النظام الإقليمي العربي   
الأربعاء 1431/7/26 هـ - الموافق 7/7/2010 م (آخر تحديث) الساعة 14:33 (مكة المكرمة)، 11:33 (غرينتش)

عرض/حسين عبد العزيز

إن دراسة الاحتلال الأميركي للعراق تعد مدخلا لدراسة أبعاد العلاقة بين الولايات المتحدة والنظام الإقليمي العربي، ومدى تأثير هذه العلاقة في قدرة النظام العربي على الاحتفاظ بتمايزه عن غيره من النظم الإقليمية.

يحلل الكتاب في قسمه الأول تاريخ العلاقة بين النظام الإقليمي العربي والولايات المتحدة منذ نشأة هذا النظام، ويهتم في القسم الثاني بالقيم التي حددت هوية النظام العربي، ومن بينها الحق في التحرر وتقرير المصير.

أما القسم الثالث الأخير فيهتم بأمن النظام الإقليمي العربي الذي قد تتم إعادة تعريفه في حال نجاح واشنطن في إعادة رسم حدود النظام العربي.

التأصيل للعلاقة بين قوى النظام الدولي والنظم الإقليمية
ترى المؤلفة أن فهم العلاقة بين النظام العربي والولايات المتحدة مرتبط بفهم محددات تلك العلاقة التي سمحت للقوى العظمى بالتغلغل داخل هذا النظام.

-الكتاب: النظام الإقليمي العربي في مرحلة ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق
-المؤلفة: إيمان أحمد رجب
-عدد الصفحات: 415
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, لبنان
-الطبعة: الأولى/ 2010
وقد قسمت المؤلفة هذه العلاقة إلى عدة مراحل تاريخية بسبب اختلاف المحددات التي حكمت العلاقة بين النظام العربي والولايات المتحدة:

* العلاقة خلال الفترة من 1945 إلى 1967
اتسم النظام العربي في هذه المرحلة بعدد من الخصائص كان لها دور في تحديد نمط علاقته مع قوى النظام الدولي. ومن أهم هذه الخصائص سمة الضعف التي ميزت النظام العربي لقلة عدد الدول المستقلة من جهة، وارتباطها بالقوى الاستعمارية من جهة أخرى.

أما السمة الرئيسية الثانية فهي عدم تبلور سياسة واضحة للجامعة العربية، إذ كانت مسرحا لإشكالية القطري القومي التي صاحبت نشأة النظام العربي.

وترى المؤلفة أنه كان لهاتين السمتين دور رئيسي ليس في تغلغل الولايات المتحدة في داخل النظام العربي فقط، بل في إخلال ميزان القوى داخل النظام.

وجاء مبدأ ترومان عام 1947 ومبدأ أيزنهاور عام 1957 ليزيدا من التدخل الأميركي في المنطقة تحت عنوان حماية هذه الدول من أي هجوم عسكري سوفياتي.

ونتيجة لممانعة معظم الدول العربية للسياسة الأميركية، بدأت واشنطن محاولات صنع نظم إقليمية تكون بديلا عن النظام العربي، فقامت بتشكيل حلف بغداد الذي رفضت الدول العربية الانضمام إليه باستثناء العراق.

* العلاقة خلال الفترة من 1967 إلى 1979
ترى المؤلفة أن نمط العلاقة بين النظام العربي والولايات المتحدة بدأ يأخذ منحنى مختلفا عن المرحلة السابقة، نتيجة المتغيرات التي طرأت على النظام ذاته وتفاعلاته مع القوى المحيطة، خاصة إسرائيل، فضلا عن إعلان بريطانيا رغبتها في الانسحاب من منطقة الخليج.

"
أدى تراجع الدور البريطاني إلى تزايد الدور الأميركي في منطقة الخليج العربي، فسعت واشنطن منذ البداية إلى إبرام اتفاقيات مع الدول العربية، لا سيما الخليجية، لتحصل بموجبها على قواعد وتسهيلات عسكرية
"
أدى تراجع الدور البريطاني إلى تزايد الدور الأميركي في منطقة الخليج العربي، فسعت واشنطن منذ البداية إلى إبرام اتفاقيات مع الدول العربية، لا سيما الخليجية، لتحصل بموجبها على قواعد وتسهيلات عسكرية.

أرسى نيكسون في تلك المرحلة ما سميت بسياسة العمودين، وهي سياسة استهدفت دعم السعودية وإيران ليكون لهما دور فاعل في منطقة الخليج، ثم قامت واشنطن بعد ذلك بتوسيع قاعدة المساعدات لتشمل دول عربية أخرى، لكن الإدارة الأميركية ربطت هذه المساعدات بالمواقف السياسية من عملية السلام.

* العلاقة خلال الفترة من 1979 إلى 1990
مثلت محددات هذه الفترة امتدادا لمحددات الفترة السابقة، مع نزوع الدول النفطية إلى القيام بدور مؤثر مقابل تهميش الدور المصري بعد اتفاقية كامب ديفد.

وترافق هذا التغير داخل النظام العربي بتغيرات إقليمية وعربية، تمثلت أولا بالثورة الإسلامية في إيران، وبالحرب العراقية الإيرانية ثانيا، مترافقة مع تغير دولي كان عنوانه سياسة البروستريكا التي أقادها الزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف.

وترى المؤلفة أن هذه الأحداث دفعت واشنطن إلى إعادة رسم خارطة تغلغلها في المنطقة، فبدأت بالتأثير على مواقف الدول العربية من عملية السلام مع إسرائيل، عبر دعم مصر في استعادة دورها في النظام العربي، لما يشكل ذلك من خلق ظهير عربي لاتفاق السلام مع إسرائيل.

كما قامت الولايات المتحدة بتكثيف العلاقات العسكرية مع دول الخليج عبر زيادة حجم الأسلحة المباعة إلى هذه الدول، وعبر تشكيل قوات انتشار سريع لأي هجوم سوفياتي محتمل.

وترى المؤلفة أن هذه التطورات زادت من تبعية الدول العربية للولايات المتحدة من الناحية العسكرية، في ظل غياب هيئات عسكرية عربية.

* العلاقة خلال الفترة من 1990 إلى 2001
"
شهد العقد الخير من القرن العشرين تغييرا كبيرا في محددات علاقة النظام العربي بأميركا وذلك على نحو أثر في صور التغلغل الأميركي في النظام، وقد تمثل هذا التغيير في إقدام العراق على غزو الكويت, وفي قبول العرب التفاوض مع إسرائيل كدولة في مؤتمر مدريد
"
ترى المؤلفة أن هذه المرحلة شهدت تغييرا كبيرا في محددات علاقة النظام العربي مع الولايات المتحدة، وذلك على نحو أثر في صور التغلغل الأميركي في النظام، وقد تمثل هذا التغيير في إقدام العراق على غزو الكويت أولا، وفي قبول العرب التفاوض مع إسرائيل كدولة في مؤتمر مدريد.

أعطى هذا التغيير قدرا كبيرا من الحركة للولايات المتحدة في زيادة تغلغلها داخل النظام العربي، وتمثل هذا التغلغل في زيادة ارتباط النظام العربي عسكريا بالولايات المتحدة عبر مدخلين:

- تمثل الأول في إبرام اتفاقيات أمنية مع دول الخليج العربي، وإقامة قواعد عسكرية فيها، كما حدث مع الكويت والسعودية وقطر والبحرين.

- تمثل المدخل الثاني في طرح واشنطن عام 1998 فكرة نظام الدفاع الصاروخي المشترك بين الولايات المتحدة ودول الخليج الست.

* العلاقة خلال الفترة من 2001 إلى 2003
طرأ على محددات هذه الفترة قدر من التغير مقارنة بمحددات الفترة السابقة، فمنذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 تأكدت هيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي، وسعت إلى رسم مصير وتفاعلات العديد من النظم الإقليمية.

هذا التغير انعكس على نمط صور تغلغل الولايات المتحدة في النظام العربي، وذلك عبر إعادة طرح مشروع الشرق الأوسط، لإعادة رسم الحدود بين النظم الإقليمية، أو نحو تغيير النظم السياسية بالقوة العسكرية كما حدث مع العراق عام 2003.

وكان من نتائج الحرب على العراق تزايد الوجود العسكري في المنطقة بدرجة لم تكن سابقة من قبل، ولم تكن الدول العربية تقف موقف الرافض الصريح من التغلغل الأميركي في المنطقة باستثناء حالة العدوان على العراق.

تداعيات احتلال العراق على حدود النظام العربي
تؤكد المؤلفة أن احتلال العراق سهل على الولايات المتحدة تنفيذ الكثير من السياسات التي تهدف إلى إدماج وحدات النظام العربي في نظام شرق أوسطي تقع إسرائيل في القلب منه.

انصرفت واشنطن بعد احتلال العراق إلى إعداد الدول العربية للاندماج في النظام الشرق الأوسطي من خلال إحداث تغيير في النظم السياسية والاقتصادية على نحو يخلق قواسم مشتركة بينها وبين إسرائيل بما يسهل دمجها.

وترى المؤلفة أن مبادرة إقامة منطقة التجارة الحرة مع الشرق الأوسط عام 2003 تعبير واضح عن النوع الأول للسياسة الأميركية في المنطقة، فهذه المبادرة تهدف في طورها الثاني إلى إقامة علاقات تجارية بين دول المنطقة بما فيها إسرائيل، وهذا ما أكده الممثل التجاري الأميركي روبرت زوليك بقوله إن هذه المبادرة تهدف إلى جعل مسألة تطوير العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل ذات أولوية على القضايا الأخرى، بما في ذلك مسألة تسوية الصراع العربي الإسرائيلي، وذلك بهدف إحداث تغيير جوهري في السياسات العربية.

وكانت البحرين أول تجسيد فعلي لهذه المبادرة حين وقعت على اتفاق منطقة التجارة الحرة، ورفعت بموجبه الحظر على دخول البضائع الإسرائيلية، وإلغاء مكتب مقاطعة إسرائيل، ثم قامت مصر عام 2004 بتوقيع اتفاق المناطق الصناعية المؤهلة، الذي تصدر مصر بموجبه إلى السوق الأميركية المنسوجات بشرط أن تحتوى المنتجات المصدرة على مواد خام مصنعة في إسرائيل بنسبة 11%.

"
سمح احتلال العراق للولايات المتحدة ببناء جسور ثقة بين الدول العربية وإسرائيل، وكان المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يعقد سنويا في الأردن عنوانا ومدخلا لهذه السياسة
"
كما سمح احتلال العراق للولايات المتحدة ببناء جسور ثقة بين الدول العربية وإسرائيل، وكان المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يعقد سنويا في الأردن عنوانا ومدخلا لهذه السياسة.

وكانت أولى نتائج هذا المنتدى إقرار مشروع مد أنابيب مياه بين البحرين الأحمر والمتوسط لإحياء صحراء النقب الشرقية، وتمكين الأردن من توليد الكهرباء وتحلية المياه، وتتمثل أطراف المشروع في إسرائيل والسلطة الفلسطينية.

كما شهد المنتدى عام 2007 انطلاق مجلس رجال الأعمال الفلسطيني الإسرائيلي.

تؤكد مؤلفة الكتاب أن هذه السياسات تمثل تحديا كبيرا للنظام العربي، لأنها سمحت للولايات المتحدة بإعادة تعريف العلاقات بين الدول العربية من جهة، وبين هذه الدول والدول المحيطة من جهة ثانية، وما يعنيه ذلك في نهاية المطاف من إعادة ترتيب أولويات المصالح العربية بما يتفق مع إستراتيجية الأمن القومي الأميركي.

احتلال العراق وأمن النظام العربي
بات العراق بعد احتلاله مصدرا لتهديدات غير تقليدية، أي غير عسكرية، لأمن الدولة العربية، فقد أصبح العراق مصدرا لقوى تمارس الحرب تجاه حكومات المنطقة، إنها الحرب التي تقع بين الجماعات المسلحة والدولة.

مع استمرار المواجهات المسلحة في العراق بين التنظيمات الإرهابية والقوات العراقية والأميركية، اتجهت التنظيمات إلى إعادة ترتيب صفوفها وتجنيد عناصر جديدة من خلال خلايا جديدة يتم إنشاؤها خارج العراق.

باستثناء بعض دول الخليج التي شهدت حالات طفيفة من العمليات الإرهابية، تعتبر السعودية من أكثر الدول العربية تأثرا بخطر هذه التنظيمات، حيث تعرضت منذ احتلال العراق للكثير من الهجمات الإرهابية التي نفذتها خلايا تنظيم القاعدة والتي تنوعت أهدافها بين استهداف مجمعات سكنية واستهداف منشآت نفطية.

أما اليمن فيعتبر الدولة الثانية بعد السعودية التي تتعرض لهذا الخطر، حيث تنشط جماعة القاعدة وكتائب جند اليمن التي تستهدف المنشآت الحيوية والسياح الأجانب.

وفي المغرب العربي يعتبر المغرب والجزائر من أكثر الدول تأثرا باحتلال العراق، وإن كان مستوى هذا التأثر أقل من الذي تشهده السعودية، فقد شهد البلدان هجمات تتشابه كثيرا مع تلك التي تحدث في العراق والسعودية.

لم يؤد احتلال العراق إلى بزوغ تهديدات غير تقليدية ضد النظم العربية فحسب، بل أدى إلى إحداث خلل داخل النظام العربي برمته، حيث تغير نمط العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة والنظم العربية من علاقات خارجية إلى علاقات داخلية بعدما أصبحت واشنطن باحتلالها العراق جزءا من النظام العربي.

وترى المؤلفة أن النتيجة المباشرة لهذا التغير مزيد من اختلال ميزان القوى داخل النظام العربي الذي كان يؤدي دورا إقليميا فاعلا من جهة، وبين هذا النظام والولايات المتحدة من جهة ثانية.

"
لم يؤد احتلال العراق إلى بزوغ تهديدات غير تقليدية ضد النظم العربية فحسب، بل أدى إلى إحداث خلل داخل النظام العربي برمته، حيث تغير نمط العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة والنظم العربية
"
وكان من نتيجة هذا الخلل فشل النظام العربي في تأمين حدوده ضد هجمات الدول المحيطة، ففي السودان حدث تدخل من عدد من الدول الأفريقية في إقليم دارفور، وفي الصومال جرى تدخل من إثيوبيا التي أرسلت قوات إلى عمق الصومال، ناهيك عن العراق الذي يتعرض لتدخلات من كل حدب وصوب: إسرائيل في شماله تحت غطاء عمليات إعادة الإعمار، وتدخل سياسي وعسكري إيراني قوي، وضربات عسكرية تركية بين الفينة والأخرى على شمال العراق لملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني.

في ظل هذا الوضع تطالب مؤلفة الكتاب الدول العربية باتخاذ بعض الإجراءات لتقليص حجم الاختراقات الخارجية، ومنها:

* إعادة بناء الثقة على مستوى الدولة القطرية، أي بين مختلف الجماعات الإثنية، بما يضمن مفهوما متكاملا للمواطنة.

* إعادة بناء دوائر الثقة على مستوى إقليمي بين العراق ودول مجلس التعاون الخليجي، وبينه وبين باقي الدول العربية، وهذا من شأنه أن يحد من التدخل الإيراني في العراق.

* وجود رؤية عربية مشتركة للأمن وأن تكون ذات أبعاد متعددة، يعالج كل بعد منها ما يهدد أمن الأجزاء المتمايزة في النظام العربي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة