عوالم متصادمة   
الأربعاء 1427/1/3 هـ - الموافق 1/2/2006 م (آخر تحديث) الساعة 0:02 (مكة المكرمة)، 21:02 (غرينتش)

عرض/ إبراهيم غرايبة
سيبقى الإرهاب والحرب على الإرهاب من أكثر الموضوعات عرضة للدراسات والنشر، ليس لأنه أكثر أهمية، إذ أن الفقر والفجوات الحضارية والاقتصادية والجريمة المنظمة والتلوث والفساد وتحديات وفرص التنمية والتعليم والصحة والتقنية والرعاية أهم بكثير من الإرهاب.

ولكن عندما تكون أعظم قوة في العالم هي ضحية الإرهاب فلا بد أن العالم سيدخل مرحلة مختلفة.

وقد بدا عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول أن مرحلة تاريخية قد انتهت وأن مرحلة جديدة قد بدأت، وقد أوضحت الأحداث والأيام كيف تختار الدول والجماعات الاستجابة لأزمة عالمية، لكن أحدا لا يعرف كيف ستنتهي هذه الأزمة، وإن كان من المؤكد أن النظام العالمي يعاد تشكيله وأنه يشهد تغيرات مفاجئة.

 الكتاب: عوالم متصادمة
-
المؤلف: مجموعة من المؤلفين
-
التحرير: كين بوث ويتم ديون
-
المترجم: صلاح عبد الحق
-
عدد الصفحات: 502
-
الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أبو ظبي
-
الطبعة: الأولى/2005

عوالم متصادمة
تثير الأحداث قضية العلاقة بين الولايات المتحدة والإسلام، وتحرك سؤالا ما الذي يجعلها مكروهة إلى هذه الدرجة في جميع أنحاء العالم؟ ولماذا كل هذا الخوف من الإسلام؟.

إن معرفة الذات لا تتيسر بسهولة، ويحول دون توصل الأميركيين إلى فهم أفضل لحكومتهم معرفتهم القليلة بتاريخهم وبتاريخ الشعوب الأخرى، ويصبح الافتقار إلى المعرفة أشد سوءا عندما يقترن بالأساطير التاريخية التي تطلقها هوليوود سعيا للربح والترفيه، إن الجهل والأسطورة قد يدفعان إلى نشوء حالة يسود فيها الاعتقاد بأن المرء على حق دائما، وهي قاعدة خطير استخدامها في التعامل مع العالم.

ففي الوقت الذي قتل فيه بضعة آلاف بسبب نوع من الإرهاب، فإن عشرات الملايين يقتلون بسبب أنواع أخرى من الإرهاب ناتجة عن الفقر والمرض والظلم والفساد والاستبداد، ونحتاج إلى أن نتعلم كيف نرى الإرهاب.

لقد وقعت أعمال إرهابية في كل مكان، وينتمي مرتكبوها إلى أديان وأعراق مختلفة، ولكن الحكومات والشبكات في العالم الإسلامي ترتكب أشد أشكال الإرهاب، كالحرب العراقية- الإيرانية، وما وقع في الجزائر.

ولكن حالات كثيرة من العنف يكون المسلمون طرفا فيها وليسوا السبب الرئيسي كما يحدث في فلسطين وحدث في البوسنة وكوسوفو.

"
الحرب على الإرهاب دور منطقي له معنى، وقد أعطى الخوف والتطرف مجتمع الولايات المتحدة إطارا للمعنى لم يكن الحصول عليه ممكنا من تعاملات العولمة
"

ويصعب رد الإرهاب إلى الفقر والتخلف، فالأصولية الدينية الإسلامية والمسيحية ترافق الثروة أيضا، كما يستخدم الإرهابيون وسائل عصرية.

إلى من نستطيع أن نوكل قيادتنا عبر تصادم عوالم الأفكار ومناورات القوة التي تشكل هذا الزمان؟ من الذي يستطيع الرؤية عبر دخان وأنقاض ما يحدث من عنف وإرهاب، ويفهم ما يجب فعله لضمان أن لا تقع هذه الأحداث مرة أخرى؟ ومن سيعيد صياغة النظام العالمي الذي ثبتت هشاشة حدوده وتداخلها؟.

إن حربا قليلة التكاليف يتوجها النصر غالبا وتتم في إطار الدفاع عن النفس ليست فقط مثالا لحملة عسكرية نموذجية، بل إنها أساس لحملة إعادة انتخاب ناجحة.

فهناك أصوات كثيرة في العالم لا تعتبر أن مشكلات اليوم بما فيها الحرب ضد الإرهاب هي المشكلات الحقيقية، وقد كانت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول أعراضا مميتة لنظام عالمي تكاثر فيه الغضب وتمكن فيه قادة طغاة من اختيار شركاء انتحاريين.

وقبيل الأحداث كان ثمة ميل للتطرف في كثير من أنحاء العالم، النزعة القومية المفرطة في البلقان، وأصولية اليمين السياسي في الولايات المتحدة الأميركية، وذهنية الإبادة في رواندة، والعقيدة الدينية المتطرفة لطالبان، وعدم التسامح في أجزاء كثيرة من العالم، والعداء للسامية في أوروبا الشرقية، ومعتقدات "العصر الجديد" لم نعرف فقط أن الإله لم يمت، ولكن كما قال جي كيه شسرتون قبل قرن: إن كثيرا من الناس وجدوا أنه من الأسهل لهم أن يؤمنوا بأي شيء بدلا من الإيمان بلا شيء.

لقد تخلصت الولايات المتحدة الأميركية في نهاية الحرب الباردة من الإمبراطورية السوفياتية، ولكنها لم تجد دورا بعد ذلك، ثم وجدت مثل هذا الدور عندما وقعت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول وأصبحت الحرب ضد الإرهاب دورا منطقيا له معنى، وقد أعطى الخوف والتطرف مجتمع الولايات المتحدة الأميركية إطارا للمعنى لم يكن الحصول عليه من تعاملات العولمة على مدار الساعة ممكنا أبدا.

فهم الإرهاب
يبدو المخرج من أزمة التطرف بتقدير فوكوياما بظهور فصيل إسلامي ليبرالي يحقق المنطق التاريخي للعملية السياسية، فالحكم الإسلامي برأيه لا يستهوي الناس إلا عندما يكون فكرة مجردة، ويرشح إيران لتقود العالم الإسلامي إلى هذا الوضع، فالجيل الجديد في إيران يتطلع إلى نموذج إسلامي أكثر عصرية.

ولكن رد الفعل الأميركي على أحداث 11 سبتمبر/ أيلول كان أقرب إلى الغريزي "فتش ودمر" بدلا من "كسب العقول والقلوب" وهما المبدآن اللذان تصارعا أثناء حرب فيتنام.

ومازالت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول رغم كل تداعياتها وما كتب عنها تخضع لأسئلة جوهرية في فهمها وتحليلها، مثل من كان وراء الأحداث؟ كيف نقيم الدليل على الجهة المنفذة؟ فعلى الرغم من تصريحات بن لادن وأحاديثه التي تقترب كثيرا من الاعتراف بالتخطيط للعملية، فإنها لا تدل قانونيا على شيء.

ولهذا فإنه ليس بوسع محكمة أميركية أو دولية إدانة بن لادن بالتخطيط للعمليات أو إصدار أمر بتنفيذها، وربما لا يكون هناك أمر موقع أو دليل ملموس.

"
وظفت الولايات المتحدة الأحداث في إعادة تأكيد قيادتها وهيمنتها العالمية، ونشر قواتها حول العالم بسهولة، ووحدت الأمة الأميركية على نحو غير مسبوق، حتى أصبحت المعارضة المشروعة مرادفة للخيانة
"

ومن هم الخاطفون؟ إذ ليس من الواضح ما إذا كانت وثائق هويات الخاطفين الـ19 حقيقية، وكم هدفا آخر كان مقررا في 11 سبتمبر/ أيلول؟ وهل كانوا يقصدون التسبب في مستوى وحجم الضرر الذي وقع؟.

يبدو أن انهيار برجي مركز التجارة العالمي كان مفاجأة لأسامة بن لادن، وفي الوقت نفسه فإن مستوى الدمار في مبنى البنتاغون (وزارة الدفاع في الولايات المتحدة الأميركية) كان أقل من المتوقع بكثير، ويثور سؤال هنا أيضا وهو لماذا وقع الهجوم؟.

ربط الهجمات بالقضية الفلسطينية أمر لاحق بأثر رجعي وليس سببا جوهريا، وربما يكون الهدف هو تحريك التطرف والعنف في العالم الإسلامي وإثبات أن الولايات المتحدة يمكن ضربها في عقر دارها.

ثم لماذا قام الخاطفون بالعملية؟ فقد كانوا في مستوى تعليمي جيد، وينتمون إلى الطبقة الوسطى، وعاشوا فترة طويلة في الغرب، وجميعهم عدا اثنين من السعودية (15) ودول الخليج (2) أي أنهم يمتلكون فرصا كبيرة في حياة رغيدة، وهي تصنيفات مخالفة لتلك الشائعة عن منفذي العمليات الانتحارية الذين يغلب عليهم الفقر وصغر السن وضحالة التجربة وأحيانا خلفيات سابقة في الجريمة.

ثم هل كانوا محظوظين؟ بمعنى أن الحظ والصدف خدمتهم كثيرا في تسهيل عمليتهم، وهل فشلت الاستخبارات الغربية؟ وهل فهمت الولايات المتحدة الأميركية أسباب ردود الفعل على الهجمات في أجزاء عديدة من العالم الإسلامي؟ .

النظام والعوالم
رغم الإجماع الواسع ضد الإرهاب فإن السياسة العالمية هي نشاط سياسي تزدهر فيه المصالح المتضاربة وتجعل تعريف الإرهاب وتحديده أمرا صعبا، ولكن أحداث سبتمبر/ أيلول أوجدت بيئة ومصالح جديدة غير مسبوقة في مواجهة الإرهاب، مثل التعاون الاستخباري العالمي، وتغيرات المواقف السياسية.

وقد استفادت بعض الدول وخسرت أخرى، فالهند مثلا حققت مكاسب سياسية كبيرة، حيث صفيت تقريبا المقاومة المسلحة في كشمير التي كانت تهدف إلى الاستقلال عن الهند، واستفادت إسرائيل في اكتساب تأييد سياسي عالمي في حربها مع المقاومة الفلسطينية.

كان للتحالف الذي نظمته الولايات المتحدة الأميركية ضد الإرهاب أثر كبير على الصراعات الأخرى في العالم وعلى حياة مجتمعات ودول كانت تبدو قوية لحماية أمنها، وتحطمت مع الأحداث أيضا افتراضات كثيرة حول العالم الذي نعيش فيه، مثل تضاؤل الصراعات الدولية في ظل العولمة.

ووظفت الولايات المتحدة الأحداث في إعادة تأكيد قيادتها وهيمنتها العالمية، ونشر قواتها حول العالم بسهولة، ووحدت الأمة الأميركية على نحو غير مسبوق، وأصبحت المعارضة المشروعة مرادفة للخيانة، ولم يعد بوسع الليبراليين الأميركيين أن ينتقدوا بوش.

وفي المقابل فقد أضافت الأحداث لفهم النظام مدخلات جديدة، ومن أهمها أن الدولة المعادية التي تم فيها التخطيط لمهاجمة الولايات المتحدة الأميركية لم تكن دولة قوية أو محمية، وكانت الهجمات بطبيعتها تعطي شرعية لنوع الرد في نظر معظم الناس.

وفي مقاربته فإن هاليداي يتحدى المقولات والأفكار السائدة في الفهم والتحليل حول أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، ويقول: هناك موقفان يمكن توقعهما من أي هزة دولية عميقة، وهما خاطئان دائما تقريبا، القول بأن كل شيء قد تغير، والقول بأنه لم يتغير شيء، وهو ما حدث أيضا بعد انهيار جدار برلين، وحرب الخليج الثانية، وتفكك يوغسلافيا.

ولكن هناك نتائج مهمة للأحداث، منها زيادة ملحوظة في التركيز على القوة الأميركية وتأكيدها، وقد زيدت ميزانية وزارة الدفاع فورا بمبلغ 50 مليار دولار، وسعى العالم إلى تعاون وثيق مع الولايات المتحدة الأميركية، وأصبح من الصعب أن يرفض أحد دعوتها إلى التعاون.

"
الحرب على الإرهاب تحدت تفاؤل العولمة في المجالات الثقافية والاقتصادية وحرية الهجرة، وعرضت قضايا الحقوق والحريات المدنية والفردية إلى انتكاسة كبرى في جميع أنحاء العالم بما في ذلك الدول الديمقراطية
"

وعادت بعض الدول التي نزعت إلى الابتعاد عن السياسة الأميركية إلى التعاون معها مثل الصين وروسيا.

ومن جهة أخرى تشكل تجمع ضد الولايات المتحدة الأميركية، ولكنه كانت تغلب عليه الشعبية، ولم يقتصر ذلك على العالم الإسلامي، ولكنه شمل أميركا اللاتينية وشرق آسيا والهند.

وتأثرت قطاعات اقتصادية بوضوح بالأحداث، مثل الطيران والسياحة والنفط والتأمين، وعاد دور الدولة في الاقتصاد وبخاصة في الولايات المتحدة الأميركية.

وتأثرت منطقة غرب آسيا كثيرا بالأحداث، فقد استطاعت باكستان الخروج من عزلتها والتخلص من مئات الملايين من الدولارات من الديون، وتحسنت العلاقات الإيرانية مع الغرب، وزاد النفوذ الإيراني في آسيا الوسطى.

وتحدت الأحداث تفاؤل العولمة في المجالات الثقافية والاقتصادية وحرية الهجرة، وتعرضت قضايا الحقوق والحريات المدنية والفردية إلى انتكاسة كبرى في جميع أنحاء العالم بما في ذلك الدول الديمقراطية.

هل الحرب القائمة اليوم هي حرب أديان؟ من الواضح أن أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة يضعون أنفسهم في إطار ديني، فهم يعتقدون أنهم يدافعون عن الإسلام ويحاربون أعداء الله، ويواصلون الجهاد المستمر منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

ولكن هذه الرؤية لا تستبعد الانتهازية السياسية لدى أسامة بن لادن، فتركيزه مؤخرا على فلسطين بدلا مما يبدو أنه هدفه الحقيقي (الجزيرة العربية) يهدف بوضوح إلى جلب الانتباه لذلك الجانب من السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية الذي تعارضه أغلبية المسلمين، وهو مساندة إسرائيل.

بالتأكيد فإن إحساس أعضاء القاعدة بأنهم يقاتلون أعداء الله وأنهم يعملون باسم الله يوفر تفسيرا جزئيا لقسوتهم، فليس هناك شيء كالإحساس بمهمة مقدسة للتغلب على النواهي الإنسانية في هذا المجال، كما نسب إلى أسقف متزمت قوله في أثناء الحملة الجنسية التي جرت في فرنسا في القرن الثالث عشر: "اقتلوهم جميعا ودعوا الله يفرز الأبرياء".

ومن الواضح أن أسامة بن لادن يلقى تأييدا كبيرا في صفوف المسلمين العاديين، حتى بين أولئك الذين ليس لهم اهتمام مباشر بالنزاعات في فلسطين ومنطقة الخليج، وإن كانت أغلب القيادات الدينية الإسلامية قد أدانت إرهاب 11 سبتمبر/ أيلول، ولكنهم يعارضون استخدام الولايات المتحدة الأميركية للقوة ضد بلد مسلم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة