كان قصدنا خيرا   
الثلاثاء 1432/12/12 هـ - الموافق 8/11/2011 م (آخر تحديث) الساعة 14:36 (مكة المكرمة)، 11:36 (غرينتش)
عرض/ الصادق الفقيه

سبق للدبلوماسي بوزارة الخارجية الأميركية السيد بيتر فان بورين أن قال: "عندما غزونا العراق وتدخلنا في شؤونه قلنا إننا سنعيد إعمار البلاد. كانت المهمة هي بناء دولة ديمقراطية مستقرة في الشرق الأوسط تصلح لتكون شريكا للولايات المتحدة ومصدرا للنفط يبدد مخاوفنا من نقص النفط. كانت هذه هي الأهداف ويجب أن تقيس ما تم تحقيقه على أساسها".
 
-الكتاب: "كان قصدنا خيرا: كيف ساعدت في خسارة معركة الفوز بعقول وقلوب الشعب العراقي؟"
-المؤلف: بيتر فان بورين
-عددالصفحات: 288
-اللغة: الإنجليزية
-الناشر: متروبوليتان بوكس - هنري هولت آند كومباني
-الطبعة: الأولى: سبتمبر 2011
وقال في فقرة من كتابه الجديد "كان قصدنا خيرا: كيف ساعدت في خسارة معركة كسب قلوب وعقول الشعب العراقي؟"، يصف عشاء "عيد الشكر" في قاعة الطعام في إحدى القواعد الأميركية في ضواحي بغداد الجنوبية حيث كان يعمل: "لم يبد على أحد السعادة، لكن حصل الجميع على كمية كبيرة من الطعام لم يتم تناول سوى القليل منها". وذلك في إشارة ذكية وتلخيص مقتضب للجشع الذي ميز كل تجربة الاحتلال الأميركي للعراق.
 
فهو شاهد على ما حدث هناك، إذ عمل ضمن فريقين إقليميين لإعادة الإعمار تابعين للخارجية الأميركية، أحدهما فريق "الحرب العالمية على الإرهاب"، الذي تم إنشاؤه عام 2006 لتحويل تركيز الحرب الأميركية جزئيا إلى ما هو أبعد من فوهة البندقية، ويختص الفريق الثاني بإعادة الإعمار.
 
ويتكون الفريقان، اللذان كانا يتمركزان في قواعد عسكرية، من دبلوماسيين وأخصائيين من وزارة العدل والزراعة وشركات أمنية خاصة، وكان الجميع يتقاضون رواتب كبيرة، وإن كان يعوزهم الكفاءة المطلوبة لإنجاز المهمة، كما يقول المؤلف.
 
الكاتب والكتاب
عمل بيتر فان بورين -الذي ولد في مدينة نيويورك، ويبلغ من العمر 51 عاما- في السلك الدبلوماسي لمدة 23 عاما، وهو يتحدث اليابانية والماندرين الصينية والكورية. وتعاون لفترة طويلة مع الجيش في عدة مهام تنقلت به بين سول، وطوكيو، وهاواي، وسيدني، ومع الحلفاء من المملكة المتحدة، وأستراليا، وأماكن أخرى.
 
وحصل على جائزة الشرف لمساعدة الأميركيين في أعقاب زلزال هانشين في كوبي، على جائزة الشرف العليا لمساعدة ضحايا الاغتصاب الأميركي في اليابان، وجائزة أخرى للعمل في جهود الإغاثة في كارثة تسونامي في تايلند. واشترك في تدريبات ميدانية للقوات الخاصة الأميركية، في قاعدة كامب ليجون في ولاية نورث كارولينا، لمحاكاة جغرافية العراق. ومن ثم، تطوع للخدمة في العراق، وأسندت إليه مهمة العمل مع فريق إعادة الإعمار الموحد في الفترة بين 2009 و2010.
 
قال بورين في عنوان الكتاب: "كان قصدنا خيرا: كيف ساعدت في خسارة معركة كسب قلوب وعقول الشعب العراقي؟" كل شيء. فهو في جوهره وصف لتجربته وطرح وجهات نظره حول تأثير الحرب على العراقيين في المنطقة الوسطى حيث كان يعمل.
 
وهو يشبه في هذا كتاب "جوزيف هيلر"، الذي جاء بعنوان: "كاتش 22"، والذي أرخ للسخافات في الحياة العسكرية الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية، وقد نظر الأميركيون لكتاب فان بورين في سياق مماثل. فهو قد تلبسته حالات متناقضة من الفرح بالانتصار، ولكن روعته مناظر ما رأى من فظائع أوجعت قلبه. حيث تحدث حول الرعب والحماقات الكثيرة، وطبيعة الحياة في منطقة منعزلة، وفي بلد ممزق سياسيا، والفقراء يائسون، والدولة تكافح من أجل التعافي من حروب الخليج المتعاقبة.
 
"
الكتاب دعوة لليقظة على أمل أن يبدأ الأميركيون في فهم الطرق، التي استخدمت بها أموال دافعي الضرائب، والتي كسبوها بصعوبة، وكيف أنها صرفت في مشاريع غير ذات فائدة في مرحلة ما بعد غزو العراق
"
لقد سطر بورين ملاحظاته في الكتاب بشكل جيد وسخرية لاذعة. واتسم بصدق كبير، على الرغم من أنه تم تغيير الأسماء لحماية الأبرياء من أن يمسهم سوء. ولم يكن قصده -كما يقول- تملقا، أو استجداء رؤسائه لمنحه فرصة رحلة أخرى إلى المنطقة، التي لا تزال جزءا لا يتجزأ من مشروع الحرب الأميركية على ما تسميه بـ"الإرهاب"، أو عقد صفقة مربحة على المدى القصير لتحقيق القيم الأميركية، أو تربية الدجاج، أو السباكة في العراق.
 
بل كان كتابه بمثابة دعوة لليقظة على أمل أن يبدأ الأميركيون في فهم الطرق، التي استخدمت بها أموال دافعي الضرائب، والتي كسبوها بصعوبة، وكيف أنها صرفت في مشاريع غير ذات فائدة في مرحلة ما بعد غزو العراق. تلك المشاريع التي تم تصميمها وتنفيذها من قبل أميركيين، هم في كثير من الأحيان غير مؤهلين، أو جاهزين، لهذه المهمة، وإعطائها إلى الجيش الأميركي ليشيد بها قلاعا محمية جيدا لقواته، وهي محكومة باعتبارات ومقاييس حماية أصبح لزاما عليها توظيفها.
 
ووفقا لبورين، استلزمت هذه المقاييس، الإنفاق من هذا المال قدر المستطاع، وفي أقصر وقت ممكن. وفي هذا، كررت أميركا تجربة حرب فيتنام، التي لم تكن حربا واحدة، بمقاييس الحروب العادية، وإنما ثماني حروب، لتعدد جبهات الصرف والمقاومة. إذ خسر الأميركيون القلوب والعقول، ولم يكن تدخلهم يشبه تجربتهم في الحرب العالمية الثانية حيث استقبلتهم أوروبا الغربية موحدة، واحتضنت القوات الأميركية بالورود وأمطرتهم بالقبلات.
 
الانتحار المهني
يبدأ فان بورين كتابه بقصة وصول شاحنة مليئة بما قيمته 88 ألف دولار من الترجمات العربية لكتب أميركية، مثل "توم سوير"، و"بيت غيبل السبعة" و"موبي ديك" وغيرها. وقد أمرت هذه المجموعة خلال سنوات نشوة إدارة بوش ببناء الديمقراطية ونسيت طويلا، ولكنها وصلت فجأة من الأردن أمام ناظري فان بورين. وكانت للأسف بلا فائدة لأن المناهج العراقية، في اعتقاده، مركزية للغاية.
 
والأدهى أن لا أحد في مشروع إعادة الإعمار يعرف ماذا يفعل بهذه الكتب، وحتى في عام 2008، لم تكن الكتب عن أميركا، والأدب الأميركي، ونموذج الحكم الديمقراطي، لتحل محل الحاجة الأساسية لمياه الشرب، وتشغيل شبكات الصرف الصحي، وجمع القمامة، والكهرباء. الأشياء التي وضعها فريق مشروع إعادة الإعمار لأنفسهم وللعراقيين كانت قبل عام 2003، ولكن لم تعد موجودة بعد ذلك.
 
ولم تخلو استفسارات بورين هي الأخرى من سخرية، إذ نجده يسأل: إذا كُلفت بإعادة إعمار العراق، هل ستنفق أموال دافعي الضرائب على لوحة جدارية رياضية في أكثر أحياء بغداد خطورة لتعزيز المصالحة عن طريق الفن؟ وكيف بمصنع الحليب معزول لا يمكنه توصيل الحليب إلى السوق؟ أو تدريب النساء على عمل المعجنات لفتح مقاه في شوارع تعرضت للقصف ومن دون ماء أو كهرباء؟
 
ووفقا لبورين، نظمت أميركا كل هذه المشاريع، وأكثر من ذلك، في أغلى حملة كسب للقلوب والعقول منذ خطة مارشال. ويصف بورين هذه المشاريع بأنها "انتحار مهني". لهذا، يعتبر كتاب "كان قصدنا خيرا" شاهد عيان، من الجانب المدني، على الزيادة "السريالية"، في محاولة هزيمة الإرهاب وكسب العراقيين وإعادة بناء العالم الذي دمرناه تماما.
 
قاد بورين فريق وزارة الخارجية لإعادة إعمار المحافظات في مهمته الوهمية، وفصل بسخرية لاذعة، تعامله لعام كامل مع مشاريع لا طائل من ورائها، مع الحساسيات البيروقراطية، وطغيان الجنود، وغفلة الإداريين المنعزلين في السفارة الأكبر في العالم، الذين لا يدركون أنه لا يمكنك إعادة بناء البلاد دون إزالة آثار الدمار الذي أحدثه الغزو.
 
"
سخر بورين من توزيع القليل من المساعدات الإنسانية لتكون فرصة لالتقاط صور كانت تسمح للقادة بالتفاخر في التقارير الخاصة بالتقدم
"
المساعدات مقابل الصور
لقد سخر بورين من توزيع القليل من المساعدات الإنسانية لتكون فرصة لالتقاط صور كانت تسمح للقادة بالتفاخر في التقارير الخاصة بالتقدم.
 
وجاء أيضا في الكتاب: "كان ينبغي أن يحرق فريق إعادة الإعمار الصور التي التقطت للمشهد نفسه والتي كانت تصور جوا وهو يبتسم بينما يعطي طفلا عراقيا دمية. فإذا كان المصور ابتعد بعدسته قليلا لكانت ستظهر الوجوه العراقية التي تعلوها الكآبة كلما كان عمر صاحبها أكبر، مقابل كل طفل في الثالثة من العمر يبتسم.
 
وأشار إلى أن الأميركيين لم يكونوا يدركون ما سببه الغزو من عدوانية انتشرت بين العراقيين الذين كانوا يحاولون مساعدتهم. عندما منح فريقه شجرة صغيرة لأحد المزارعين، بصق على الأرض، وقال: "لقد قتلتم ابني والآن تعطونني شجرة؟".
 
وتضمنت إحدى الاتهامات الخطيرة التي وجهها بورين إهدار نحو 63 مليار دولار، أو أكثر، في عملية إعادة الإعمار. وسجل المفتش العام الخاص بإعادة الإعمار في العراق تجاوزات تقدر بمليارات الدولارات، لكن الكتاب يزخر بمشاريع محددة صغيرة لم يحفل بها المفتش العام.
 
ومن ضمن الأمثلة الكثيرة التي أوردها بورين منح الأرامل أغناما "كانت تذهب إلى شيخ قبيلة فاسد"، وشراء 25 وحدة متنقلة لتنقية المياه مقابل ثلاثة ملايين دولار، لكن تبين في ما بعد أنها لا تناسب درجة الملوحة الشديدة للمياه في العراق.
 
المهمة الأصعب
إن العمليات السيكولوجية للجيش الأميركي، أو ما يعرف بـ"الاتصالات الإستراتيجية"، تجاه جميع وسائل الإعلام، صممت بشكل ينسجم تماما مع غزوات البنتاغون، على الأقل، في السنوات الأولى بعد الحرب. هذا على الرغم من افتقار الجيش التام للخبرات والكفاءات.
 
فبعد أن وصف طبيعة العقود، وشرح ذلك على اعتبار أن الدبلوماسية العامة تعتمد على المعلومات اللازمة، التي تكون صادقة ومحددة المصدر، وأنه نتيجة لذلك، كان الجيش لا يفعل الدبلوماسية العامة للحكومة الأميركية لكنه كان يُدفع للقيام بالعمليات السيكولوجية، أو العمليات النفسية للبنتاغون، أي أنه كُلف بالقيام بشيء ليس من عادة الجيوش فعله في ميادين القتال.
 
جاء وصف بورين لنهج الجيش في التعامل مع وسائل الإعلام المعادية بأنه "لا يمكنه القيام بأي شيء، في أي مكان، وفي أي وقت". فالجيش الأميركي، كما قال، "دفع ثمن وتوزيع الصحيفة الخاصة به "أخبار بغداد" ولسنوات على الرغم من امتلاكها لعدد قراء قريب من الصفر".
 
فقد تم تكليف الجنود بتوزيع نسخ من الصحيفة أثناء قيامهم بدورياتهم. وفي الوقت نفسه، فإن مشروع إعادة الإعمار "دفع لمحامين محليين لكتابة مقالات للصحف المحلية في مجال تعزيز حرية الصحافة دون الكشف عن أن الكتاب كانوا يمولون من قبل الولايات المتحدة".
 
سقطات الدبلوماسية
لقد سخر بورين من كل شيء، فجاء كتابه صادما رغم طرافته، فهو يعبر عن التقاطع بين الحياة الحقيقية وبين البرقيات الإخبارية، و"كاتش 22" و"الأميركي القبيح".
 
وهو لا يسخر من الجيش وجنوده والإداريين البيروقراطيين فحسب، بل يسخر حتى من محاولات السفير الأميركي في بغداد زراعة عشب في مجمع السفارة الممتد على جانب نهر دجلة، التي وصفها بأنها لا طائل من ورائها، وشبهها بمحاولات سيزيف اليائسة عندما كتب يقول: "بغض النظر عما تريده الطبيعة، أو يريده العراق، فقد أنفقت السفارة الأميركية الكثير من أجل زراعة عشب أخضر في الصحراء. إذ تم نقل نخلات باسقات مكتملات النمو وزراعتها لتشكل مربعا عشبيا. لقد أردنا أن تكون الأمور في العراق على النحو الذي نبتغي، حتى وإن كان ذلك على حساب نقص المياه في باقي أنحاء البلاد. العشب كان مجازا مثاليا عن الحرب".
 
"
كتاب بورين يحمل نظرة سوداوية ومضحكة، ولكنه جاد جدا في حقيقة ما روى، فهو رحلة تراجيدية كوميدية للحماقة والفساد يصيب من يطلع عليه بالفزع وخيبة الأمل، ولكنه سيجعل القارئ أكثر حكمة
"
الخاتمة
نظر الكثيرون حول العالم للحرب، التي تمخضت عن احتلال العراق، على أنها غزو عسكري قامت به الولايات المتحدة الأميركية للسيطرة على نفط العراق، أو في الحد الأدنى ضمان انسيابه إلى الغرب دون عوائق.
 
ودافع مثل هذا الاعتقاد يعود إلى إدراك المراقبين أن السبب الذي ساقته واشنطن لشن تلك الحرب، وهو مكافحة الإرهاب، لم يكن مقنعا لأحد، ولم يكن منطبقا على العراق من قريب، أو بعيد. بل إن الشك ظل يساور حتى الدبلوماسيين الأميركيين، الذين عهدت إليهم أعباء إدارة دفة الأمور في العراق المحتل.
 
إن كتاب بورين يحمل نظرة سوداوية ومضحكة، ولكنه جاد جدا في حقيقة ما روى، فهو رحلة تراجيدية كوميدية للحماقة والفساد يصيب من يطلع عليه بالفزع وخيبة الأمل، ولكنه سيجعل القارئ أكثر حكمة. إذ رغم تفنيد البعض لوجهة نظر بورين القاتمة عن الفرق المكلفة بإعادة الإعمار في العراق، فإن شهادته تصلح لأن تكون تلخيصا لتاريخ فرق إعادة الإعمار والحرب معا.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة