مفهوم الأحزاب الديمقراطية وواقع الأحزاب في البلدان العربية   
الخميس 11/2/1433 هـ - الموافق 5/1/2012 م (آخر تحديث) الساعة 8:38 (مكة المكرمة)، 5:38 (غرينتش)
عرض/ أحمد التلاوي
 
تعد الأحزاب السياسية أحد أبرز منافذ العمل السياسي والعمل العام داخل البلد، وتُعرِّف الدراسات الأكاديمية الحزب السياسي بأنه مجموعة من الناس يجمعهم إقليم جغرافي واحد، اتفقوا على برنامج واحد يسعون إلى تحقيقه من خلال الوصول إلى السلطة، وقد يكون هذا البرنامج سياسيًّا أو اقتصاديًّا أو اجتماعيًّا، أو شاملاً، ويحمل رؤيتهم حول تقدم وتطور مجتمعهم.
 
وفي السنوات الماضية، رأى الكثيرون من متابعي الحالة السياسية العربية، أن إصلاح الأحزاب السياسية من أهم الخطوات المطلوبة ليس من أجل الإصلاح السياسي أو الإجابة عن سؤال التحول الديمقراطي المطلوب فحسب، وإنما أيضًا من أجل تحقيق جانب مهم من جوانب النهضة والتنمية، وهو تحسين أدوار المجتمع المدني في تحمل أعباء الهم العام، حيث إن المجتمع المدني والقطاع غير الرسمي الآن يعد قاطرة النهضة والحراك المجتمعي في الكثير من المجتمعات المتقدمة والآخذة في النمو في العالم.
 
- الكتاب: مفهوم الديمقراطية وواقع الأحزاب في البلدان العربية
               
- المؤلف: بوحنينة قوي وآخرون
- تحرير: علي خليفة الكواري، وعاطف السعداوي
- عدد الصفحات: 431
- النَّاشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة الأولى: 2011م  
وبين أيدينا كتاب يتناول قضية الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية وأهميتها، صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية، ضمن مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية، ويجمع بين دفتيْه أبحاث ومناقشات اللقاء السنوي العشرين للمشروع، الذي عُقد في حرم جامعة أوكسفورد البريطانية في الرابع والعشرين من يوليو/تموز 2010.
ويهتم الكتاب بالأساس بدراسة الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية العربية، مع الاهتمام بدراسة هياكلها التنظيمية، وأنماط التفاعلات فيها، ومستوى الديمقراطية داخلها أو فيما بينها.
 
كما يتناول فكرة الديمقراطية وأهمية توافرها داخل الأحزاب، وذلك انطلاقا من فكرة أن الأحزاب السياسية التي تتمتع بشكل من أشكال الممارسة الديمقراطية، وتتميز بها عن غيرها التي لا تتمتع بهذه الصفة، تعمق من شرعية النظام السياسي القائم، وتسهم في توسيع نطاق المشاركة السياسية، وتساعد في معالجة الصراعات الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع، بجانب أنها تساهم في مجال التنشئة السياسية.
 
ورغم أن فعاليات اللقاء الذي شارك فيه العشرات من الباحثين والنشطاء السياسيين العرب، قد عقدت قبل اندلاع ربيع الثورات العربية ببضعة أشهر، إلا أن المحتوى يكتسب أهمية كبرى في ظل التطورات الحالية في العالم العربي.
 
فالانتفاضات والثورات الشعبية التي تحركت في ربوع بلدان عالمنا العربية إنما تهدف بالأساس إلى إرساء قواعد الحرية والديمقراطية، ومن ثمّ فإن الحديث عن أحزاب ومنظمات مجتمع مدني تفتقد إلى الديمقراطية، إنما لا يستقيم مع الواقع القائم ومتطلباته، حيث إن الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب والمنظمات المدنية ضرورة عاجلة لا تستقيم النظم المنشودة في العالم العربي دونها.
 
والكتاب مكون من قسمين جاءا في تسعة فصول، تناولت قضيتيْن أساسيتيْن، الأولى هي مفهوم الأحزاب الديمقراطية أو تلك الأحزاب التي تستخدم الأساليب الديمقراطية في إدارة دولاب العمل الخاص بها، والثانية هي واقع الأحزاب العربية من هذه الزاوية، وضرورات تطوير الأداء السياسي والإداري بداخلها وفق القواعد الديمقراطية المتعارف عليها، استجابة للتطورات الحالية في العالم العربي.
 
وفي الفصل الأول التمهيدي من الكتاب، يقدم عاطف سعداوي -مدير تحرير فصلية "الديمقراطية" القاهرية، وأحد محررَي الكتاب- عددا من المعايير التي يجب أن تتوافر في أي حزب يمكن وصفه بالديمقراطية، ومن بينها أن ينتهج مبدأ المشاركة الفعالة في صنع القرار من خلال انطواء هيكله التنظيمي على توزيع معين للسلطات والاختصاصات الحزبية على مستوياته التنظيمية المختلفة، ولا يتم حصرها فقط في مستواه القيادي.
 
والهدف من ذلك أن تحظي عملية صنع القرار فيه بمشاركة حقيقية من كل المستويات التنظيمية للحزب, أو على الأقل تحظى بالرضا العام من كل مستويات الحزب التي لم تشارك في صنعها.
 
ومن ذلك ألا تحتكر سلطة مركزية عملية صنع القرار في الحزب، بل يتيح هيكل توزيع السلطة فيه لفروع ووحدات الحزب في الأقاليم سلطات واختصاصات حقيقية.
 
كما أن الحزب الديمقراطي هو الحزب الذي يتمتع بدرجة عالية من المؤسسية التنظيمية، وتخضع فيه عملية صنع القرار لضوابط وإجراءات رسمية وواضحة، وأن تشهد نخبته تجديدا دوريا وتداولا للسلطة في كل مواقعها من خلال انتخابات دورية تنافسية تعكس مشاركة قاعدية منتظمة في اختيار النخبة الحزبية.
 
"
يجب على الأحزاب الديمقراطية أن تراعي ثقافة الاختلاف، واحتضان مختلف الاتجاهات الفكرية، وفتح عضويته أمام جميع المواطنين من دون أي قيد أو مانع أو تمييز أيا كان نوعه أو مصدره
"
المواطنة

كما يجب على الأحزاب الديمقراطية أن تراعي ثقافة الاختلاف، واحتضان مختلف الاتجاهات الفكرية، وفتح عضويته أمام جميع المواطنين دون أي قيد أو مانع أو تمييز أيا كان نوعه أو مصدره.
 
ويضع الكتاب هنا أهمية خاصة لقضية "المواطنة" ضمن معايير التطور الديمقراطي داخل المؤسسات الحزبية، فموقف الحزب منها ومدى حرصه عليها, ومنه موقف الحزب من قضية الأقليات من أهم ما يميزه كحزب ديمقراطي.
 
كما أن الحزب الديمقراطي هو ذلك الحزب الذي يقبل غيره من الأحزاب الموجودة في الساحة السياسية نفسها، دون إقصاء أو محاولة للاحتواء بالترهيب أو التغييب أو الإنكار، واعترافه بحق الأحزاب الأخرى في الوجود، والتعبير عن نفسها واعترافه بحق بقية الأحزاب في التنافس معه للوصول إلى السلطة وتداولها سلميا دون أن ينظر إلى نفسه نظرة اصطفائية.
 
الممارسة الديمقراطية
القسم الأول من الكتاب تضمن أوراق عمل قدمت أثناء اللقاء العشرين لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية، وتعرضت لطبيعة حال الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب في بعض البلدان العربية، وتحديدا في مصر وفلسطين والجزائر واليمن.
 
ومن خلال ما جاء في كلمات المتحدثين الرئيسيين والمعقبين حول واقع التجربة العربية في البلدان الأربعة، وما تؤشر له في صدد الحالة الحزبية في العالم العربي، فإن هناك العديد من السمات الموجودة داخل تجربة الأحزاب العربية، وأولى هذه السمات هي أنها نتيجة أو مخاض للبيئة التي نشأت فيها، فهي على سبيل المثال معبأة بثقافة سياسية سائدة في الأنظمة الحاكمة، ذات طابع ديكتاتوري، أدى إلى غياب الممارسة الديمقراطية داخل معظم الأحزاب العربية.
 
أي أن الأحزاب العربية، وفق ما ذهب إليه هؤلاء، هي أسيرة بيئتها التي تتحرك فيها، وفي الحالة الفلسطينية؛ فإن عاملا آخر يضاف إلى البيئة السياسية الداخلية التي تتحرك فيها الأحزاب السياسية، بما فيها عامل تداخل السلطة الفلسطينية وحركة فتح، كحزب أو فصيل فلسطيني، والانقسام بين فتح وحماس، وهو بيئة الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي.
 
الأحزاب العربية والتدخل الخارجي
فالتدخل الخارجي، بما في ذلك الاعتقالات والاغتيالات لقيادات وكوادر الحركات الفلسطينية من قبل إسرائيل، ومدى سماح الأخيرة أو منعها لعقد اجتماعات ومؤتمرات تلك الحركات والأحزاب، يعد عاملا فارقا في حركياتها.
 
كما لفت بعض المعلقين إلى وجود بعض الخصوصية في الحالة الحزبية المصرية، حيث إن البيئة السياسية والاجتماعية في مصر شهدت في الأعوام الأخيرة بزوغ ظاهرة حركات الاحتجاج الاجتماعي غير المؤطرة تنظيميا، والتي تتحرك في الشارع ضد الاستبداد القائم، وسحبت الكثير من رصيد الأحزاب السياسية القائمة، التي تحولت إلى "ظاهرة كرتونية" بفعل سياسات النظام الحاكم السابق في مصر.
 
"
الأحزاب الجزائرية تعاني من أزمات كبيرة فيما يتعلق بالممارسة الديمقراطية الداخلية، وهو ما يشكك في إمكانية أن تساهم هذه الأحزاب في إخراج النظام السياسي الجزائري من أزماته التي تسببت، من جهة مقابلة، في تعميق أزمة الأحزاب القائمة
"
الحالة الحزبية الجزائرية
أما الحالة الحزبية الجزائرية، فقد خلصت الأوراق الرئيسية المقدمة عنها إلى أن الأحزاب القائمة، بما فيها الأحزاب الرئيسية الثلاث: جبهة التحرير الوطني، وجبهة القوى الاشتراكية، وحركة مجتمع السلم (حمس)، تعاني من أزمات كبيرة فيما يتعلق بالممارسة الديمقراطية الداخلية، وهو ما يشكك في إمكانية أن تساهم هذه الأحزاب في إخراج النظام السياسي الجزائري من أزماته التي تسببت، من جهة مقابلة، في تعميق أزمة الأحزاب القائمة.
 
ومن بين المشكلات التي تعاني منها الأحزاب الجزائرية عدم استيعابها لعدد من الفئات الاجتماعية المؤثرة والفاعلة، مثل الشباب والمرأة والطبقة الوسطى المتعلمة، التي ابتعدت عن العمل السياسي الحزبي، وتمثل جوهر الاضطرابات الموجودة في الجزائر.
 
أما في الحالة اليمنية فإن مشكلة النخبوية القائمة في القيادات المركزية العليا للأحزاب، بما فيما المؤتمر الشعبي العام الحاكم، والتجمع اليمني للإصلاح، والحزب الاشتراكي اليمني، قطبا المعارضة هناك، والفساد السياسي، هي أبرز المشكلات داخل الأحزاب اليمنية.
 
الممارسة الحزبية المغربية
القسم الثاني من الكتاب يضم الأوراق التي لم يتسن تقديمها في فعاليات اللقاء، وتناولت حال الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب المغربية، مع قراءة أخرى في التجربة الحزبية الجزائرية.
 
وفيما يخص الحالة المغربية، طرح الكتاب مشكلة شديدة الأهمية، وهي أن القوانين القائمة في المملكة، تعد من معوقات العمل الحزبي السليم؛ حيث إن قانون الأحزاب المغربي ليس له تأثيرات إيجابية على الحالة الحزبية المغربية، ولن يكون له هذا التأثير ما لم يكن هناك تغيير جوهري في الإطار السياسي والدستوري الذي تعمل في إطاره الأحزاب المغربية.
 
أما الجزء الذي يخص الأحزاب الجزائرية في هذا القسم، فقد حدد نمطيْن أساسييْن للخريطة الحزبية في الجزائر، النمط الأول الأحزاب التي تدور في فلك الحكام، والثاني الأحزاب التي تمارس المعارضة السلبية أو المعارضة "الأبدية" حسب وصف الكتاب، كما أشار أيضا إلى وجود ملمح رئيسي للحياة الحزبية في الجزائر، وهو رفض الترخيص لأحزاب جديدة لبعض الوجوه السياسية القديمة الموجودة.
 
وفي تصورات المشاركين في اللقاء لكيفية معالجة هذه المشكلات الموجودة في الحالة الحزبية العربية، والتأسيس لأحزاب ديمقراطية، فإن الحلول المطلوبة داخلية وخارجية، بمعنى أن هناك حاجة لتطوير بنية الأحزاب السياسية العربية، والاتجاه نحو تعميق الممارسة الديمقراطية فيها من خلال الآليات الضرورية لذلك، مثل تعميق اللا مركزية، وانتشار صنع القرار، بالتوازي مع ضرورة إصلاح الحياة السياسية القائمة التي تتحرك فيها الأحزاب.
 
"
قانون الأحزاب المغربي ليس له تأثيرات إيجابية على الحالة الحزبية المغربية، ولن يكون له هذا التأثير ما لم يكن هناك تغيير جوهري في الإطار السياسي والدستوري الذي تعمل في إطاره الأحزاب المغربية
"
ولكن ثمة وجهة نظر متشائمة طرحتها بعض الأوراق، وهي أنه لا يمكن بناء أحزاب ديمقراطية في دول غير ديمقراطية، حيث إنه، ووفق المنطق الذي طرحه من تبنوا هذا الرأي، فإنه لا يمكن للأحزاب أن تقوم وتؤدي وظائفها وتتطور إلا إذا كان النظام السياسي الاجتماعي يقدم لها فرص هذا التكوين، ويحدد لها أدوارا وصلاحيات محددة.
 
ولكن معارضي هذا الرأي لا يرون هذا المنطق، حيث إنه على أبسط تقدير فإن ذلك يعطي الفرصة للأنظمة المستبدة الحاكمة للاستمرار في فسادها واستبدادها، كما أنه سيكون مدعاة لحالة من الركون للأحزاب العربية في سعيها نحو ديمقراطية نظمها ولوائحها وممارساتها الداخلية.
 
وأخيرا، فإن كل هذه الأوضاع والتقديرات، قد شهدت انقلابا كبيرا بعد وقوع ربيع الثورات العربية، حيث دخل العامل الشعبي على خط التأثير، وباتت الأحزاب والأنظمة على حد سواء مطالبة -رغما عنها- بالعمل على تصويب أوضاعها نحو أفق أكثر ديمقراطية تراعي تطلعات الشعوب إلى الحرية والعدالة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة