تاريخ فلسطين المفترى عليه   
الخميس 1432/8/14 هـ - الموافق 14/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:00 (مكة المكرمة)، 13:00 (غرينتش)

عرض/ عوض الرجوب

يعد كتاب "تاريخ فلسطين المفترى عليه" دراسات وثائقية تجديدية يأخذ المؤلف تطبيقاتها من بلدة دورا في منطقة جبل الخليل جنوب الضفة الغربية.

ويسلط الكتاب الضوء على تاريخ فلسطين منذ فجر التاريخ وحتى أوائل القرن العشرين (4000 ق.م – 2000م) ويوضح أهمية الحكم الإسلامي لفلسطين والجوانب الاجتماعية والسياسية لتاريخ فلسطين العثمانية التي يرى أن الدراسات الغربية والصهيونية شوهتها.

-الكتاب: تاريخ فلسطين المفترى عليه
-المؤلف: محمود طلب النمورة
الطبعة: الأولى 2011

ويستنتج المؤلف أن النزاع حول فلسطين نزاع بين قوى الاستعمار والمشرق، بدأ منذ احتلال اليونانيين الغربيين لفلسطين، مبينا أن الفلسطينيين لم يكتبوا تاريخ فلسطين القديم بطريقة كافية لتبيين الحق الثابت وتعريف العالم بالحقيقة، بل كتبه المستشرقون والصهاينة.

وتكمن أهمية الدراسة، التي استقت معلوماتها من مئات المراجع، في كونها خطوة على طريق إعادة النظر في تاريخ فلسطين الذي زوره الغرب والصهاينة والعرب المستغربون والمتصهينون الذين نهلوا من مناهلهم الموبوءة، أو نقلوا عنهم.

وبما أن البحث واسع ويشمل فترة زمنية طويلة، فهو يعالج موضوعات مختلفة، ولجأ الباحث إلى أكثر من منهج وأسلوب بحثي في إعداد بحثه، فأفاد من الأسلوب التاريخي، واعتمد بشكل رئيسي على المصادر الأولية كالسجلات والوثائق والملفات والقوانين والظروف التي تحيط به.

وحرص المؤلف على تحليل مضمون الوثائق ولم يأخذ منها إلا المعلومات الصريحة، وضمّن كتابه جوانب من البحث الميداني بإجراء مقابلات مع عدد كبير من المعمرين من أبناء بلدته والمناطق المجاورة لها.

وألحق المؤلف كتابه بصور لمجموعة وثائق بينها صورة لوثيقة تطوع أهالي جب الخليل لقتال جيش نابليون، مؤرخة في 1798م.

توضيح الحقيقة
وسلط المؤلف الضوء على المجالات التي حجبت فيها الحقيقة، وعمل على توضيح الحقيقة بشأن فلسطين، علاوة على توثيق التاريخ الشفوي لبلدة دورا وقراها وخربها، وعائلاتها وشجرات أنسابها، والاستفادة من وثائق المراسلات بين العائلات والإدارات العثمانية والانتدابية لإعطاء صورة حقيقية عن تاريخ فلسطين خلال تلك الفترات.

ويتحدث المؤلف عن ما يسميه أطماع الغرب ومؤامراته التي لا تتوقف على الإسلام والمسلمين والعرب والعروبة، والطمع في خيراتها، وفي المقابل ضعف دور أبناء العروبة والإسلام في هذه الأيام في إنقاذ فلسطين وحمل قضيتها.

"
أطماع الغرب ومؤامراته لم تتوقف على الإسلام والمسلمين والعرب، وفي المقابل ثمة ضعف من جانب أبناء العروبة والإسلام في إنقاذ فلسطين وحمل قضيتها
"
وأسهب المؤلف في الحديث عن تصدي الغرب وعلمائه بخبث ومقاصد غير أخلاقية إلى كتابة تاريخ العرب، وفي أخص دقائقه كالقبيلة وشجرات النسب والآثار المرئية بقصد احتلال التاريخ والعقول قبل احتلال الأرض.

ومع ذلك رصد الجهد الذي رسخه أبناء فلسطين بعامة وأوجه المقاومة للاستعمار والاحتلال، ويركز في فصوله الأخيرة على الوجه المشرق لمدينة دورا (موضع البحث) رغم محاولات طمسها.

تزوير مقصود
وفي البلدة موضع البحث، يرصد المؤلف خطط الغرب في سرقة التاريخ وتهويد الآثار، وفي المقابل التحدي الذي قوبلت به هذه الخطط والإصرار على البناء والعيش الحضاري رغم المعوقات المذهلة من الصهاينة والغرب.

وهنا يرى المؤلف أن حملات التنقيب عن الآثار وتلك الاستكشافية سبقت الحملات العسكرية وعملت على تزوير واستغلال التاريخ والجغرافيا والتراث لخدمة الهدف العسكري والاستعماري.

ويلفت المؤلف إلى أن العبء الأكبر لأمن فلسطين كان منذ الأزل ملقى على كاهل مصر التي حررت فلسطين من الصليبيين وصدت عنها خطر المغول، ثم استبشر الفلسطينيون خيرا بالثورة المصرية عام 1952 وبجيشها وصواريخه، لكن يقول: "بدلا من الظفر بالنصر وقهر العدو ظفرنا عام 1967 بهزيمة ساحقة".

أما عن بلدة "دورا" فيقول إنها "بلدة عربية كنعانية قديمة كانت تعرف باسم أدورايم"، وقبل الغزو العبراني كانت ضمن أراضي الآدوميين العرب الذين رفضوا السماح لقوم موسى عليه السلام بالمرور من أراضيهم إلى فلسطين.

وينقل المؤلف قول بعض الروايات إن العيص ويعقوب ولديْ إسحاق -عليهم السلام- تصارعا على الإرث، فحاصر العيص يعقوب في مدينة الخليل، وتابع أبناء يعقوب العيص وأبناءه إلى دورا حيث قتل يعقوب أخاه العيص ودفنه فيها وشرد أبناءه إلى سعير (شمال الخليل)، حيث لا يزال له مقام هناك.

وأضاف أن بلدة بيت مرسم (داخل الأراضي المحتلة عام 1948 من أراضي دورا غربا) هي من أقدم الممالك الكنعانية التي حاصرها كالب ابن يفنة ملك يهودا لمدة ثلاث سنوات إلى أن استطاع احتلالها بعد أن وعد أن يزوج ابنته الوحيدة، ووريثته في الملك، للقائد الذي يحتل بيت مرسم.

"
حملات التنقيب عن الآثار وتلك الاستكشافية التي سبقت الحملات العسكرية عملت على تزوير واستغلال التاريخ والجغرافيا
"
ويتطرق مؤلف الكتاب إلى نقص الدراسات الموضوعية بشأن تاريخ فلسطين ومدنها وقراها، موضحا أنه رغم الكتابات التي صدرت عن مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والمتابعات التي صدرت في الشرق والغرب، فإنه يندر أن تجد في الكتابات التاريخية أو السياسية تصورا دقيقا لطبيعة المجتمع الفلسطيني وتكوينه الاجتماعي أو ترابطه أثناء فترة الانتداب أو قبل ذلك.

وفيما يتعلق بمدن وقرى فلسطين التي يزيد عددها عن 844 مدينة وقرية، يقدر المؤلف عدد التي أجريت عنها دراسات بأنها لا تزيد عن مائة بلدة ومدينة، وهذا يعني أن هناك أكثر من 700 مدينة وقرية لم تصدر عنها دراسات.

فصول الكتاب
بعد إلقاء الضوء على تاريخ فلسطين في مقدمة الكتاب، قسم الباحث دراسته إلى خمسة عشر فصلا، تناول في الأول منها محطات في تاريخ فلسطين وتطبيقاتها قبل الإسلام، بدءا من العهد الكنعاني، ثم الفلسطينيين ما بين 1200 و975 قبل الميلاد، ومحطة العبرانيين، ثم العهود الآدومية والفارسية واليونانية والرمانية، منتهيا بسرد الأدلة على عروبة فلسطين قبل الفتح الإسلامي.

وأفرد المؤلف الفصل الثاني للحديث عن فلسطين في العهد الإسلامي (637م-1918م)، مختتما بالحديث عن ضعف الدولة العثمانية ونتائجه، مشيرا إلى أنها كانت قبل ضعفها تُشرك أهالي فلسطين في الحكم وتجري الانتخابات.

وفي جزئية التجنيد في الدولة العثمانية، يشير المؤلف إلى أن نظام التجنيد كان قاسيا وضارا بالسكان والزراعة، ولذلك بذل السكان كل ما في وسعهم للتخلص منه، عن طريق الاختفاء خارج المنطقة في أثناء حملات التجنيد أو دفع البدل النقدي الذي كان يبلغ خمسين جنيها، أو إلحاق المرء الأذى بنفسه عن طريق قطع أصابع اليد كي لا يصبح لائقا للخدمة العسكرية، أو رشوة الموظفين المسؤولين أو العرب أثناء السير إلى مراكز التجمع للتجنيد.

وفي حديثه عن أراضي فلسطين في العهد العثماني، يبين أن الفلاح قبل عام 1858 كان يملك بيته ومساحة قليلة من الأرض "حاكورة" حولها لزراعة مزروعات لسد حاجة عائلته. أما بقية أراضي القرية فكانت مملوكة ملكية مشتركة لجميع أهالي القرية، وكان يمنع على الأجانب تملك الأرض والعقارات في الدولة الإسلامية.

ويوضح أن ذلك أزعج بريطانيا وفرنسا اللتين كانتا تعملان على تمليك اليهود مساحات كبيرة من الأرض تمهيدا لاستغلالها في إقامة قاعد للغرب في فلسطين، وبعد الحروب العديدة والديون التي غرقت بها الدولة العثمانية استجابت لضغوط بريطانيا وفرنسا، وصدر قانون الأراضي العثماني في 27 شعبان 1276هـ/1859م الذي نص على ضرورة تسجيل الأرض وإعطاء سندات طابو للمالكين مقابل دفع رسوم لإصدار تلك السندات أو الكواشين.

"
الإمكانيات العلمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية توفرت للغرب، على النقيض من العرب والمسلمين، وبها استطاع تزوير تاريخ فلسطين
"
كما نص ذلك القانون على منع تسجيل أرض باسم القرية كلها، لكنه سمح بتسجيلها باسم عدد من الأشخاص كرؤساء الحمايل والمخاتير والوجهاء، الأمر الذي ولد مشاكل يوم مطالبة الناس بحصصهم من الأشخاص الذين سجلت الأرض بأسمائهم.

وبموجب ذلك القانون صنفت الأراضي في فلسطين كما يلي: الملك، والميري وهي الأراضي التي تعود ملكيتها للدولة ويتصرف بها الأفراد أو المجموعات، والوقف، والموت وهي البعيدة عن العمران وليست ملكا لأحد ولا هي مرعى ولا محتطب، والمتروكة وهي أراض يحتفظ بها للاستعمال العام كالطرق والمراعي.

وفي الفصل الثالث "الغرب يحتل تاريخنا قبل أن يحتل بلادنا"، يقول إن الإمكانيات العلمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية توفرت للغرب، على النقيض من العرب والمسلمين، وبها استطاع تزوير تاريخ فلسطين العربي والكنعاني والإسلامي، وتجييره لإسرائيل، مشيرا إلى دور الرحالة الغرب في هذا المجال.

وأضاف أن أية جهة عربية أو إسلامية لم تقم بإجراء حفريات أثرية في فلسطين، وفي المقابل عملت خمس مدارس حفريات غربية: فرنسية وأميركية وألمانية وبريطانية وإيطالية، قبل الحرب العالمية الأولى (في العهد العثماني).

ويعالج المؤلف في الفصل الرابع حال فلسطين تحت الانتداب البريطاني وحتى النكبة (1919- 1948)، مبينا أن سلطة الانتداب اتخذت سلسلة إجراءات هدفت إلى حرمان الفلاحين من حقهم في أرضهم لخدمة الأهداف الاقتصادية والسياسية للانتداب والصهيونية.

وفي معرض حديثه عن الإضراب والثورة بين عامي 1936 و1939، ذكر من وسائل الانتداب البريطاني في قمعه: الاغتيالات السياسية، والعنف والتنكيل، والإيقاع بين المدينة والقرية.

"
سلطة الانتداب اتخذت سلسلة إجراءات هدفت إلى حرمان الفلاحين من حقهم في أرضهم لخدمة الأهداف الاقتصادية والسياسية للانتداب والصهيونية
"

وفي الفصل الخامس يطل المؤلف على مدينة الخليل وبلدة دورا في العهد الأردني، ثم يتناول في الفصل السادس مرحلة ما يراه احتلالا أميركيا إسرائيليا للضفة الغربية وقطاع غزة، بدءا من عام 1967 وما تخلل المرحلة من حروب وإضرابات وثورات وشهداء وجرحى، وصولا إلى انتفاضتي الحجارة (1978) والأقصى (2000) في الفصل السابع.

وفي الفصول التالية يفصّل المؤلف في تاريخ البلدة موضع التطبيق (بلدة دورا) وجغرافيتها، ودور لجان الحفريات في الإساءة لها، وما بها من مساجد ومدارس ومؤسسات وشهداء وأسرى وأصول عائلاتها وأنسابها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة