الدين والفن.. مقاربة مفاهيمية   
الأربعاء 1427/6/1 هـ - الموافق 28/6/2006 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)
عرض/ سكينة بوشلوح
انسجام رسالة الفن مع رسالة الدين في دعوته إلى الجمال والاستعلاء على الدناءات والرذائل، وإلى الاعتدال في كل شيء والاستقامة في القول والسلوك، هي الفكرة الأساسية التي تضمنتها صفحات كتاب "الدين والفن.. مقاربة مفاهيمية" لمؤلفه الدكتور الباحث لخضر العرابي.


- الكتاب: الدين والفن.. مقاربة مفاهيمية
- المؤلف: د. لخضر العرابي
- عدد الصفحات: 194
- الناشر:  دار الغرب للنشر والتوزيع، الجزائر
- الطبعة: الأولى 2006

سعى المؤلف في كتابه إلى الكشف عن طبيعة تلازم الدين والفن، انطلاقا من قناعة شخصية له مفادها أن عملية التأثر والتأثير تكون تبعا لقوة الاعتقاد وضعفه في النفس البشرية، وذلك وفقا للظروف الحضارية التي تعيشها الإنسانية.

من أجل ذلك ارتأى تقسيم الكتاب إلى ثلاثة فصول متمايزة، تناول الأول والثاني منها تقديم مفاهيم وشروحات حول المصطلحات الواردة في عنوان الكتاب من حيث المفهوم والماهية والغاية، في حين تناول الفصل الثالث الأصول البعيدة لعلاقة الفن بالدين ونفي التعارض والتصادم بينهما باعتبارهما وسيلتين تخاطبان العقل والقلب معا.

الفن بين الماهية والغاية
في تناوله لماهية الفن وفي استقرائه لأهم التعريفات المتناولة له، يؤكد العرابي أن البحث في ماهية الفن قد امتزج بالبحث عن غائيته، ذلك أن الفن ليس شيئا منفعلا فقط وإنما هو فاعل أيضا، إذ بالقدر الذي يعكس فيه صورة المجتمع فهو يحاول أن يغير منه كذلك، ومن ثم فإن الاختلاف في التعريفات المقدمة لتحديد طبيعة الفن يرجع إلى اختلاف البيئات والعصور الخاملة لهذا الفن من جهة، والمزامنة لصاحب التعريف من جهة أخرى.

فالعقل الإغريقي مثلا يرى في الفن محاكاة لعالم المثل وبحثا دائما عن أنموذج خالد لصناعة ما هو أجمل، في حين يعرفه العقل المعاصر بكونه تغييرا نحو الأحسن.

"
مسألة الإبداع الفني تصبح إشكالية فكرية تخضع لتحولات الفرد الفكرية وتقلباته النفسية التي تشتبك في علاقات وقتية وبيئية ما يجعلها قابلة للتغير يوما عن يوم، وهنا تصبح غاية الفن صفة لصيقة به ولا يكون صادقا إلا بها، ولا يعرف إلا من خلالها
"
وتبعا لذلك لا يجد المؤلف حرجا في القول بأن الفن ليس نشاطا فلسفيا بحتا ولا عمليا خالصا، إنما هو بالدرجة الأولى إبداعي والفنان دائما بحاجة إلى ابتداع الأشياء، وبذلك فإنه -أي المؤلف- ينتهي إلى مقولة القائلين بأن الفن نوعان: فن يكمل الطبيعة وفن يخلق جديدا، وهو ليس صورة طبق الأصل عن الطبيعة أو نسخا للواقع، بل هو إبداع في إطار علاقة جدلية بين الداخل والخارج، له حقيقة متميزة دائما عن الحقيقة الموضوعية التي تقدمها ميادين المعرفة العديدة، وقوته لا تكمن في ما يقوله وحسب، بل فيما لا يقوله أيضا، أي فيما يرمز إليه ويوحي به.

ومن ثم تصبح مسألة الإبداع الفني إشكالية فكرية تخضع لتحولات الفرد الفكرية وتقلباته النفسية التي تشتبك في علاقات وقتية وبيئية، ما يجعلها قابلة للتغير يوما عن يوم، فتتنوع الرؤى تبعا لهذا التعدد والتغير وتبعا لتلك العلاقة العضوية الموجودة بين الموروث بمرجعياته المختلفة وبين العصر بمعطياته المتناقضة، وهنا تصبح غاية الفن صفة لصيقة به، ولا يكون صادقا إلا بها، ولا يعرف إلا من خلالها.

الدين بين الماهية والقصدية
كثيرة هي التعريفات الخاصة بمصطلح الدين، تناولها المؤلف في الفصل الثاني من الكتاب توخى من خلالها الوقوف على مفهومه من حيث طبيعته ومصدره وغايته، وذلك من خلال تناول معناه عند مفكري الغرب عموما ومفكري المسلمين خصوصا.

بداية يؤكد الدكتور لخضر العرابي أن مصطلح الدين في التصور الغربي له مدلولات عديدة ومعان مختلفة، أهمها على الإطلاق اعتباره "مجموعة الاعتقادات الظنية أو الإدراكات الفلسفية أو الأفعال الحاصلة للنفس من جراء عبادتها لله وحبها إياه"، أو أنه "الإيمان بالقيم المطلقة والعمل بها".

والدين في فلسفة عصر التنوير ينقسم إلى "دين طبيعي" و"دين وضعي": الأول دال على الاعتقاد بوجود الله وخيريته ناشئ عن وحي الضمير ونور العقل، والثاني دال على الوحي الإلهي الذي يقبله الإنسان من الأنبياء والرسل.

أما عند علماء الاجتماع الغربيين فإن الدين وليد أسباب اجتماعية معينة مصدره الضمير الجمعي، وهو حقيقة تنبع من الحاجة والتبعية المطلقة، الأمر الذي يراه المؤلف زعما يهدم الديانات السماوية ويتنكر لعقيدة الوحي ولا يتماشى مع الفطرة الإنسانية التي فطر الناس عليها، "لأننا لو استنطقنا العقل السليم لاستنكر أن يكون الدين من صنع المجتمع، ولاستبعد أن ينحصر المجتمع في عبادة نفسه".

في عروجه على مفهوم الدين عند مفكري العرب القدامى يرى الدكتور العرابي أن الدين لفظ أطلق على الوضع الإلهي السائق لذوي العقول إلى الخير، وقد فرقوا بينه وبين الملة والمذهب وجعلوا الشريعة من حيث إنها مطاعة تسمى دينا، ومن حيث إنها جامعة تسمى ملة، ومن حيث إنها يُرجَع إليها تسمى مذهبا.

وفرقوا كذلك بين الدين والملة والمذهب من حيث إن الدين منسوب إلى الله تعالى والملة منسوبة إلى الرسول والمذهب منسوب إلى المجتهد، وكثيرا ما استعملوا هذه الألفاظ بعضها مكان بعض، وهم في ذلك لم يتجاوزوا الوقوف عند حدود العموميات التي لا تؤدي إلى وجود الخصوصيات ولا إلى إثارة القضايا الجوهرية لمفهوم الدين بالمعنى الاصطلاحي، خلافا للمحدثين والمعاصرين الذين تناولوا الدين من حيث إنه لا يقتصر على العبادات فقط وإنما يرتبط بالحياة اليومية في أخص خصائصها، وبالسلوك والمعاملات البشرية في مختلف نواحيها.

"
الدين عبارة عن معتقدات وممارسات تنظم سلوك الإنسان تجاه عالم المقدسات وتزوده برؤية شمولية للكون وموضع الإنسان في هذا العالم، فهو إذاً إحساس بانقسام الوجود عالم الظواهر المحسوسة وعالم الغيب
"

ومن هنا يركن العرابي إلى تحليل تعريفين هامين للدين: الأول لصاحبه الشيخ المرحوم محمد الغزالي، والثاني لصاحبه الأستاذ المرحوم سيد قطب.

التعريف الأول يلخصه المؤلف في "أن الدين الحقيقي هو الفطرة السليمة، والفطرة هي القلب السليم والفكر السليم، وأن كل التعاليم التي جاءت بها الأديان الشائعة على اختلاف الأزمنة والأمكنة تستهدف حماية الفطرة البشرية من الانحراف والانزلاق" ولذلك لا بد من القيام بالتكاليف التي شرعها الله لضمان سلامة الفطرة، وبالتالي سلامة الإنسانية المنشودة.

ويلخص التعريف الثاني في أن الدين هو "الإسلام الذي لا يقبل الله دينا سواه من أحد مصداقا لقوله تعالى {إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ}، وهو الاستسلام والطاعة والاتباع وليس مجرد تصور في العقل أو تصديق في القلب، وإنما هو القيام بحق هذا التصديق وذلك التصور.. هو تحكيم منهج الله في أمر العباد كله وطاعتهم لما يحكم به، فلا دين يقبله الله إلا الإسلام".

وكنتيجة لآخر تحليل له لهذين التعريفين ولغيرهما يخلص المؤلف إلى أن الدين عبارة عن معتقدات وممارسات تنظم سلوك الإنسان تجاه عالم المقدسات وتزوده برؤية شمولية للكون وموضع الإنسان في هذا العالم، فهو إذاً إحساس بانقسام الوجود إلى مستويين أو عالمين: عالم الظواهر المحسوسة، وعالم الغيب الذي صدرت عنه الظواهر المحسوسة بما فيها الإنسان وأشكال الحياة الأخرى، فيعرف الإنسان لوجوده غاية، ويعرف لمسيرته وجهة، ولحياته رسالة، وتسلم نفسه من التمزق والصراع بين مختلف الغايات وشتى الاتجاهات.

علاقة الفن بالدين
قد يتوهم بعض الناس أن علاقة الدين بالفن علاقة نفور وخصام، لكنها -حسبما حاول المؤلف إثباته في هذا الفصل من الكتاب- علاقة حميمية تكاملية إذ "الدين يبحث عن الحق وينهى عن الرذيلة ويحض على الفضيلة، والفن يبحث عن الجمال ويفتح أعيننا وبصائرنا على منابع الرذيلة والفضيلة معا، والعلم بهذه الينابيع من شأنه أن يقوّم سلوكنا من تلقاء نفسه بلا وعظ صريح، وهذا هو الجانب الأخلاقي من الفن".

ولأن رموز العمل الفني تعكس سمات العصر الذي ينتمي إليه، يشير الدكتور العرابي إلى أن الفنون الأوروبية المختلفة تستمد مصادرها من الفلسفة اليونانية والحضارة الرومانية المعروف عنهما حرصهما على توطيد العبودية والإعلاء من شأن الطبقة الأرستقراطية والنخبة التي تقوم مقام السيادة في المجتمع، وهو الشيء الذي كان له أبعد الأثر في الفن الغربي الحديث، وهو أيضا ما يحاول دعاة "الفن للفن" نفيه بدعوى الاختلاف بين الحس الفني والمعتقد الذي يحجر على الفنان ويمنعه من تصور ما شاء من الأحاسيس والمشاعر.

وخير دليل على انسجام المعتقد مع الفن هو ما كان يفعله النحاتون الغربيون من تزيين مداخل الكاتدرائيات وجدران الكنائس برموز بارزة موضوعاتها مأخوذة من الكتاب المقدس ومن قصص الرسل والحواريين.

أما عن علاقة الفن بالدين عند المسلمين فتبدو واضحة من النصوص الدينية نفسها، إذ عندما عرض القرآن الكريم صورا عن الجنة والنار كان ذلك بأسلوب جمالي خلاب يتوكأ على أدب العرب وفهمهم. وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم صور جمالية رائعة الوصف والإبداع، هدفت جميعها إلى الهداية والالتزام.

"
يجب أن يكون الدين معيارا للحق والصواب والخير في الفن والأدب فيتيسر لهما طريق التثبت من انطباقهما على الفطرة التي فطر الناس عليها، فتكون بذلك وحدة الدين والفن كما سبق أن كانت وحدة الدين والعلم
"
إضافة إلى ذلك لا يجد المؤلف كبير عناء في التذكير بأن الإنسان المسلم صور عن طريق الدين الإسلامي أسمى رؤية حَلُمَ بالارتماء في أحضانها، وأروع رؤية هفت نفسه إلى المكوث فيها، فكانت الجنة ونعيمها.

وبتعابيره الفنية أضفى على الرسول صلى الله عليه وسلم صفات كثيرة منها البدر المنير، وحسن المحيا والوجه الجميل أو المليح، وسوى ذلك من البوح اللامح، والشوق الجامح إلى حضرة النبي.

وبذلك كان التأثير في لغة الخطاب وفي محتواه، وقد يتعدى الأمر إلى التأثير في الصوت كذلك إذا ما اعتبرنا أن التجويد تنغيم يفيد الزيادة في قوة التعبير.

في خاتمة الكتاب يخلص الدكتور العرابي إلى القول بأن الإبداع الفني مدين دينا كاملا للدافع العقيدي الذي أسهم في ولادته وتطوره، ولكي ندرك ذلك علينا أن ننظر إلى الفرد في حال تبدل عقيدته ونرصد ما يطرأ عليه من تغيرات فكرية وسلوكية، وسوف نجد انعطافا كبيرا في حياته.

ومن الأمثلة الحية على ذلك ما حدث للصحابة رضوان الله عليهم في انتقالهم من الوثنية إلى الإسلام، وما حدث في عصرنا الحاضر مع ليبولد فاسي الذي غيَّر اسمه إلى محمد أسد عندما انتقل من اليهودية إلى الإسلام، فتبدلت مفهوماته تبدلا جذريا تبعا لتغير عقيدته.

وأخيرا يدعو المؤلف إلى أن يكون الدين معيارا للحق والصواب والخير في الفن والأدب فيتيسر لهما طريق التثبت من انطباقهما على الفطرة التي فطر الناس عليها، فتكون بذلك وحدة الدين والفن كما سبق أن كانت وحدة الدين والعلم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة