معركة الحجاب الإسلامي في فرنسا   
الثلاثاء 1426/8/16 هـ - الموافق 20/9/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:32 (مكة المكرمة)، 10:32 (غرينتش)

- الكتاب: معركة الحجاب الإسلامي في فرنسا.. أصولها وفصولها
- المؤلف: سعدي بزيان
- عدد الصفحات: 204
-
الناشر: دار هومة للطباعة والنشر، الجزائر
-الطبعة: الأولى/ 2005

عرض/ سكينة بوشلوح

مشاكل المسلمين في فرنسا عديدة ومتنوعة تنوع عدد الجاليات الإسلامية فيها، وهذا هو قدر المسلمين في بلد علماني ومسيحي له إرث ثقيل مع الإسلام. وقضية الحجاب الإسلامي واحدة من هذه المشاكل، وقد تطرق إلى أصولها وفصولها الكاتب الصحفي سعدي بزيان في كتابه "معركة الحجاب الإسلامي في فرنسا.. أصولها وفصولها" الذي يقدم صورا لمعاناة المسلمين في المهجر.

بداية يقدم المؤلف للموضوع بالتأكيد على أن معركة الحجاب في فرنسا هي بمثابة الغابة التي تخفي وراءها كما هائلا من مشاكل المسلمين الفرنسيين التي تتزايد بتزايد عددهم ونمو وعيهم السياسي والثقافي، والتي يتحاشى المسؤولون الفرنسيون الحديث عنها وعن حلولها الممكنة.

ومن أمثلة هذه المشاكل قضايا البطالة والعنصرية والتهميش والفشل الدراسي، بالإضافة إلى تمثيل المسلمين في الأجهزة العليا للسلطة والتي أصبحت شبه محرمة على الجيلين الثاني والثالث من أبناء المسلمين، في حين جعلت قضية الحجاب وكأنها المشكل الأول الذي يعاني منه الشعب الفرنسي، علما بأن استطلاعات الرأي العام الفرنسي –حسب ما أورده المؤلف- تصنف قضية الحجاب في المرتبة الحادية عشرة من انشغالاته الأساسية.

جذور المعركة وفكرة العلمانية
"
علمانية فرنسا مخاصمة للدين قامت أساسا ضد طغيان الكنيسة الكاثوليكية وسلطانها، وهي بالتالي لا تعبر عن الحقيقة المطلقة للعلمانية، إذ ثمة علمانية متصالحة مع الدين كما في بريطانيا
"
في أكتوبر/ تشرين الأول 2005 يكون قد مضى 16 عاما على بدء معركة الحجاب في فرنسا، إذ في العام الدراسي 89/1990 ولأول مرة منعت فتيات مسلمات مغاربيات يرتدين الحجاب من دخول مدرستهن الثانوية بدعوى خرقهن قانون العلمانية الذي لا يسمح بإدخال الرموز الدينية إلى المدرسة العمومية، وأرغمن على ترك الدراسة رغم أنهن مواطنات فرنسيات ولدن في فرنسا ويعشن فيها. ويومها كوفئ بطل هذه المعركة مدير الثانوية أرنست شانفير ببعض المناصب تقديرا له على هذا الموقف، ولقب في الصحافة الفرنسية باسم "بابا العلمانية".

ورغم مرور هذه المدة بأكملها على أول إثارة للقضية، يبقى مسلسل الحجاب مستمرا ولا يبدو أنه سينتهي قريبا. إذ لا يزال يصنع الحدث السياسي والإعلامي في فرنسا، وهو ما حاول المؤلف وبأسلوب العرض الصحفي تأكيده من خلال استقرائه لعدة تصريحات وبيانات أهمها تصريح الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي ألقاه أثناء زيارته لتونس في ديسمبر/ كانون الأول 2003 حين قال إن "الحجاب اعتداء على المرأة يصعب على الفرنسيين تقبله".

إن من يتتبع واقع المسلمين في الغرب يلحظ لا محالة أن فرنسا رغم أنها أقدم إمبراطورية غربية اتصلت بالإسلام منذ حملة نابليون عام 1789 على مصر، مرورا باحتلالها الجزائر طيلة 132 عاما (1830-1962) ورفضها خلال فترة الاحتلال تطبيق العلمانية التي تتغنى بها في بلادها، ومصادرتها أوقاف المسلمين وتحويلها بعضا من مساجد الجزائر إلى كنائس، وتنكرها لحقوق المسلمين الجزائريين ومنعهم من الإشراف على شؤونهم الدينية.. يلحظ أن فرنسا غدت أكثر الدول حديثا عن العلمانية وتقديرها واعتبارها رمزا من رموز الجمهورية الفرنسية التي لا تقبل النقاش، وهو تصلب لا يرى له المؤلف مثيلا في بقية الدول الأوروبية.

ومن ثم يقرر بوزيان أن علمانية فرنسا علمانية مخاصمة للدين قامت أساسا ضد طغيان الكنيسة الكاثوليكية وسلطانها، وهي بالتالي لا تعبر عن الحقيقة المطلقة للعلمانية، إذ ثمة علمانية متصالحة مع الدين كما في بريطانيا. كما أن فرنسا بموقفها هذا وضعت نفسها في حالة تناقض مع الكثير من العهود والمواثيق الدولية التي شاركت في صياغتها، وتنص على حرية الاعتقاد والفكر وحرية إظهار الدين عن طريق العبادة والتعليم والممارسة.

ومن هنا يتساءل المؤلف: كيف يمكن للفتاة المسلمة المحجبة أن تمسّ بالصيغة العلمانية المحايدة للمؤسسات العمومية؟ وهل العلمانية تقتضي من الأفراد في المجتمع أن ينسلخوا عن دينهم ومعتقداتهم؟ وهل من المعقول أن تتنكر العلمانية للمبدأ الذي تنادي به وهو تمكين الجميع من اعتقاد وممارسة ما يؤمنون به من عقائد وأديان؟

المسلمون في مواجهة الإعلام
"
الإعلام الفرنسي لا يخلو من نفوذ صهيوني يعمل على نشر مقالات وتحقيقات تقطر حقدا على الإسلام والمسلمين، في مقابل غياب شبه تام لإعلام إسلامي في فرنسا يدافع عن الإسلام والمسلمين
"
وجد الإعلام الفرنسي بمختلف قنواته واتجاهاته في الإسلام والمسلمين مادة خصبة يتغذى منها صباح مساء، وجعل منها رصيدا لا ينفد ومعينا لا ينضب، فلا نكاد نفتح صحيفة أو مجلة فرنسية إلا ونجدها قد أفردت مكانا بارزا للحديث عن الإسلام والمسلمين في فرنسا بصفة خاصة وفي الغرب بصفة عامة، الأمر الذي لا يستغربه المؤلف باعتبار أن الإعلام الفرنسي لا يخلو من نفوذ صهيوني يعمل على نشر مقالات وتحقيقات تقطر حقدا على الإسلام والمسلمين، في مقابل غياب شبه تام لإعلام إسلامي في فرنسا يدافع عن الإسلام والمسلمين.

الأصوليون.. المعادون للغرب.. الطابور الخامس.. الإسلاموفوبيا.. كلمات أصبحت تتردد كثيرا في الإعلام الفرنسي، وأصبح التهجم على الإسلام سمة لا يعاقب ولا يحاكم من جهر بها، بل الأمر داخل في إطار حرية التعبير وحرية الإعلام. أما الإشارة إلى اليهود ولو بكلمة واحدة فتدخل صاحبها في خانة العنصرية والمناهضة للسامية وتغرقه في متابعات قضائية، كما تقضي على مستقبله السياسي إن كان رجل سياسة.

هذه هي السياسة التي يعيشها الإنسان المسلم اليوم في فرنسا، وهو في موقف ضعف لا حول له ولا قوة وسط مجتمع تحكمه قوانين لا قبل للضعفاء بمواجهتها.

تحديات كثيرة تواجه المسلمين في فرنسا وخاصة المتدينين والنساء المحجبات اللائي يشعرن منذ الحملة الإعلامية على الحجاب بالظلم والقهر والخوف على مستقبلهن ومستقبل الإسلام في بلد عريق مثل فرنسا، وانعكاسات ذلك على الحضور الإسلامي في أوروبا عموما.

وبدون شك فإن حساسية موضوع الحجاب ستجعل مواقف المسلمين من القرار الفرنسي متباينة في رد الفعل المناسب من حيث الشكل والمضمون، وهو ما أكده المؤلف من خلال استقرائه لبعض الآراء المتفاوتة من مثل:

- رأي شيخ الأزهر والدكتور سعيد العشماوي والصحفي كرم جبر من مصر، ومفاده أن الدولة الفرنسية حرة في مواقفها وليس لأحد الحق في التدخل في شؤون الدولة الخاصة، والمرأة المسلمة في هذا البلد هي في حكم المضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليها.

- رأي الدكتور يوسف القرضاوي من قطر والدكتور أحمد جاب الله من تونس والدكتور طارق رمضان من مصر، ومفاده أن القرار الفرنسي يتعارض مع الحرية الفردية وحرية العبادة، وسن مثل هذا القرار لا يخدم سوى اليمين الفرنسي المتطرف.

حديث عن الجهود
"
قرار منع الحجاب في المدارس الفرنسية وُجد بغرض التهميش وإبعاد المسلمين عن الاندماج في المجتمع الفرنسي الذي يقر أبناؤه بأنه مجتمع متعدد الثقافات والأديان, وإن كان من الناحية العملية يرفض ذلك
"
في حديثه عما يجب أن يُبذل من جهود من قبل الحكومات الإسلامية، يتعجب المؤلف كثيرا لتصريح شيخ الأزهر الذي يطلب فيه من مسلمي فرنسا إنشاء مدارس خاصة لهم إذا أرادوا ممارسة حقهم الديني بحرية، في حين كان يأمل من الشيخ أن يطلب من إدارة الأزهر إنشاء مدارس خاصة للمسلمين في فرنسا باعتباره المرجعية الدينية للمسلمين في العالم، أو يطلب من الحكومات العربية والإسلامية أن تنهض بهذه المسؤولية لا أن يطلب من مسلمي فرنسا وهم على ما هم عليه من فقر وسوء حال.

ففي فرنسا مدارس خاصة تابعة للكنيسة، ولليهود إمكانيات مادية ونفوذ سياسي واقتصادي سهل عليهم تحقيق ذلك منذ ما يزيد على قرنين. أما في المقابل فلا توجد مدارس خاصة مماثلة -في العدد- لأبناء المسلمين، وهذا راجع لكون الجالية الإسلامية في فرنسا تتكون في جلها من عائلات عمال وموظفين لهم دخل محدود لا يفي حتى بالأشياء الضرورية في حياتهم اليومية.

ومن هنا يرى المؤلف أن المسؤولية تقع على عاتق الدول الإسلامية التي كان لزاما عليها ألا تترك أبناءها عرضة للتغريب والتجريد من هويتهم العربية الإسلامية، في موقف يدفع القارئ إلى طرح عدة تساؤلات منها: هل الحكومات الإسلامية -خاصة المغاربية منها باعتبار أن معظم الجالية المسلمة في فرنسا تنحدر منها- قد حالت فعلا دون الانسلاخ الثقافي والديني لأبناء شعوبها على أرضها؟ وهل هذ الدول في مركز يسمح لها بفرض رأيها؟ ثم كيف السبيل إلى دعم المسلمين الفرنسيين أصلا لا أبناء الجالية المسلمة فقط؟

وفي سياق الحديث عن الجهود يعرج المؤلف إلى الحديث عن بعض التجارب التي يراها رائدة في هذا المجال وهي في نظره أبواب لجهود أكثر وأكبر يجب التفكير في كيفية استغلالها واستثمارها، وذلك من مثل تجربة "المدرسة العراقية" ومدرسة "ابن خلدون" الليبية و"المدرسة الدولية الجزائرية" التي تستوعب في مجملها نحو 800 تلميذ وتلميذة من مجموع أبناء المغرب العربي وشرقه، ولا تواجه فيها الفتيات المسلمات المحجبات أدنى مشكلة فلهن الحرية المطلقة في ارتداء الحجاب أو عدمه.

هذا بالإضافة إلى مدرستين خاصتين تأسستا بفضل أموال المهاجرين أشهرهما "مدرسة ابن رشد" التي تأسست في مدينة ليل شمال فرنسا، وهي موضوع تجربة جديدة لمدة خمس سنوات قادمة يمكن خلالها التمهيد لظهور مدارس ومعاهد ثانوية إسلامية جديدة تخفف الوطء على الفتيات المسلمات اللائي يزاولن تعليمهن بحرية دون قيود منع الحجاب عليهن كما هو الحال بالنسبة للمدارس الفرنسية.

ويختم سعدي بوزيان كتابه ببيان أن قرار منع الحجاب في المدارس الفرنسية وجد بغرض التهميش وإبعاد المسلمين عن الاندماج في المجتمع الفرنسي الذي يقر أبناؤه بأنه مجتمع متعدد الثقافات والأديان، وإن كان من الناحية العملية يرفض ذلك. كما أن فتح باب النقاش في قضية الحجاب -وفي هذا الوقت بالذات- الهدف منه إلهاء الناس عن المشاكل الحقيقية للجالية الإسلامية في فرنسا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة