سؤال الإصلاح والهوية   
الأربعاء 26/11/1428 هـ - الموافق 5/12/2007 م (آخر تحديث) الساعة 8:10 (مكة المكرمة)، 5:10 (غرينتش)

عرض/الحسن السرات
في طبعة جميلة أنيقة وزع إبراهيم أعراب الباحث في الفلسفة والفكر العربي، كتابه حول "سؤال الإصلاح والهوية" إلى أقسام أربعة، خصص القسم الأول منها للإصلاح في الكتابة التاريخية، والثاني لمصادر الإصلاح وقضاياه. وأفرد القسم الثالث للعلماء والإصلاح في السياق السلفي، بينما تناول في القسم الأخير قضية الانتقال من الإصلاح إلى مشروع الحداثة ونقد السلفية.

-الكتاب: سؤال الإصلاح والهوية (من السياق السلفي إلى مشروع الحداثة)
-المؤلف: إبراهيم أعراب
-الصفحات: 304
-الناشر: دار أفريقيا الشرق, المغرب
-
الطبعة: الأولى/2007
ويعتبر كتابه الحالي امتدادا لكتاب سابق تناول فيه قضايا الإسلام السياسي والحداثة، ويسعى إلى تقديم أجوبة لأسئلة تتجه حسب قوله إلى النخبة التقليدية بالمغرب ذات المرجعية والتكوين الديني أو السلفي من علماء وفقهاء، وتصورهم للإصلاح.

ومن أسئلته المقدمة تساؤله حول مفهوم الإصلاح لدى هؤلاء العلماء والفقهاء، وكيف فسروا تقدم الآخر (أوروبا) وتأخر الذات، أي العالم الإسلامي؟ وكيف قرؤوا وأولوا مفاهيم الحداثة وقيمها؟ وأي معنى لديهم عن الهوية والخصوصية والحداثة؟ وهل عملوا على مدّ الجسور بين الإسلام والحداثة، وبين الخصوصي والكوني أم أنهم سلكوا مسلك التعارض والصدام بينهما؟

ومن أسئلته أيضا ما هي مفارقات هذا العقل وتناقضاته؟ وهل يمكن الحكم على الخطاب الذي أنتجه هذا العقل حول الإصلاح والهوية والعلاقة مع الآخر؟ وما المآل الذي انتهى إليه هذا الخطاب بمنطق ديني؟

الناصري والحجوي
يبدأ الكاتب مواجهة قضاياه بتقديم نماذج من المصلحين المغاربة الذين لا يعرفهم كثير من أبناء المغرب الحاليين، فكيف بأبناء المشرق.

والمصلحون الذين يقدمهم المؤلف ليسوا علماء بعيدين عن الساحة السياسية، إذ كانوا في قلبها الحافل بالتحولات الكبيرة التي عاشها المغرب عشية مجيء الاستعمار، بل إن هؤلاء المصلحين كانوا في معمعة القصور الملكية، أو ما أطلق عليه العامة والخاصة مصطلح "المخزن".

ومن هؤلاء المصلحين "الرسميين" أو "المخزنيين" المؤرخ أحمد الناصري صاحب الكتاب الشهير "الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى"، والفقيه محمد الحجوي صاحب مذكرات "انتحار المغرب بيد ثواره"، أو "الرحلة الوجدية".

أما الناصري فهو شيخ صوفي وموظف مخزني عمل منذ الأربعين من عمره في الإدارة المخزنية موثق عدل في الجمارك بمراسي سلا والدار البيضاء والجديدة.."، واعتبر الكثير ممن أرخوا للفكر المغربي أنه من أوائل الأعلام المغاربة الكبار الذين انفتحوا على الثقافة الأوروبية الحديثة.

وأما محمد بن الحسن الحجوي فهو خريج جامعة القرويين معقل العلماء بالمغرب، وكان موظفا تولى عدة مناصب في الجهاز المخزني المغربي منذ سنة 1901، عاصر السلطانين العلويين المغربيين المولى عبد العزيز والمولى عبد الحفيظ، وهي الحقبة التي شهدت ثورات وصراعات وإصلاحات فاشلة.

هزيمتان قاسيتان على يد الجيوش الأوروبية جعلتا المغرب يشعر بألم شديد ويتوقف قليلا ليسأل عن علله. كانت الهزيمة الأولى في موقعة إيسلي أمام الجيش الفرنسي سنة 1844، والثانية في حرب تطوان سنة 1860.

وهما موقعتان كانت لهما تداعيات سياسية خطيرة على المغرب تمثلت في المعاهدات المجحفة والتنازلات المذلة والديون المتراكمة.

"
الناصري والحجوي يمثلان نموذجين للإصلاحيين الذين ركزوا على الإصلاح الجزئي الفوقي، ولم يلتفتوا إلى الإصلاح الشامل العميق الذي يمتد لجميع جوانب الأزمة
"
تأكد للمغرب ونخبته التفوق الأوروبي والتخلف المغربي. وقال الناصري يصف وقع الهزائم على المغرب "إنها مصيبة عظيمة وفجيعة كبيرة لم تفجع الدولة الشريفة بمثلها"، وإنها "أزالت حجاب الهيبة عن المغرب".

وحسب الكاتب إبراهيم أعراب، فإن الناصري والحجوي يمثلان نموذجين للإصلاحيين الذين ركزوا على الإصلاح الجزئي الفوقي، ولم يلتفتوا إلى الإصلاح الشامل العميق الذي يمتد لجميع جوانب الأزمة.

وقال أعراب عن الناصري "فباستثناء ما كتبه عن الجيش فهو لم يهتم مثلا بالإصلاح المالي والنقدي والتجاري والقضائي، رغم أنه كان موظفا له دراية بما كانت تطرحه هذه المجالات من مشاكل، واكتفى بالاهتمام بالأخطار والأضرار الناجمة عن الاختلاط والانفتاح على الأوروبيين وثقافتهم وعاداتهم مع حضور نزعة قدرية في رصده للواقع والمستقبل، وتفويضه الأمر لله وللسلطان، وكأن البشر والمجتمع غير قادرين على التدخل والتأثير فيما يقع.

الفاسي والوزاني
يقدم المؤلف بعد ذلك نموذجين آخرين للأعلام المصلحين بالمغرب الذين خرجوا من جبة السلفية في زمن الاستعمار، وهما علال الفاسي من خلال كتابه "الحركات الاستقلالية في المغرب العربي"، ومحمد بن الحسن الوزاني من خلال كتابه "حياة وجهاد".

وقد تحدث هذان العلمان معا في كتابيهما عن البيعة الحفيظية، وهي وثيقة أعدها علماء فاس سنة 1908 بعد خلع السلطان عبد العزيز وتنصيب أخيه عبد الحفيظ مكانه.

ولهذه الوثيقة وزن كبير في تاريخ المغرب لأنها قيدت السلطان المطلق للملك المغربي بيد العلماء، بل إن العالم الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني هو الذي تكفل بإملاء الوثيقة والسهر على تنفيذها.

فالوثيقة تظهر المكانة الكبيرة التي كانت لعلماء المغرب قبل الاستعمار، والتي اجتهد كل من الاستعمار والسلطان على تقويضها بعد ذلك، وأفلحا في الأمر غاية الفلاح حتى سكت العلماء وما استطاعوا أن ينبسوا بكلمة.

وقد اعتبر علال الفاسي الوثيقة "ميثاقا قوميا ودستوريا من الطراز الأول يخرج بنظام الحكم من الملكية المطلقة إلى ملكية مقيدة دستورية".

كما اعتبرها الوزاني "الباكورة الأولى للشورى المغربية التي اهتمت بتغيير أسلوب الحكم بما يجعله حكما بالشعب وللشعب استنادا إلى جعل الأمة مصدر السيادة وتمكينها من التمتع بحقها في أن يصير أمرها شورَى بينها".

مصادر وروافد
"
القضايا التي انشغل بها الخطاب الإصلاحي بعد صدمة التحديث وفي فترة الحماية هي قضايا التعليم وإصلاح نظامه، والدعوة إلى إحياء السنة ومحاربة البدع، وتعليم الفتاة، والدفاع عن الإسلام عقيدة وشريعة، وقضية الخلافة
"
يرى الكاتب أن عدة مصادر وروافد داخلية وخارجية ساهمت في بلورة الخطاب الإصلاحي والسلفي الحديث بالمغرب، منها البعثات التعليمية والسفارات والرحلات التي قام بها مجموعة من الموظفين المخزنيين والمثقفين الحضريين والطلبة إلى أوروبا، وما شاهدوه وسجلوه في كتاباتهم.

ومنها الإصلاحات العثمانية التي عرفت بالتنظيمات، والتي بدأها الأتراك على يد محمد الثاني سنة 1826 واستمر فيها السلطان عبد الحميد.

ومنها أيضا ظهور الصحافة في مدينة طنجة التي كانت منطقة حرة، وتأثير الحركة الإصلاحية السلفية المشرقية المتمثلة في مدرسة العروة الوثقى والمنار مع الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا. ومنها كذلك تأثير الحركة الوهابية في الحجاز في القرن 18 على يد محمد بن عبد الوهاب.

أما القضايا التي انشغل بها الخطاب الإصلاحي بعد صدمة التحديث وفي فترة الحماية، فهي قضايا التعليم وإصلاح نظامه، والدعوة لإحياء السنة ومحاربة البدع، وتعليم الفتاة، والدفاع عن الإسلام عقيدة وشريعة، وقضية الخلافة.

وفي تقييمه لهذه الانشغالات السلفية ومنهج المقاربة لديها، اعتبر أعراب أن السلفية المغربية تعبير عن الهوية الثقافية وقلقها من مواجهة الآخر وحداثته، "فالهوية الثقافية اتخذت شكلا سلفيا دينيا، حسب قوله، وهذه قاعدة تكاد تكون ثابتة لدى كل الشعوب التي تواجه احتلالا استعماريا مباشرا أو تهديدا خارجيا".

عالم البادية وعالم الحضر
يقدم الكتاب بعد هذا نموذجين اثنين لعالمين مغربيين سلفيين، تركا بصمات واضحة في تاريخ المغرب العلمي والسياسي معا، الأول ظهر ونشأ وترعرع في البادية وكان له فيها نشاط علمي وثقافي كبير، وهو المختار السوسي الجامع بين الأمازيغية والعربية، وصاحب المؤلف الشهير "سوس العالمة"، الذي أحيا المدارس العتيقة بالجنوب المغربي ومناطقه الأمازيغية.

أما الثاني فهو العالم عبد الله كنون رئيس رابطة علماء المغرب في أوج قوتها ونشاطها، وصاحب المواقف المشهودة من الملك الراحل الحسن الثاني، ومنها معارضته لسعي الملك إلى احتواء رابطة العلماء، ومنها انتقاده لمظاهر الانحراف في عهده. وقد رأى فيه المؤلف نموذج العالم الحضري.

غير أن المؤلف اعتبر أن ما يميز خطاب الإصلاح عند هذين العالمين هو "كونه خطابا هوياتيا يسير نحو التأكيد على الخصوصية والتشبث بالهوية وتمجيد الماضي".

والسلفي، كما يقول الكاتب عقب ذلك "في تعامله مع الغرب لا يرى في حداثته إلا الجانب المادي (غير) الأخلاقي والاستعماري بما يجعله بالمقابل يعلي من قيمه الروحية".

الحداثة ونقد السلفية
"
الفاسي ليس من طينة المصلحين السلفيين الذين التصقوا فقط بالماضي والسلف، بل كان أيضا ملتصقا بواقعه وزمانه منصتا لأسئلته ومنكبا على قضاياه ومستجداته مطلعا على الثقافات الأخرى بفكر عقلاني متنور
"
في القسم الرابع من الكتاب، وعلى امتداد قرابة 100 صفحة يقدم المؤلف نقدا للسلفية بالحداثة، ويستعين لهذا الغرض بكتاب ومفكرين مغاربة اعتبرهم من رموز الحداثة مثل محمد عابد الجابري وعبد الله العروي وعلي أومليل.

وقد ركز المؤلف بالخصوص على إنتاجات الجابري وقراءاته للتراث، وخلص أعراب إلى أن الجابري قدم قراءة عقلانية للقرآن أقرب ما تكون إلى مدرسة ابن رشد في التفكير وربط الحكمة بالشريعة أو العقل بالنقل.

بل إن الكاتب قال "إن هناك اتفاقا بين الجابري وابن رشد في مشروعيهما العقلاني مع اختلاف في السياق التاريخي، حيث يمكن اعتبار القراءة الجابرية استكمالا للمشروع الرشدي ليس فقط على مستوى قراءته للوحي وللظاهرة القرآنية في الإسلام وما تطرحه من إشكالات في علاقتها بالعقل ومدى عدم تعارض المعقول مع المنقول، ولكن على مستوى أشمل وأعم وهو "استعادة العقلانية الرشدية ومشروعه الفلسفي".

وبين هذه الأسماء الحداثية، أدرج المؤلف علال الفاسي وكتابه في مقاصد الشريعة معتبرا أن الفاسي ليس من طينة المصلحين السلفيين الذين التصقوا فقط بالماضي والسلف، بل كان أيضا ملتصقا بواقعه وزمانه منصتا لأسئلته ومنكبا على قضاياه ومستجداته مطلعا على الثقافات الأخرى بفكر عقلاني متنور.

خلاصة
لو لم تكن لهذا الكتاب مزية سوى تعريف القراء المغاربة وغير المغاربة بعدد من العلماء والمصلحين الكبار قبل مجيء الاستعمار وأثناء فترة الحماية وبعدها بقليل، لكفته هذه المزية.

فكثير من هؤلاء المصلحين وكثير من مواقفهم وما رافقها من توترات وتحولات لا يعرف عنهم المغاربة الشيء الكثير، فكيف بغير المغاربة.

وقد سعى المؤلف إلى تقريب وجهات نظرهم واجتهاداتهم في الإصلاح والنهضة، غير أنه كان يميل أكثر من اللازم إلى طائفة من الكتاب والمفكرين المعروفين بمواقفهم من التراث ومن السلفية التي يقصد بها العودة إلى الأصول الصحيحة للإسلام.

بل إن الكاتب كان يتبنى أطروحات الجابري والعروي وأومليل في نقد رموز الإصلاح والنظر إليهم من زاوية سياسية وإيديولوجية، وليس من زاوية معرفية خالصة.

"
المؤلف سعى إلى تقريب وجهات نظر الإصلاحيين واجتهاداتهم في الإصلاح والنهضة، غير أنه كان يميل أكثر من اللازم إلى طائفة من الكتاب والمفكرين المعروفين بمواقفهم من التراث ومن السلفية التي يقصد بها العودة إلى الأصول الصحيحة للإسلام
"
فرأى أن هؤلاء المصلحين لم يستطيعوا التوفيق بين السلفية والحداثة، ولم يعملوا على مد الجسور بين الإسلام والحداثة، وأنهم لم يبصروا من الحداثة إلا جانبها الأخلاقي السلبي.

في حين أن الفاسي وكنون والسوسي والحجوي والناصري وغيرهم أبصروا الجوانب الإيجابية في "الحداثة" ولم يرفضوها جملة وتفصيلا.

ثم إن إقحام الكاتب المصري المثير للجدل نصر حامد أبو زيد في فئة الحداثيين لا صلة له بالكتاب الذي أعلن صاحبه أنه خاص بالتجربة المغربية، وهذا الإقحام المتعسف يفقد الكتاب كثيرا من موضوعيته ونزاهته، إذ إن نصر أبو زيد معروف بمواقفه التي جعلت العلماء والمفكرين المصريين ينتقدونه بشدة، ومنهم من تطرف في موقفه حتى حكم عليه بالطلاق من زوجته.

وحبذا لو تخلص المؤلف من هذا الإقحام والحشو في الطبعة المقبلة حتى يكون كتابه مغربيا خالصا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة