الفيروس الأميركي.. فضح الإمبراطورية الأميركية   
الثلاثاء 1425/12/28 هـ - الموافق 8/2/2005 م (آخر تحديث) الساعة 11:14 (مكة المكرمة)، 8:14 (غرينتش)

عرض/ كامبردج بوك ريفيوز 
اشتهر في علم السياسة والإستراتيجيات مصطلح "باكس بريتانيكا" (Pax Britanica) وكان وما زال يشير إلى عصر الإمبراطورية البريطانية التي لم تكن تغيب عنها الشمس.

- اسم الكتاب: الحكومة الإلكترونية


 

- اسم الكتاب: الفيروس الأميركي.. فضح الإمبراطورية الأميركية
- تحرير: جون بيلامي فوستر وروبرت دبليو ماكشنسي
-عدد الصفحات: 192
- الطبعة: الأولى 2004

-الناشر:
بلوتو برس, لندن

يتضمن ذلك المصطلح مغزى مهماً (من تصنيع منظري الإمبراطورية)، هو أن الإمبراطورية تنشر السلم والأمان وأنها عبر الانتشار العسكري والكولونيالي في طول وعرض الكرة الأرضية توحد البلدان المتنازعة تحت رايتها وتنزع فتيل الصراع ويعيش الجميع في كنفها بسلام.

طبعاً لم تكن الأمور بهذه البساطة والليونة, فقد كان عصر "باكس بريتانيكا" عصرا استعماريا بامتياز فيه نهب لثروات البلدان المستعمرة, وفيه حروب، وفيه قمع وحالات إبادة عنصرية أيضا.

في أعقاب انهيار إمبراطورية لندن أصبحت الولايات المتحدة القوة الخليفة, لكنها رفعت شعار أنها لا تبدأ بأي حرب, بل تدافع عن نفسها, وأن ليس لديها أي مشروع إمبريالي توسعي تحت أي مسمى, ولو كان لفرض السلم العالمي تحت مظلة "باكس أميركانا" (Pax Americana).

إمبراطورية الفيروس الوبائي
"
مع حرب فيتنام دخلت الإمبريالية الأميركية علنا مشروع "باكس أميركانا", وبدأ منظرون أميركيون يكتبون في ضرورة أن يكون لدى الولايات المتحدة مشروع إمبريالي ذو صفات حميدة
"
عنوان الكتاب الذي بين أيدينا يسخر من ذلك التعبير ويعيد إنتاجه بطريقة تهكمية, إذ يحوره إلى "Pox Americana", وهنا فإن كلمة Pox تعني الوباء الفيروسي أو شيئا قريبا من ذلك.

ومن وراء هذا يريد محررا الكتاب أن يقولا للقارئ إن الإمبراطورية الأميركية الراهنة هي كالفيروس المنتشر في العالم, وليس لها علاقة بإحلال السلم العالمي.

أطروحة الكتاب تريد أن تنقض المزاعم الأميركية بعدم وجود نيات إمبريالية وراء الحروب التي تشنها الولايات المتحدة في العالم اليوم، إذ سرعان ما وقع العالم بأكمله أسير الصراع مع الاتحاد السوفياتي وانخرط الطرفان في صراع إمبريالي للسيطرة وشراء الولاءات في مناطق العالم المختلفة.

ومع حرب فيتنام حيث ابتدأت الولايات المتحدة بالحرب دخلت الإمبريالية الأميركية علنا مشروع "باكس أميركانا", وبدأ منظرو أميركا يكتبون في ضرورة أن يكون لدى الولايات المتحدة مشروعاً إمبريالياً ذا صفات حميدة منها نشر السلام ولو اقتضى الأمر استخدام القوة في بعض الأحيان, كما كان الأمر في فيتنام.

وكتب بعض أولئك المنظرين من أمثال رونالد ستيل أن الإمبراطورية الأميركية تختلف عن الإمبراطوريات التي سبقتها بأن أهدافها نبيلة وأنها لا تستهدف الربح والاستيلاء على الثروات كما كان ماضي الإمبراطوريات المنقضية.

لكن حتى قبل ذلك التاريخ وكما يشير الكتاب الذي بين  أيدينا, كان للإمبريالية الأميركية سجل طويل في التدخل المباشر أو غير المباشر ونقرأ عن حالات الغزو التالية في ذلك السجل: الصين 1945, اليونان 1947 إلى 1949, كوريا 1950 إلى 1953, إيران 1953, غواتيمالا 1954, لبنان 1958, الكونغو 1960 إلى 1964, كوبا 1961, إندونيسيا 1965, جمهورية الدومينيكان 1966, تشيلي 1973.

أما بعد حرب فيتنام فإن القائمة طالت وشملت: لبنان 1982 إلى 1984, أنغولا 1976 إلى 1992, غرينادا 1983 و1984, أفغانستان 1979 إلى 1989, السلفادور 1981 إلى 1992, نيكاراغوا 1981 إلى 1990, بنما 1989 و1990, العراق 1991, الصومال 1992 إلى 1994, هاييتي 1994, البوسنة 1995, يوغسلافيا 1999, انتهاء بأفغانستان والعراق في سنوات 2001 وما تلاها.

يؤكد الكتاب الضرورة القصوى لفهم واستيعاب التاريخ الإمبريالي للولايات المتحدة لتفادي الوقوع فريسة الشعارات البراقة التي تسبق وتحيط بكل حملة إمبريالية أميركية.

ويذهب المحرران بعيدا في التاريخ ليقولا إن جذور الإمبريالية الأميركية تعود إلى هزيمة المسلمين على يد الإسبان في القرن الخامس عشر, واكتشاف "العالم الجديد" من قبل كولومبس الذي أتبعه حرب الإبادة ضد الهنود الحمر.

يكتب المؤلفان بغضب واضح يجعلهما يطلقان مقولات حادة وخلافية، ففي معرض إدانتهما الشديدة للتاريخ الإمبريالي الأميركي يقولان إن الجانب الإمبريالي في الولايات المتحدة هو جزء عضوي لا يتجزأ من الرأسمالية نفسها, ولا يمكن أن تنمحي الإمبريالية إلا بانمحاء الرأسمالية نفسها.

وهنا فإن طوق النجاة من الإمبريالية الأميركية لا يمكن أن يُتاح بسهولة للعالم، إذ إن الرأسمالية العالمية هي في أوج انتصارها, وإن تم ربط مقاومة المد الإمبريالي بهزيمة الرأسمالية فإن ذلك يصعب القضية بشكل فائق إن لم يجعلها مستحيلة أصلا في ظل الظروف القائمة.  

التنظير الجديد لباكس أميركانا
"
في حربي أفغانستان والعراق كان كثير من التنظير الأكاديمي يقدم مسوغات الحرب على قاعدة شعور أميركا بالمسؤولية التاريخية بكونها قائدة العالم للتدخل من أجل جلب الحرية والتحضر والسلام للشعبين الأفغاني والعراقي
"
وكما كان الكاتب والروائي والشاعر البريطاني المشهور في ذروة قوة الإمبراطورية البريطانية روديارد كبلينغ يكتب مدافعاً عن الاستعمار البريطاني من منطلق "مسؤولية الرجل الأبيض" إزاء "تحضير وعصرنة" بقية العالم, تطور في السنوات الأخيرة منظرون أميركيون يسوغون للإمبريالية الأميركية الجديدة إستراتيجيتها وأهدافها في العالم.

ففي حربي أفغانستان والعراق كان كثير من التنظير الأكاديمي الذي يُساق مدافعا عن مسوغات الحرب يقوم على قاعدة شعور أميركا بالمسؤولية التاريخية بكونها قائدة العالم للتدخل من أجل جلب الحرية والتحضر والسلام للشعبين الأفغاني والعراقي.

وفي قلب التنظير الجديد لباكس أميركانا المعاصرة، تقع الدعوة إلى الديمقراطية بكونها الهبة الأميركية التي تحملها الدبابات الأميركية إلى البلدان التي تعاني من الاستبداد.

وعلى كل حال الأهم من التنظير هو الفعل, حيث يشير الكتاب إلى أن شبكة القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة على أرض المعمورة مخيفة ولا تترك زاوية من زوايا الأرض إلا وعليها وجود للجيش الأميركي.

لكن الأمر المدهش للغاية أنه رغم هذا التواجد الإمبريالي الهائل في طول وعرض الكرة الأرضية ما زال المواطن الأميركي العادي مقتنعا بأن بلاده مسالمة ولا تعتدي على أحد, وإنما تتعرض للاعتداءات من قبل الآخرين.

ويرى المؤلفون أن الحكومات الأميركية المتعاقبة كانت ذكية بما فيه الكفاية بحيث لم تجعل أمر هذه القواعد العسكرية علنيا ومطروقا, بل أحيل دائما إلى قائمة الأسرار العسكرية, وبهذا تحالف الجهل العادي مع التجهيل المقصود.

ومن هنا فإن ردة الفعل الأميركية الشعبية على تفجيرات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 كانت في الكثير من جوانبها مفاجئة للعديدين حين تبدت سذاجة الرأي العام الأميركي إزاء الشؤون الخارجية والقناعة شبه العامة لدى الأميركيين بأن بلدهم وحكوماتهم ليست سوى أحمال وديعة في عالم من الأشرار.

كاوبوي باكس أميركانا علامة قوة أم ضعف؟
في مساهمات نعوم تشومسكي وروكسان دنبار أورتز توصيف لمعالم وأطماع "الفيروس الأميركي", وربما ليس فيما يطرحانه جديد بل إعادة تأكيد وصياغة لأدبيات مقاومة العولمة المتأمركة والسيطرة الإمبريالية الأميركية.

فهنا نقرأ عن مركزية النفط في الإستراتيجية الإمبريالية الجديدة وهي لم تعد سرا, ونقرأ كيف تحولت فكرة "الضربة الوقائية" إلى عقيدة قتالية لا محيص عنها في السلوك الأميركي, ونقرأ أن ما يُجمل ذلك السلوك هو عقلية الكاوبوي التي لا تقوم إلا على منطق القوة والقتل لتحقيق المصلحة ومن دون رأفة أو اعتبار بالآخرين.

وعلى ذلك فإن دوس القانون الدولي وتحطيم الدبلوماسية العالمية, وعدم احترام المعاهدات الأممية والأمم المتحدة وكل ما ومن يقف في طريق المصلحة الأميركية، أصبحت سمات لازمة للكاوبوي و"فيروسه" القاتل. 

لكن مقابل الكثير مما هو معروف كما أعلاه, هناك طرح مثير يطرحه المفكر الماركسي إيمانويل ولرشتاين، إذ يقول إن الإمبريالية ليست ظاهرة جديدة بل هي ملازمة لرأس المال منذ وجد, لكن السؤال هو ما الذي جعلها تتزايد وتتعجرف وتتفاقم في السنوات الأخيرة كما يشهد بذلك الكل؟ ويقول إن الجواب الذي يقدمه معظم الناس على هذا السؤال هو "قوة أميركا".

"
الإمبريالية ليست ظاهرة جديدة بل هي ملازمة لرأس المال منذ وجد, لكن السؤال هو ما الذي جعلها تتزايد وتتعجرف وتتفاقم في السنوات الأخيرة؟
"
ثم يضيف "أما الجواب الذي أقدمه أنا فهو على العكس, إن تفاقم الإمبريالية الأميركية ووصولها إلى مراتب غير مسبوقة سببه ضعف أميركا وليس قوتها".

ويفسر ذلك أن وصول الصقور إلى الإدارة الأميركية وسيطرتهم على القرار فيها هو أمر استثنائي, ويعكس انفضاض عناصر القوة الأميركية التي تراكمت خلال النصف قرن الماضي.

ويشير إلى عدة أمور منها: ضعف التكنولوجيا الأميركية وتقدم أوروبا واليابان على الولايات المتحدة في هذا المجال, وتصاعد القوة الأوروبية متمثلة في الاتحاد الأوروبي واليورو, والضعف المستمر في الدولار الذي مثل الركيزة الأساسية للسيطرة الاقتصادية الأميركية.

وبناء عليه يرى ولرشتاين أن أميركا أرادت من غزوها العراق أن تحقق هدفين يحتاج إلى تحقيقهما الضعيف وليس القوي الواثق, وهما تخويف دول العالم الثالث من امتلاك أسلحة دمار شامل, وتخويف أوروبا.

فأميركا يقلقها النمو الأوروبي بالدرجة الأولى ولا تعرف كيف تتعامل معه, خاصة مع بروز ما يسميه ولرشتاين محور باريس-برلين-موسكو الذي وقف ضد الحرب. ويعتقد ولرشتاين أن هذا المحور بالإضافة إلى محور الصين-اليابان-جنوب شرق آسيا سيكونان الهم الأكبر أمام الولايات المتحدة في السنوات العشر القادمة.

لكن بشكل عام فإن تقديره للعشرين أو الثلاثين سنة القادمة هي أن العالم سيمر في مرحلة من الفوضى وعدم الانتظام وغياب البوصلة، وإن تحرك المحورين المذكورين وقوتهما وتشكيل جيش أوروبي ستكون من العوامل التي تحدد مستقبل السيطرة الأميركية وتضع حدا لانتشار "الفيروس الأميركي".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة