الشرق الأوسط الكبير   
الاثنين 1429/7/26 هـ - الموافق 28/7/2008 م (آخر تحديث) الساعة 13:42 (مكة المكرمة)، 10:42 (غرينتش)

عرض/ بدر محمد بدر
يقدم هذا الكتاب أول ترجمة عربية لما يعرف بـ "وثيقة إسطنبول" التي عكف على إعدادها لمدة عام كامل (من صيف 2003 إلى صيف 2004) فريق مكون من 19 باحثا نصفهم من الأميركيين والنصف الآخر من الأوروبيين مع تركي واحد, في مجالات الاقتصاد والعلوم السياسية والتخطيط الإستراتيجي والأمن القومي والدراسات المستقبلية, ليرسموا رؤية الغرب لمنطقة الشرق الأوسط في الوقت الحالي ومستقبلا, وجاءت تحت عنوان "الشرق الأوسط الكبير".

- الكتاب: الشرق الأوسط الكبير
- المؤلف: محمد الخولي
- الصفحات: 288
- الناشر: دار الهلال, القاهرة
الطبعة : الأولى/2008

في المقدمة يتحدث المؤلف عن تيارين في الغرب وأميركا تحديداً, يشكلان رؤيته للوطن العربي أو الشرق الأوسط كما يطلقون عليه.

الأول تيار التشدد والعنف الذي يمثله المحافظون الجدد, ويتبنى شعار "الفوضى الخلاقة". وقد أباحوا لأنفسهم إشاعة الفوضى, تمهيداً لإعادة تشكيل المنطقة حسب مصالحهم, في إطار ما يطلق عليه المحللون السياسيون سايكسبيكو جديدة, تهدف إلى اصطناع كيانات سياسية, تقوم على أساس إثني أو طائفي أو مذهبي.

نظرة عاقلة
أما التيار الآخر فهو أقرب إلى التعقل السياسي والفكري في نظرته للمنطقة, ربما بسبب قراءته لتاريخها وواقعها الراهن.

صحيح أنه في النهاية يهدف إلى تحقيق المصالح الغربية والأميركية, لكنه يرفض أسلوب الفوضى الخلاقة, ويجيد فن التعاون, وهو ما أدى إلى نوع من التوافق الأميركي الأوربي, على أنه لا سبيل إلى تحقيق مصالح الغرب في منطقة الشرق الأوسط -وهي هائلة- من خلال الهدم والتدمير والفوضى.

ويطرح هذا التيار بديلاً أكثر رشدا, وربما أكثر جاذبية لدى شعوب المنطقة وهو: التحول الديمقراطي والتنمية البشرية.

وعلى أساس هذين المحورين صدرت "وثيقة اسطنبول" التي تعّرف الشرق الأوسط الكبير بأنه يمتد من المغرب غرباً إلى أفغانستان شرقاً, وهو محور العديد من الأخطار والتهديدات التي يواجهها الغرب اليوم.

ولأنه يوفر حصة لا غنى عنها من احتياجات الطاقة في العالم, أصبح أخطر المناطق التي يمكن أن تهيئ المناخ لتوالد تركيبة خطيرة, تجمع بين الأيديولوجيات الشمولية, وفشل مؤسسة الدولة, وغائلة الإرهاب, وإمكانية الحصول على أسلحة دمار شامل.

وتقر الوثيقة بأن منطقة الشرق الأوسط تعيش حالة من الركود, وقد أوصلتها حكوماتها إلى حالة من التخلف بسبب أساليب الحكم الفاشلة والقمعية بل والفاسدة في بعض الأحيان.

وهذا الغضب الذي يعيش فيه سكان المنطقة غالبا ما يتجه صوب الغرب, ويرجع ذلك في جانب منه إلى أنه من صنعه, "فقد مضى حين من الدهر, ظلت فيه الولايات المتحدة وأوروبا تقف وراء الأنظمة الأوتوقراطية في المنطقة, وبالتالي أصبح الشرق الأوسط الكبير هو الساحة التي تتجلى فيها الهوة الواسعة للغاية, بين المبادئ الديمقراطية التي يتبناها الغرب, وبين السياسات التي ظللنا نتبعها على صعيدها".

"
قضية الديمقراطية والتنمية البشرية في منطقة الشرق الأوسط الكبير سوف تلقى تعزيزاً هائلاً في حالة التوصل إلى حل نهائي للقضية الإسرائيلية الفلسطينية وللصراع الإسرائيلي العربي الأوسع نطاقاً, استناداً إلى قراري مجلس الأمن 242 و338, وإلى رؤية دولتين
"
تحول جذري
وتؤكد وثيقة إسطنبول أن الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط الكبير باتت تطالب بإلحاح بتحول جذري في السياسات التي يتبعها الغرب, لأن تفشي الظلم واللامبالاة وضياع الكرامة السياسية وخنق إمكانات التعبير, تساعد على إذكاء الحقد والتعصب والعنف, وتلك هي منابع حالة اللاأمن، ولا يمكن التخفيف منها ثم إنهاؤها إلا من خلال تحولات سياسية جذرية, تخضع لها النظم السياسية القائمة في المنطقة.

وتنطلق الإستراتيجية الأطلسية التي ترمي إلى دعم الديمقراطية وتعزيز التنمية البشرية في الشرق الأوسط, من عدة مبادئ منها:
- الأصالة الإقليمية: أي أن التحول الديمقراطي والتنمية البشرية, لابد أن ينبعا من جذور المنطقة, ولا ينبغي السعي لفرض أي صيغة من الخارج.

- إشراك الحكام والمحكومين: عند تحديد أصحاب المصلحة الأساسيين والشركاء في الإصلاح, وبالتالي لابد من التواصل مباشرة مع المجتمع المدني في المنطقة.

- الإسلام والديمقراطية: إن شعوب المنطقة ليست عاجزة عن انتهاج سبيل الحكم الديمقراطي, واستطلاعات الرأي العام تؤكد أن شعوب الشرق الأوسط الكبير تقدر الديمقراطية حق قدرها.

سياسات ملائمة للأوضاع: فكل بلد من حقه أن يرسم خطته الوطنية الخاصة به في مجال الإصلاح والتغيير الديمقراطي, النابع من تفاوض مفتوح بين أركان الحكم والمعارضة السياسية والمجتمع المدني.

المصداقية: على الحكومات الغربية أن تحاول التغلب على سجلها الراهن في المصداقية, وتنبذ معايير النفاق المزدوجة التي اتبعتها في الماضي, والخروج من دائرة الكلام عن الفكر والمبادئ بينما الذي يجري على أرض الواقع يخالف ذلك تماما.

ثلاث طرق للدعم
وترى الوثيقة أن الإستراتيجية التي تهدف إلى دعم الديمقراطية والتنمية الإنسانية في الشرق الأوسط الكبير, ينبغي أن ترتكز على ثلاث طرق.

الأولى: دعم الديمقراطية والتنمية البشرية من الداخل, من خلال الربط بين المساعدات الاقتصادية وبين الإصلاح السياسي الحقيقي, والربط بين الإصلاح السياسي الحقيقي ومجالات تعاون أخرى, مثل تحرير التجارة وتخفيف أعباء الديون, وأيضاً إعادة النظر في العلاقات مع الأجهزة الأمنية القمعية, التي ينظر إليها باعتبارها ركائز لنظام تعسفي ظالم واستبدادي.

ولابد من أن تخضع هذه الأجهزة للمبادئ الدستورية, وعلى الغرب كذلك أن يدافع عن الناشطين الديمقراطيين المودعين في السجون, وأن يعبر عن مساندته لهم, ولابد أيضاً من توسيع الصلات بين شعوب الشرق الأوسط الكبير, وبين شعوب الغرب بصورة مطردة.

الثانية: إيجاد بيئة خارجية لتيسير التغيير الديمقراطي, وإذا كان قادة الغرب وزعماء العرب ينطلقون في الماضي من ثنائية زائفة, بين تحقيق الأمن الخارجي وإقرار الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير, ولصالح الحفاظ على الاستقرار والأمن كان يقال إن الأمور تستدعي تنحية الرغبة في تحقيق الديمقراطية جانبا.

وهذا ليس صحيحاً لأن التطور الديمقراطي ودعم الأمن الخارجي أمران يكمل أحدهما الآخر, وبالتالي لابد من المساعدة على تغيير النظام الداخلي, وخلق بيئة مواتية لتغير ديمقراطي يتم على صعيدها.

الثالثة: إعادة تشكيل العلاقات الأطلسية المشتركة بما يزودها بأدوات دعم الشراكة من أجل الديمقراطية والتنمية البشرية, والاستعداد لمجابهة هذا التحدي طويل الأجل, من خلال التركيز على ثلاثة مجالات رئيسية.

تلك المجالات هي ترقية مستوى ما يعرفه الغرب عن المنطقة, "فنحن بحاجة إلى جيل جديد من العلماء والدبلوماسيين والمسؤولين وبناة الديمقراطية ممن يعرفون ديانات المنطقة ولغاتها وتاريخها وثقافاتها, وممن تتوفر لديهم الخبرات لكي يسدوا المشورة إلى زعماء الغرب بشأن أفضل السياسات الواجب اتباعها للتعامل مع المنطقة) وأيضاً من خلال إعادة تنظيم هياكل الغرب ومؤسساته العاملة في مجالات الأمن القومي والسياسة الخارجية, وأخيراً إصلاح الشراكة عبر المحيط الأطلسي أي بين أوروبا وأميركا لتحقيق الأهداف المشتركة.

"
لابد من استكمال مسيرة إرساء تركيا على شواطئ الغرب ضمن أطر ديمقراطية "وعلمانية" فهي تقف في منطقة وسط بين أوروبا المستقرة والآمنة, وبين الشرق الأوسط الكبير غير المستقر وغير الآمن
"
القضية الفلسطينية

وثيقة إسطنبول اعتبرت أن قضية الديمقراطية والتنمية البشرية في منطقة الشرق الأوسط الكبير, سوف تلقى تعزيزاً هائلاً في حالة التوصل إلى حل نهائي للقضية الإسرائيلية الفلسطينية, وللصراع الإسرائيلي العربي الأوسع نطاقاً, استناداً إلى قراري مجلس الأمن 242 و338, وإلى رؤية دولتين هما إسرائيل وفلسطين, تتعايشان جنبا إلى جنب في ظل السلام والأمن.

ولن يكون بوسع الغرب أن يدافع بصدق عن الديمقراطية في المنطقة إذا لم يكن مستعدا لتأييد حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم السياسي, وفي حل هذا الصراع من جميع جوانبه.

أفغانستان والعراق
إن الفشل في أفغانستان والعراق سوف يؤدي إلى نكسة كبرى, ليست فقط للشعبين, بل أيضاً لقضية الإصلاح الديمقراطي والتنمية الإنسانية.

وبرغم المشكلات والعقبات الحقيقية التي تواجه الغرب في هذين البلدين, فسوف يكون من الأخطاء التاريخية عدم تحقيق شكل من أشكال الحكم الديمقراطي فيهما.

إن الخاسرين الأساسيين من ذلك لن يكونوا فقط الشعب الأفغاني والعراقي, بل أيضاً الديمقراطيات الغربية، وخاصة الولايات المتحدة التي لن تتمتع بعد ذلك بأي مصداقية عندما تدعو إلى إصلاح ديمقراطي في أنحاء المنطقة.

إيران وتركيا
وتؤكد الوثيقة أن إيران تمثل أولوية رئيسية في إستراتيجية أطلسية تدعو إلى نشر الديمقراطية والتنمية البشرية في المنطقة, وليس هناك بلد آخر في الشرق الأوسط الكبير يتمتع بإمكانيات لاختراق ديمقراطي أكثر من إيران.

لكن "دعم النظام الإيراني الحالي للإرهاب, الذي تمارسه حماس وحزب الله, الذي يتوجه في معظمه ضد إسرائيل, يحول دون أي تقارب له قيمته مع الغرب".

ويبقى من واجب الحكومات الغربية أن تتابع جهود الحد من التسلح مع حكومة منتخبة في إيران, وأن تدعم الحركة الديمقراطية في الوقت نفسه, ولابد من دفع إيران إلى الامتثال لنظام تفتيش على برنامجها النووي أكثر فاعلية.

"
غالبية الجماعات الإرهابية التي باتت اليوم تهدد مجتمعاتنا تنال دعمها كذلك, بل وتجند الأفراد من داخل وحول النظم المستبدة الصديقة للغرب" وتنتقد المعيار المزدوج الذي طالما اتسمت به سياسات أميركا وأوروبا
"
ولابد من استكمال مسيرة إرساء تركيا على شواطئ الغرب, ضمن أطر ديمقراطية "وعلمانية" فهي تقف في منطقة وسط بين أوروبا المستقرة والآمنة, وبين الشرق الأوسط الكبير غير المستقر وغير الآمن.

ومن شأن دولة ديمقراطية وعلمانية مسلمة في غالبيتها داخل الاتحاد الأوروبي, فضلاً عن عضويتها الأوسع إطاراً في حلف الناتو وغيره من المؤسسات الأوروبية, أن تشكل خطوة جوهرية نحو إعادة تهيئة مؤسسات أوروبا والأطلسي, لكي تواجه تحديات تعزيز الديمقراطية والتنمية البشرية في الشرق الأوسط الكبير.

وتستطيع عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي أن تعمق لديها الديمقراطية وأن تزيدها رسوخاً.. "إن الغرب يحتاج الآن أكثر من أي وقت مضى إلى تركيا ناجحة وعلمانية وديمقراطية, تقف إلى جانبه كشريك كامل, من أجل نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير".

مصر والسعودية
وتشير وثيقة إسطنبول إلى أن "غالبية الجماعات الإرهابية التي باتت اليوم تهدد مجتمعاتنا, تنال دعمها كذلك, بل وتجند الأفراد من داخل وحول النظم المستبدة الصديقة للغرب" وتنتقد المعيار المزدوج الذي طالما اتسمت به سياسات أميركا وأوروبا على مدى عقود من الزمن, خصوصاً مع مصر والسعودية.

"إن فشلنا في تغيير الأسلوب الذي نتعامل به مع حلفاء أقدمين مثل مصر والسعودية, لن يؤدي إلا إلى تدهور مصداقية الغرب في المنطقة".

سيناريوهات ثلاثة
وقبل أن ينهي المؤلف كتابه يحدثنا عن ثلاثة سيناريوهات (فانتازيا) لحل القضية الفلسطينية أعدها باحثان أميركيان.

الأول:
يتحدث عن أزمة المياه في المنطقة وضرورة توحيد الجهود "العربية والفلسطينية والإسرائيلية بالطبع" لمواجهة هذا العطش المائي الذي تتعرض له المنطقة, وربما يؤدي هذا إلى حل المشكلات بين الجانبين.

ويقود سيناريو فيه مواجهة أزمة المياه إلى سيناريو السلام الذي تتشابك فيه المصالح ويحتاج كل طرف للآخر, أما السيناريو الثالث فيتحدث عن ضرورة إنهاء العنف الانتقامي.

وهذه الفانتازيا أقرب إلى السيناريوهات المسرحية الكوميدية, لكنها نموذج مما يفكر فيه الغرب تجاه قضايانا المصيرية..

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة