"انتفاضة" الطالبي الثالثة   
الأربعاء 24/8/1431 هـ - الموافق 4/8/2010 م (آخر تحديث) الساعة 11:52 (مكة المكرمة)، 8:52 (غرينتش)

عرض/ عدنان المنصر

يعد هذا الكتاب هو الثالث للمؤرخ التونسي المختص في الفترة الوسيطة الدكتور محمد الطالبي، بعد كتابه الأول "ليطمئن قلبي" والثاني "الإسلام ليس حجابا"، وهي كتب أطرها صاحبها في باب "تجديد الفكر الإسلامي".

من الضروري الإشارة هنا إلى أن هذا الكتاب قد ألف في خضم العدوان الأخير على غزة. من هنا نفهم تركيز الطالبي على محاولة فهم العنف الصهيوني من خلال دراسة العهد القديم، واستخلاص أن الهمجية الإسرائيلية نابعة من ثقافة مترسخة في التركيبة البشرية والثقافية اليهودية، بمنطوق النصوص المقدسة لدى اليهود، ناقلا بذلك الجدل الذي ركزت فيه بعض الأوساط على الطبيعة العنيفة والعدوانية للمسلمين، تلك الطبيعة التي وقع تأصيلها بانتقاء بعض النصوص وإخراجها من إطارها بسوء نية واضحة، حسب الدكتور الطالبي.

-الكتاب: "انتفاضة" الطالبي الثالثة
-المؤلف: د. محمد الطالبي
-عدد الصفحات: 250
-الناشر:
الطبعة: الأولى/ 2010
لا يمكن لمن قرأ للدكتور الطالبي وعايش تحولات مسيرته في السنوات الأخيرة ألا يلاحظ اتجاه الرجل البات نحو قطع جسور عديدة، من خلال هذه الكتابات وغيرها مما صدر في الصحف والمجلات الأجنبية إلى الحد الذي يبدو معه أنه قد نفض يديه من كل "الأوهام"، التي تعايش معها طيلة مسيرته الأكاديمية والعلمية، بل وحتى السياسية.

هذا الأمر يبدو بوضوح أكبر في كتابه الأخير، إنه تعبير عن ضجر، عن خيبة أمل، عن يأس من إحداث أي تأثير لدى الرأي العام الغربي تجاه قضية فلسطين وكل القضايا الإسلامية الأخرى، وهو أمر دفع به لاستقراء الكتب المقدسة المؤسسة للفكر اليهودي/المسيحي، لمحاولة اكتشاف جذور ذلك الموقف الأورو/أميركي والصهيوني.

أن يصل الدكتور الطالبي إلى هذه القناعة، وهو الذي كان من مؤسسي الحوار الإسلامي المسيحي، الذي خصص له جانبا هاما من إنتاجه الفكري ونشاطه الميداني ومن مسيرته الأكاديمية، فهذا دليل على أن شيئا ما هاما قد حصل في داخله، فأثاره وجعله أخيرا يحسم أمره: إنها غزة ومحرقتها الأخيرة.

يعطي الدكتور الطالبي منذ مقدمة كتابه فكرة عن درجة اليأس التي وصل إليها من رؤية النظرة الغربية للإسلام والمسلمين تتغير. ويعبر عن بعض ندم بسبب المغالطة التي قد يكون وقع ضحيتها: "أما الحوار المعسول الذي انخرطت فيه جسدا وروحا، فقد اتضح أنه احتقار وغش" (ص 5).

تخدير الشعوب
"لقد أقنعني خطاب البابا بونوا (بنديكت) السادس عشر في راتيسبون (سبتمبر/أيلول 2006) بأنه لم يعد هناك من حاجة للإلحاح... لقد عضضت طعم الحوار" (ص 14). هكذا إذن، فقد كان المحاورون المسيحيون جزءا من لعبة أكبر، "رجال دين مبرمجين للحديث المعسول في شؤون التسامح والأخوة، مجرد أطباء تخدير، يهيئوننا للعملية الكبيرة والنهائية عن طريق حقننا بمخدر الحوار" (ص 135).

لم يتغير شيء منذ وقت طويل، ولا فائدة من التعداد الممل للأمثلة بحسب المؤلف. يستحضر الدكتور الطالبي حرب الجزائر وأحداث القمع الاستعماري والإبادة التي تعرض لها مئات الآلاف من الجزائريين.. يستذكر أحداث سطيف وقالمة في مايو/أيار1945 التي عايشها كمجند شاب في الجزائر، ويرى أنه لم يتغير شيء بالفعل في تعامل الغرب مع المسلمين، الذين جاؤوا في كل مرة لتمدينهم وإدخالهم الحضارة من بابها المضرج بالدماء، مثلما فعلوا قبلها بقبائل الهنود الأميركيين.

لا شيء تغير، هي خلاصة قاسية: "أعرف هذا الأمر جيدا. لقد ولدت أهليا, ذلك الحيوان المميز لبلاد البربر... جاء الغرب اليهودي/المسيحي، مسلحا بسيف يسوع وبالعهد القديم لتمديننا, لكننا لم نكن معترفين بالجميل، فأرهبنا أولئك الذين جاؤونا بالحضارة.

"
طالما أن منبع الفكر الغربي تجاه الإسلام والعرب هو نفسه فإن تلك النظرة لن تتغير، ولا أمل في رؤيتها تتطور، وإذا ما بدا لنا أنها تتطور فإن ذلك يكون نابعا إما من سوء فهم من جانبنا، أو من تقاسم أدوار لا يغطي الهدف النهائي
"
كانت جبهة التحرير الوطني أبشع تنظيم إرهابي، وقد عملت فرنسا -رأس حربة الغرب اليهودي/المسيحي في بلاد البربر- كل ما في وسعها لتطهير البلاد من الإرهاب، فقتلت مليون إرهابي في الجزائر الفرنسية، ولم تألُ جهدا في استعمال أي وسيلة تعذيب، وذلك من أجل الخير، ولتحقيق المحبة والرحمة التوراتية" (ص 8).

هنا لب المسألة في نظر المؤلف: طالما أن منبع الفكر الغربي تجاه الإسلام والعرب هو نفسه، فإن تلك النظرة لن تتغير، ولا أمل في رؤيتها تتطور، وإذا ما بدا لنا أنها تتطور فإن ذلك يكون نابعا إما من سوء فهم من جانبنا، أو من تقاسم أدوار لا يغطي الهدف النهائي.

الفكر الغربي فكر ديني حتى في صميم اللائكية (ص 76)، تلك أهم خلاصة يمكن الخروج بها، كما يقول المؤلف، من خلال مطابقة التجربة التاريخية بالنصوص المقدسة اليهودية/المسيحية، وطالما أنه كذلك فإنه ينبغي "تنبيه الأمة" حتى لا تقع مرة أخرى مجددا ضحية المغالطة والتشويه: "هذا الكتاب موجه للأمة حتى تتذكر" (ص 9).

يغوص الطالبي في نصوص العهد القديم بالخصوص، ذلك أنه منبع للتوراة والإنجيل اللذين يفترض في المسيحيين واليهود العمل بهما. لا يتعلق الأمر هنا بممارسة دينية طقوسية لمعتقدات دينية، وإنما بممارسة ثقافية.

فالعهد القديم -في نظر المؤلف- لم يؤسس لديانة بقدر ما أسس لثقافة، وهي ثقافة تقوم على تمجيد العنف، وتنتقل به إلى أقصى درجات الهمجية غير المبررة سوى بالنظرة العنصرية والتلذذ بالإبادة.

يورد الطالبي استشهادات مطولة من العهد القديم ليبين أن النص المؤسس حقيقة للإرهاب إنما هو العهد القديم، وليس القرآن، مركزا في الوقت نفسه على تناول بعض القضايا التاريخية للعهد الإسلامي الأول (قريظة وغيرها)، وبعض الآيات والسور القرآنية (التوبة خاصة)، لإعادة رسم مميزات الظرفية التاريخية، وتنسيب الأمور، مما يفضح التشويه المقصود لمثقفي الغرب عندما يتحدثون عن هذه المسائل.

يبدو يهوذا وخليفته يسوع إلهين دمويين وهمجيين مثل آلهة التاريخ السحيق، ينزلان ساحات المعارك لقتال الآخرين "الأغراب" بعد أن يكونا قد منحا بركتهما لعملية الإبادة غير المبررة. ما الذي يبرر كل العنف الموجود في العهد القديم وبعده في العهد الجديد؟ لا شيء سوى الرغبة في التشفي من شعوب أكبر ذنوبها أنها لا تنتمي للأمة المختارة.

عندما يحلل الطالبي طبيعة الحروب الغربية ضد الشعوب الأخرى، وخاصة الشعوب الشرقية، يهوله حجم العنف وأعداد القتلى المرتفعة إلى الحد الذي تبدو معه الإبادة هدفا لذاتها. غزة، من هذا المنطلق، ليست سوى حلقة في سلسلة دموية سادية، تماما مثل حلقة غزو أميركا من طرف الإسبان، أو الجزائر من طرف الفرنسيين، وقبل ذلك الشرق من طرف الإسكندر المقدوني.

محرقة غزة
"
ليس في الغرب محاور نزيه يملك من الأمر شيئا، وإن وجد فإن حضوره هامشي لا يكاد يزن في الواقع شيئا أو يغير اتجاه سياسة حددتها نفسية وثقافة أسستا منذ نصوص العهد القديم
"
ليست محرقة غزة أيضا سوى تكرار لمحرقة التوراتيين ضد الكنعانيين منذ قرون عديدة: في العهد القديم يجد الطالبي تأسيسا "لأول نموذج للعنصرية الأكثر بشاعة التي يمكن لمخيال بشري أن يتصورها: يهوذا أكبر مجرم في تاريخ البشرية، أقر بواسطة الجريمة شعبه المختار على أرض عمل قبل ذلك على إبادة سكانها، دون مبرر ولا حاجة لذلك، فقط من أجل لذة القتل" (ص 74).

الإبادة عنصر في الثقافة الغربية ترمز إلى الشعور بالتفوق، وهو أمر أكثر التركيز عليه مؤرخ الحروب في الفترة القديمة الأميركي فكتور دافس هانسون. وككل عنصر مكون للثقافة السحيقة، فإن تغييره ليس أملا واقعيا. الحل يكمن عوضا عن ذلك في عدم ترك المجال لأن يطبق ذلك علينا، بفرض احترامنا على الآخرين، باكتساب مقومات القوة التي تمنع الغرب من مهاجمتنا لإبادتنا، لإحداث توازن رعب يمنح وجودنا الأمن، ذلك ما يعتقده الطالبي.

ليس في الغرب محاور نزيه يملك من الأمر شيئا، وإن وجد فإن حضوره هامشي لا يكاد يزن في الواقع شيئا أو يغير اتجاه سياسة حددتها نفسية وثقافة أسستا منذ نصوص العهد القديم، ذلك ما توصل إليه الطالبي من خلال تجربته في الحوار الإسلامي المسيحي، وكذلك من خلال تفاعل الرأي العام الغربي مع الحروب، التي شنت على العراق ولبنان وفلسطين.

ومن هذا المنطلق، فإن نصوص هنتنغتون وكتابات المؤرخ الأميركي فكتور دافيس هانسون، وكذلك "زلات لسان" بوش وبلير وبنديكت السادس عشر وغيرهم، لا تعدو أن تكون سوى تعبير واضح عما يختلج في الضمير الغربي إزاء الشعوب الأخرى، وخاصة إزاء المسلمين.

انتفاضة ضد الغرب
إن كتاب الطالبي الأخير إقرار بفشل الحوار مع الغرب من جانب مثقف وأكاديمي كان من أبرز رموز هذا الحوار. لم يبق للغرب من محاور إذن، بافتراض أن يكون راغبا حقيقة في الحوار، سوى أولئك الذين يطردهم الطالبي (أو يطردون أنفسهم كما يقول) من دائرة الإسلام، ليجعل منهم الغرب (أو يجعلوا من أنفسهم) محاورين تحت الطلب.

الإسلام ليس في حاجة إلى هؤلاء، والغرب لن يجني من محاورتهم شيئا، لأنهم لا يمثلون شيئا، في نظر المؤلف، لأنه صاغهم ليرددوا ما تقول دعايته، دون أن يكون لهم أدنى تأثير على جمهور المسلمين.

"
يعود الطالبي إذن إلى "الأمة" مذكراً ومنبهاً، بعد أن نفض يديه من الحوار مع الغرب، لأن ذلك الحوار لم يثمر سوى تغطية لمزيد من القتل والهمجية والإبادة. يعود إليها بمرارة واضحة، وهو الذي يرى أنه أضاع وقتا طويلا في التعويل على ما أصبح يعتقد اليوم أنه كان سرابا وخداعا مع سبق الترصد
"
يعود الطالبي إذن إلى "الأمة" مذكراً ومنبهاً، بعد أن نفض يديه من الحوار مع الغرب، لأن ذلك الحوار لم يثمر سوى تغطية لمزيد من القتل والهمجية والإبادة. يعود إليها بمرارة واضحة، وهو الذي يرى أنه أضاع وقتا طويلا في التعويل على ما أصبح يعتقد اليوم أنه كان سرابا وخداعا مع سبق الترصد.

إننا نعتقد أن كتاب الطالبي الأخير يجب أن يطالع وفي البال كل ما وقع ويقع في العلاقة بين الشرق والغرب تاريخيا، وكل التطورات التي عرفتها المسيرة الأكاديمية والفكرية لمؤلفه، أي في السياق الواقعي الذي أنتج نصا بمثل هذه الحدة.

"انتفاضة" الطالبي الثالثة، بعد انتفاضة "ليطمئن قلبي" وانتفاضة "الإسلام ليس حجابا"، تقرأ في علاقتها بالانتفاضتين السابقتين وبما يقع في ضمير الإنسان، الذي هو جزء من أمة تعتقد أنها مستهدفة بالإبادة. عندما تصل الأمور إلى هذه النقطة يتوقف الأكاديمي عن أن يكون أكاديميا ملزما بعقلانية المنهج، ليعود إنسانا تدفع به الغريزة إلى حقيقته الأولى ككائن حريص على البقاء أولا، وأخيرا!.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة