تفعل؟"، و"مَن الجمهوريون؟ ومَن الديمقراطيون؟ ومَن الآخرون؟"، و"الانتخابات الرئاسية: حملات الترشيح والانتخابات العامة"، و"الترشيحات والانتخابات على المستوى دون الوطني، ثم "ديمقراطية بعيدة عن الكمال".

إجراءات معقدة
ولا ينفي المؤلف أن تلك العملية الانتخابية تلائم الأميركيين ملاءمة كبيرة، لكنه يصرح بأنها ليست ملاءمة مثالية، إذ ينبغي للولايات المتحدة أن تتخذ لنفسها هدفا دائما يتمثَّل في تحسين سبل تعبير المواطنين عن رضاهم عمَّن يحكمونهم.

حيث يبدأ المؤلف رحلته في تمحيص الديمقراطية الأميركية بمناقشة جوانب الإطار الدستوري الأميركي وثيقة الصلة بالعملية الانتخابية، ومدى إسهام كل جانب من هذه الجوانب الأساسية للحكم الأميركي في قدرة المواطنين على إبداء قبولهم السياسات التي تفرضها حكومتهم أو انتقاصه من هذه القدرة.

وتساعد المفاهيم المألوفة، من قبيل الفصل بين السلطات والنظام الفدرالي، على تفسير كيف تحل أميركا بأسلوب فريد مشكلة القبول الديمقراطي، ومن ثم فإن لها آثارا مهمة تستحق المناقشة مجددا.

والكتاب يناقش الإجراءات المعقدة للعملية الانتخابية في الولايات المتحدة، وهي التعقيدات التي تسببت فيها العديد من العوامل، منها عوامل تاريخية دستورية فرضت أشكالا خاصة لنظام الحكم، وطرق الوصول للديمقراطية في ظل ظروف خاصة، تلك الظروف القديمة التي تغيرت تماما وبقيت آثارها، ومن ذلك ما يسمى بـ"المجمع الانتخابي" المنوط به اختيار رئيس الدولة، وهو نظام يرى كثيرون أنه نظام غير مناسب لتحقيق ديمقراطية مثالية، غير أنهم أيضا لا يتجرؤون كثيرا على المساس به لتعقد الحالة السياسية الأميركية، ونفوذ المستفيدين بالحالة القائمة.

يفخر الأميركيون بنظامهم الانتخابي الديمقراطي لعراقته، بالرغم من أن الغالبية العظمى من هؤلاء لا يفهمون تفاصيل العملية الانتخابية التي يتباهون بها

يقول المؤلف: "لا أعرف أحدا في يومنا هذا يدافع عن المجمع الانتخابي بوصفه الطريقة المثلى لاختيار الرئيس، لكن كثيرا ما تثار الاعتراضات ضد محاولات إجراء تغييرات معينة على هذا النظام".

مضيفا أن نظام المجمع الانتخابي الذي يقوم على احتساب عدد محدد من الأصوات لصالح ولاية ما دون أخرى بشكل قد لا يتناسب مع أعداد الناخبين وأصواتهم الفعلية، يمثل عبئا على المثالية التي يدعيها معظمهم، فبالإضافة إلى جورج بوش، انتُخب رذرفورد بي هايز (١٨٧٦) وبنجامين هاريسون (١٨٨٨) للرئاسة بالرغم من حصولهما على أصوات أقل من منافسيهما. فهذا النظام قد يعطي الصدارة لمن لا يستحق، بعيدا عن مبدأ المساواة بين المواطنين.

اقتراحات للتعديل
ويشير المؤلف إلى أن النقاد يقترحون بصورة مستمرة مجموعة من الإجراءات لتعديل المسار الديمقراطي الأميركي، فعلى سبيل المثال هناك مقترح قوي يدعو إلى التحول للانتخاب المباشر لرئيس الجمهورية، فيما اقترح آخرون تخصيص أصوات المندوبين بالنسبة والتناسب أو حسب الدوائر.

بينما كان هناك اقتراح بتغيير النظام دون تعديل دستوري، عن طريق إبرام ميثاق توافق الولايات الموقعة عليه كافة على الإدلاء بأصواتها في المجمع الانتخابي للفائز في الاقتراع الوطني، ويدخل هذا الميثاق حيز التنفيذ ما إن يوافق عليه عدد كافٍ من الولايات يجعلها تسيطر على أغلبية المجمع الانتخابي.

ويتطرق المؤلف إلى معضلة أنه ينبغي ألا يتغيَّر جانب أساسي من جوانب العملية الدستورية لاختيار الرئيس بوسيلة تلتف عمدا حول الدستور. متسائلا: على أي أساس تزدهر ديمقراطية دستورية إذا كان العثور على ثغرة يُعتبر الوسيلة الشرعية لإحداث تغيير أساسي؟

لكن في الوقت ذاته، يرى أن لدى أولئك الأشخاص الجادين من الشعور بالإحباط ما يكفي لاعتبار أن مثل هذا الجهد يدل على أن النظام ذاته في حاجة إلى إصلاح. فليس من المحتمل أن يأخذ المسؤولون أي جهد إصلاحيٍّ مأخذ الجد ما لم يجبرهم الشعب على ذلك.

كذلك يتسبب الحكم الفدرالي للولايات المختلفة في اختلاف نظام الحكم من ولاية لأخرى، والمدد القانونية للمناصب المنتخبة، وتفاوت تلك المناصب وأشكال الانتخاب.

يحلو للأميركيين -عموما- نقد النظم الديمقراطية الأخرى، بينما لا ينظرون بعين النقد إلى نظامهم على ما فيه من مساوئ لا تخفى

أما عن مرحلة ما بعد الانتخابات فإن ثمة نتيجة إضافية مترتبة على الأحكام الدستورية التي تنظم الانتخابات الأميركية، وهي أن مدد المناصب كافة في الولايات المتحدة محددة وثابتة، وهكذا لا تسقط حكومة أميركية نتيجة فشلها في الاستجابة لأزمة معينة، ولا يملك جمهور الناخبين الفرصة للتعبير عن آرائهم ريثما تنتهي المدة المحددة.

أكثرية لا أغلبية
يشيع في الانتخابات الأميركية من يفوزون بلا أغلبية، ويندر من يخسرون من بين الفائزين بأكثرية (دون مواجهة جولة إعادة). وعلى الرغم من هيمنة حزبين على النظام الأميركي، ففي كل سنة انتخابية يحصد عدد من الفائزين أقل من نصف الأصوات، ويحرز متسابقو الأحزاب الصغيرة أو المستقلون أصواتا كافية لإمالة ميزان القوة ناحية أحد هذين الحزبين.

وتَصْدق هذه النتيجة بوجه خاص في الانتخابات التمهيدية -الانتخابات التي تُجرى لتحديد مرشحي حزب معين- التي يتنافس فيها أكثر من متسابق على ترشيح الحزب.

ويؤكد المؤلف أن المطالبة بالتحول عن نظام الأكثرية -أي فوز الذي يحصل على أكثر الأصوات، أغلبية كانت أم لا- تثير استغراب أميركيين كثيرين على الرغم من آثاره غير الديمقراطية الواضحة. مشيرا إلى نظم بديلة يتم طرحها أحيانا لتغيير الممارسة الحالية.

ديمقراطيون وجمهوريون
كذلك يقدم مايسل مختصرا لتاريخ الأحزاب، وصولا لهيمنة الحزبين الديمقراطي والجمهوري على الحياة السياسية، فيقول: "بدأ بعض الأميركيين يشككون في فعالية نظام المجمع الانتخابي بعد سنة ٢٠٠٠، وشكك البعض في الاختيار الذي وُضع أمامهم في ذلك الانتخاب، لكن قليلين شككوا في جوانب العملية الانتخابية، وأقل منهم شككوا في النظام الذي سمح للديمقراطيين والجمهوريين بالهيمنة على السياسة لنحو ١٥٠ سنة".

مبررا ذلك بأن الحزبين قد سنّا -وهما في السلطة- تدابير إضافية تنجح كثيرا في ضمان استمرار هيمنتهما، وأبرزها نظام تمويل الحملات الانتخابية الذي يضع الأحزاب الصغيرة ومتسابقيها في وضع غير مواتٍ بدرجة كبيرة. بالإضافة إلى أن المناظرات التي تُجرى أثناء الحملات الرئاسية الحديثة تدار بمعرفة لجنة من الحزبين، وقد تبنَّت هذه اللجنة -التي يشترك في رئاستها زعيمان سابقان للحزبين الكبيرين- سلسلة من القواعد بخصوص مشاركة متسابقي الأحزاب الصغيرة، اعتبرها بعض المعارضين غير عادلة قطعا، وشبَّهها بعضهم في هذا الموقف بالمثل القائل "أوْكَلْنَا للثعلبِ حراسةَ حظيرةِ الدّجاج".

ويطرح المؤلف تساؤلاته عن ما يعنيه كونك ديمقراطيا أو جمهوريا؟ موضحا أن الانتماء الحزبي بأميركا يختلف عن مثيله بأوروبا، فالأميركيون لا ينضمون إلى حزب سياسي بالمعنى الحقيقي، ولا تحتفظ الأحزاب بكشوف لأعضائها، فالولاء الحزبي أفضل مؤشر منفرد للتنبؤ بأصوات المواطنين، وهو ما لا يتوفر لدى الأميركيين.

نظام "المجمع الانتخابي" العتيق يخالف المثالية الدستورية، ومحاولات الإصلاح تصطدم بجماعات المصالح المستفيدة من الوضع القائم
وأخيرا، يظل الأميركيون -وفقا للمؤلف- حتى مَن هم على دراية بتفاصيل العملية الانتخابية، على قناعة بأن الديمقراطية الأميركية تجسد المثل الأعلى الذي ينبغي أن يناضل الآخرون لبلوغه، ويشيرون إلى العيوب التي تشوب الأنظمة الأخرى، إلى الانقسام بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء في بلد كفرنسا يتبع نظاما مختلطا، وإلى الفوضى في تشكيل أغلبية فاعلة في بلد يتبع نظاما برلمانيا كإسرائيل، وإلى عدم استقرار الحكومات في بلد كإيطاليا، وإلى عدم وجود صحافة حرة وعملية مفتوحة في بلدان كانت ذات يوم شمولية وتسمي نفسها الآن ديمقراطية كروسيا، وإلى الهيمنة العرقية أو الجنسانية أو الطبقية في جمع كبير من البلدان الأخرى، لكنهم نادرا ما يسلطون ضوء النقد على نظامهم.

لكن هذا الكتاب حاول بتركيز شديد، وضع الديمقراطية الأميركية تحت المجهر النقدي، مبينا الضرورات التاريخية للواقع الديمقراطي والمحاولات الإيجابية لتحسين النظام الحالي ليعبر عن المثالية الدستورية للولايات المتحدة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة