العَلَم الأميركي البغيض   
الاثنين 1431/4/7 هـ - الموافق 22/3/2010 م (آخر تحديث) الساعة 13:53 (مكة المكرمة)، 10:53 (غرينتش)

عرض/نبيل السهلي

يحاول الكتاب توصيف العلاقة الدقيقة والمتشعبة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، كما يذهب عبر فصوله الخمسة إلى أبعد من ذلك ليفكك آليات تدخل اللوبي الصهيوني في صناعة القرار الأميركي واستمالته إلى جانب الإستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى دعم الأهداف العليا، وذلك من خلال محاولات اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الإبقاء على انسياب الأموال الأميركية باتجاه إسرائيل من خلال استمالة المشرعين الأميركيين في الكونغرس إلى المواقف الإسرائيلية، وبالتالي الارتقاء في القدرة الإسرائيلية لجهة ارتكاب المجازر ضد العرب ومحاولة التوسع في عمق المنطقة العربية.

-الكتاب: العلم الأميركي البغيض
-المؤلف: سهيل داود الفلاحي
-عدد الصفحات: 200
-الناشر: دار الشجرة, دمشق, سوريا
-الطبعة: الأولى/ 2010
وقد استطاع اللوبي الصهيوني المنظم في الولايات المتحدة رسم علاقة إستراتيجية، وباتت إسرائيل الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، ومرد ذلك تداخل وتشابك المصالح بينهما وبشكل خاص بعد عدوان الخامس من حزيران في عام 1967، حيث تلعب إسرائيل منذ ذلك التاريخ دوراً إستراتيجياً في إطار المصالح الأميركية الشرق أوسطية.

إضافة إلى ذلك سعى الكتاب إلى إظهار دور الهجرة اليهودية وأبعادها، وحاول في نفس الوقت تزييف التاريخ الفلسطيني كمقدمات أساسية للسيطرة على الأرض الفلسطينية باعتبارها خطوة لجهة تعزيز الوجود الصهيوني في فلسطين وتثبيته بدعم غربي وخاصة من قبل الإدارات الأميركية المتعاقبة.

الصهيونية وصناعة القرار الأميركي
يؤكد الكاتب في الفصل الأول والثاني أن شراء المواقف وعقد الصفقات بين ذوي المصالح الخاصة ورجال الإدارة والكونغرس أمر شائع في إطار المناخ الأميركي، ومن هنا كان المنفذ للوبي الصهيوني ومؤسساته المختلفة للتأثير على أعضاء الكونغرس الأميركي بشقيه الشيوخ والنواب واستمالتهم للمصالح الإسرائيلية، حيث استعملت المؤسسات الصهيونية الأميركية –مثل الإيباك- سياسة الترهيب والترغيب في سياستها المشار إليها، ناهيك عن التأثير الصهيوني في مجموعة الضغط الأميركية من أجل تحقيق أهداف الإيباك الداعمة لإسرائيل، وتوجيه بوصلة السياسة الأميركية والتحكم في مقودها لصالح دعم إسرائيل سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

وقد دلل الكاتب على خضوع الكونغرس الأميركي خلال فترات مختلفة، حيث بارك الكونغرس وعد بلفور في عام 1917، ودعم مشروع لودج في عام 1922 لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ويمكن إضافة العديد من صور الدعم الأميركي لإسرائيل، في المقدمة منها المساعدات الأميركية المالية والعسكرية والتي بلغت قيمتها التراكمية الإجمالية نحو 154 مليار دولار أميركي منذ عام 1948، منها (60%) على شكل مساعدات عسكرية لدعم الآلة العسكرية الإسرائيلية وتطويرها.

كما أنه يمكن توضيح موقف الإدارات الأميركية المتعاقبة من خلال ما تقدمه الولايات المتحدة من مساعدات طارئة لإسرائيل لدعم أمواج الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة، ناهيك عن السعي الأميركي الدائم لإسقاط مشروع أي قرار يدين المجازر الإسرائيلية ضد الفلسطينيين والشعوب العربية في أروقة الأمم المتحدة، والقفز إلى الأمام عبر التبرير الأميركي الجاهز لأي عدوان إسرائيلي على الدول العربية، وهذا ما حصل فعلاً في عام 2006 أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان، وكذلك إبان العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في نهاية عام 2008 وبداية العام المنصرم 2009 حيث بررت الولايات المتحدة الأميركية المجازر الإسرائيلية في القطاع والتي ذهب ضحيتها (1400) شهيد فلسطيني، إضافة إلى نحو خمسة آلاف جريح.

أميركا والذرائعية والقطب الواحد
"
تعتبر العقوبات الاقتصادية الأميركية إحدى السياسات للضغط على الدول والوصول إلى الأهداف الاقتصادية الأميركية العليا في مختلف مناطق العالم منذ بداية التسعينيات من القرن المنصرم
"
في الفصلين الثالث والرابع من الكتاب أسهب الكاتب في تشخيص القطب الأميركي الأوحد بعد انهيار جدار برلين وتفكيك دول الاتحاد السوفياتي السابق، ويرى الكاتب أن الخارطة الجديدة تغيرت منذ بداية التسعينيات من القرن العشرين، حيث أقدمت الولايات المتحدة الأميركية بعد انهيار المعسكر الشرقي على رسم خطوط سياستها بدقة لضمان هيمنتها الأحادية، خاصة في ظل تراجع النفوذ الفرنسي والبريطاني في الساحة الأفريقية وغيرها من الساحات الدولية، نظراً لما تتمتع بعض الدول وخاصة الأفريقية منها بثروات وطاقات واعدة، شأنها في ذلك شأن دول الشرق الأوسط التي تستحوذ على النسبة الكبرى من مصادر الطاقة كالنفط والغاز على سبيل المثال لا الحصر.

ويشير الكاتب إلى أن العقوبات الاقتصادية الأميركية تعتبر إحدى السياسات للضغط على الدول والوصول إلى الأهداف الاقتصادية الأميركية العليا في مختلف مناطق العالم منذ بداية التسعينيات من القرن المنصرم.

وأوضح الكاتب مثالاً لا لبس فيه على تلك السياسة، يتمثل بالعقوبات التي فرضت على العراق منذ زمن ثم غزوه في ربيع عام 2003، وفي هذا السياق تشير تقارير دولية إلى امتلاك العراق لنحو (12%) من إجمالي احتياطي النفط في العالم، في حين تساهم الدول العربية بنحو ثلث الإنتاج العالمي للنفط، وتستأثر بنحو (60%) من احتياطي النفط العالمي حسب التقارير الاقتصادية العربية الصادرة منذ عام 1988 وحتى عام 2009 عن صندوق النقد العربي في أبو ظبي وبعض الهيئات المالية العربية الأخرى.

ولفت الكاتب أيضاً إلى أنه إضافة إلى الأهداف الاقتصادية للحرب الأميركية على العراق، ثمة أهداف أخرى غير معلنة أيضاً، وفي المقدمة منها تقويض القوة العسكرية العراقية على نحو أخل بالتوازن العربي الصهيوني، وليخلو لإسرائيل بعد ذلك التفوق الإقليمي في مواجهة فراغ عربي، خاصة في ظل امتلاكها للخيار النووي المدعوم أميركيا بحجة الهواجس الأمنية من المحيط العربي.

أميركا والخيبات العربية
يفند الفصل الأخير من الكتاب الخيبات العربية من الولايات المتحدة الأميركية، حيث كانت البداية في عام 1948، وهو العام الذي أنشئت فيه إسرائيل على القسم الأكبر من فلسطين، وتمً فيه طرد غالبية الشعب الفلسطيني بقوة المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، حيث اتخذت الولايات المتحدة منذ الساعات الأولى للإعلان عن إنشاء الكيان الصهيوني موقف الداعم له في كافة المجالات، متجاهلة بذلك الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني صاحب الأرض الشرعي، ويستطرد الكاتب مؤكداً تعاقب خيبات العرب المتتالية من الإدارات الأميركية منذ عام 1948 بسبب مواقفها المنحازة والداعمة لإسرائيل وسياساتها التوسعية.

"
تسعى أميركا إلى فرض خارطة سياسية واقتصادية جديدة في المنطقة لتكون إسرائيل فيها دولة طبيعية, وذلك عبر طرح مشاريع أميركية؛ تارة بمسمى الشرق الأوسط الجديد وتارة الشرق الأوسط الكبير
"
الأمر الذي عزز التوجهات الإسرائيلية في محاولة تشويه التاريخ الفلسطيني للانقضاض على ما تبقى من أرض للفلسطينيين، وبناء مزيد من المستوطنات عليها، وفرض الواقع الديموغرافي اليهودي من خلال رفع وتيرة الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة والاستفادة من المساعدات الأميركية السخية لإسرائيل التي تصل سنوياً إلى أكثر من ثلاثة مليارات دولار أميركي.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الدعم الأميركي لم يتوقف على المساعدات المالية المباشرة وكذلك إسقاط مشروع أي قرار يدين المجازر الإسرائيلية وعدوانها المستمر على المنطقة العربية، بل ذهبت الولايات المتحدة الأميركية إلى أبعد من ذلك محاولة فرض خارطة سياسية واقتصادية جديدة في المنطقة لتكون إسرائيل فيها دولة طبيعية رغم احتلالها للأرض العربية وطردها لأصحابها الفلسطينيين منها بقوة المجازر، وذلك عبر طرح مشاريع أميركية، تارة بمسمى الشرق الأوسط الجديد وتارة الشرق الأوسط الكبير.

استنتاجات
من خلال ما تقدم في فصول الكتاب المختلفة يمكن تسجيل الاستنتاجات التالية:

1- يسعى اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة إلى الإبقاء على انسياب الأموال الأميركية باتجاه إسرائيل من خلال استمالة المشرعين الأميركيين في الكونغرس إلى المواقف الإسرائيلية بوسائل شتى.

2- يمكن القول بأن عقد الصفقات بين ذوي المصالح الخاصة ورجال الإدارة والكونغرس أمر شائع في إطار المناخ الأميركي.

3- تبرز العقوبات الاقتصادية الأميركية كإحدى السياسات للضغط على الدول والوصول إلى الأهداف الاقتصادية الأميركية العليا في مختلف مناطق العالم منذ بداية التسعينيات من القرن المنصرم.

4- إن امتلاك العراق لنحو (12%) من إجمالي احتياطي النفط في العالم جعله عرضة للاحتلال الأميركي في ربيع عام 2003.

5- توالت الخيبات العربية من الولايات المتحدة الأميركية، حيث كانت البداية في عام 1948، وهو العام الذي أنشئت فيه إسرائيل على القسم الأكبر من فلسطين، حيث اتخذت الولايات المتحدة منذ الساعات الأولى للإعلان عن إنشاء الكيان الصهيوني موقف الداعم له في كافة المجالات.

أهمية الكتاب
"
تكمن أهمية الكتاب في تفكيكه لآليات العلاقة الأميركية الإسرائيلية، حيث للوبي اليهودي في أميركا الدور الأكبر في استمالة مواقف الإدارات الأميركية إلى جانب إسرائيل وتعزيز استمراريتها كدولة غاصبة للحقوق العربية
"
تكمن أهمية الكتاب في تفكيكه لآليات العلاقة الأميركية الإسرائيلية، حيث للوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية الدور الأكبر في استمالة مواقف الإدارات الأميركية إلى جانب إسرائيل وتعزيز استمراريتها كدولة غاصبة للحقوق العربية في فلسطين وفي الجولان وجنوب لبنان، ناهيك عن التمويل الأميركي للعدوان الإسرائيلي بأشكال مختلفة، والذي لم يتوقف، من خلال الإبقاء على الدعم الأميركي في مستويات مالية وعسكرية وسياسية وبشكل خاص في المنظمات الدولية لإسقاط مشروع أي قرار يدين العدوان الإسرائيلي المستمر على الشعوب العربية، وتبعاً لذلك تبدو إسرائيل وكأنها ولاية من الولايات الأميركية، وأمنها يوازي أمن تلك الولايات لدى صانع القرار الأميركي.

ويبقى القول بأن إسرائيل ومنذ نشأتها في الخامس عشر من مايو/أيار عام 1948 اعتمدت في استمرار وجودها على حليف قوي في إطار العلاقات الدولية، فاعتمدت في البداية على بريطانيا وفرنسا، وبعد عدوان إسرائيل على الدول العربية في حزيران من عام 1967 بات الحليف الإستراتيجي الولايات المتحدة الأميركية.

وبهذا المعنى يمكن القول بأن إسرائيل ليست عبئاً على الولايات المتحدة الأميركية، بل هي ذخر إستراتيجي لها في منطقة الشرق الأوسط عموماً وفي المنطقة العربية على وجه الخصوص، حيث تزخر هذه المنطقة بطاقات هائلة وعلى رأسها النفط والغاز، فحماية إسرائيل واستمرارها مصلحة أميركية من الطراز الأول.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة