صناعة النخبة بالمغرب   
الجمعة 1427/10/4 هـ - الموافق 27/10/2006 م (آخر تحديث) الساعة 13:53 (مكة المكرمة)، 10:53 (غرينتش)

عرض/الحسن السرات
"صناعة النخبة بالمغرب" كتاب مثير في موضوعه ومنهج معالجته، مثير لأنه يتناول موضوعا لم تتراكم فيه الدراسات والأبحاث هو موضوع الملكية بالمغرب وطرق اشتغالها وبنائها وإحكام سيطرتها على الملعب السياسي المغربي، وتحكمها في الطرق الموصلة إلى السلطة والاقتراب منها.

وقد سبق إلى هذا الموضوع كتاب فرنسيون وأميركيون أشهر كتبهم "أمير المؤمنين" لجون واتربوري الذي ترجم إلى اللغة العربية، ونشر بالمغرب واعتمد عليه صاحب كتاب "صناعة النخبة بالمغرب".

أما المنهج المعتمد في هذه الدراسة فهو علم الاجتماع السياسي والتشريح السوسيولوجي.

ويعتبر عبد الرحيم العطري من الرواد السوسيولوجيين المغاربة اشتغل منذ سنة 2000 بالتأليف في الشأن السوسيولوجي، وله في ذلك مؤلفان "دفاعا عن السوسيولوجيا" و"سوسيولوجيا الشباب المغربي"، وهذا الكتاب هو الثالث.

- الكتاب: صناعة النخبة بالمغرب
- المؤلف: عبد الرحيم العطري
- عدد الصفحات: 272
- الناشر: دفاتر وجهة نظر
- الطبعة: الأولى/2006

قشدة المجتمع
وضع المؤلف تحت العنوان الرئيسي عنوانا يفسر فيه المطلوب من كتابه: "المخزن والمال والنسب والمقدس طرق الوصول إلى القمة"، وهذه الجملة وحدها هي عصارة الكتاب كله وأحسن تلخيص له.

غير أنه يبدع مصطلحا جديدا للحديث عن قمة المجتمع المغربي متمثلا في كلمتين هما "قشدة المجتمع". والنخبة التي يحدثنا عنها الكتاب هي الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات الطلابية والمصالح الخاصة والأسر الكبرى والقبائل والضباط والعلماء والشرفاء، التي غالبا ما يكون قادتها من الموظفين السامين في الحكومة أو الوزراء.

وقد تتجاوز النخبة السلطة الحكومية لأنها تشمل المعارضة كذلك وجل أعضائها من المثقفين والأثرياء أو هما معا.

يشير المؤلف إلى الباحثين الذي سبقوه، ويعتمد على نتائج بحوثهم، وعلى رأسهم الباحثة أمينة المسعودي في دراستها القيمة عن "الوزراء في النظام السياسي المغربي".

فمن خلال رصدها التاريخي وتشريحها الواقعي لبنية النظام الوزاري المغربي منذ الاستقلال إلى الآن، اهتدت إلى أن شروط "الأصل النبيل" و"المال" و"الرضا المخزني" تلعب دورا حاسما في تقرير مصير الاستيزار.

فمن خلال دراستها تبين أن الوصول إلى منصب الوزير ظل إلى حد بعيد حكرا على الأفراد المنحدرين من العائلات الفاسية والرباطية الراقية المسلحة بالمال والرساميل الثقافية والاجتماعية.

ومن أهم الأدوات الاجتماعية التي يعتمد عليها للوصول إلى قشدة المجتمع ومراكز القرار في المغرب، المصاهرة مع الأسرة الحاكمة أو الأسر ذات الصلة بالمخزن، "فالزيجات أبعد ما تكون عن اتحادات عاطفية، إنها محكومة بالتبادلات بين العائلات. فالعملية تتأسس بالضرورة على ثلاثة واجبات: العطاء والأخذ والاسترداد.

فالزيجة في حقل صناعة النخبة لا تكون خطأ ومن توقيع مكر الصدف، بل إنها عملية مخطط لها بدرجة عالية بغية حصد امتيازات وحيازة مواقع محتملة".

ويعزز الكاتب هذا ببعض المعطيات الإحصائية، إذ إنه "من بين 339 رجل سلطة تتراوح أعمارهم بين 30 و70 سنة، وينحدرون من 50 عائلة فاحشة الثراء بالمغرب، فقط 15% هم الذين تزوجوا من خارج الاتحادات العائلية والعرقية، علما بأن 8% من ذات الفئة فضلت الزواج من أجنبيات تحتل فيهن الفرنسيات الحصة الكبرى".

ولذلك فإن "أغلب المجموعات الرأسمالية بالمغرب تولدت بالأساس عبر المصاهرة بين العائلات البورجوازية والأرستقراطية والأخرى المتحكمة في المشهد السياسي، وعبر الدعم المخزني، إذ حققت هذه العائلات نجاحات سريعة ومبهرة".

"
نظام الهدايا أداة من الأدوات السياسية للتحكم ورسم الخرائط وضمان الولاءات، وهي أداة قديمة مجربة لدى حكام المغرب الأقدمين لشراء أصوات القبائل والأعيان والوجهاء والزوايا
"
المقاولة السياسية
يعتبر المؤلف أن "الأحزاب المغربية هي قبل كل شيء عبارة عن مراكز سلطة تتجسد في مجموعة من الأطر الذين يقتسمون دواليب الهرمية الحزبية من أمانة عامة ومكتب سياسي ولجنة مركزية، ولذلك تظل ذات المراكز أكثر مناعة تجاه عمليات الاختراق".

وبسبب الالتزام بالخلفية التقليدية، ظلت الأحزاب المغربية عبارة عن "زوايا" تضم مجموعة من "المريدين" الذين يتداولون "أذكار" شيخهم و"أدعية" خلفائه ومقدميه، ومن ثم يمكن تفسير تلك "الهالة التقديسية" التي يحيط بها مناضلو الأحزاب "سادتهم" وزعماءهم، وكذا الطريقة التي تتم من خلالها ترقية الأطر.

وفضلا عن ذلك، يشكل نظام الهدايا أداة من الأدوات السياسية للتحكم ورسم الخرائط وضمان الولاءات، وهي أداة قديمة مجربة لدى حكام المغرب الأقدمين لشراء أصوات القبائل والأعيان والوجهاء والزوايا.

واليوم لبست هذه الأداة لباس الحداثة وتكيفت مع النظام السياسي الجديد، فالوزراء في علاقاتهم مع محيط القصر والأعيان ورجال المال والأعمال والسياسة، يحرصون على تقديم الهدايا حتى ينتبه لهم الفاعل المخزني ويرد لهم التحية على شكل منصب أو امتياز آخر.

ويتوقف الكتاب عند نقطة مهمة جدا في الحياة السياسية المغربية، وهي إحضار المقدس من الماضي التقليدي إلى الحاضر الحداثي وكيفية التزاوج بينهما واستغلال أشكال التدين التقليدية ومؤسساته في المجال السياسي.

ويتخذ الكاتب الزوايا موضوعا للنظر، خاصة أن دورها التاريخي كبير جدا في تحولات المغرب والأنظمة الحاكمة المتعاقبة عليه.

يقول المؤلف "إن الزوايا مازالت تلعب نفس الدور الحيوي إلى الآن وبصيغ مختلفة عن السابق... والواقع أن إحساس المخزن الدائم بخطورة أدوارها هو ما يجعله دوما يحرص على شراء صمتها وعلى احتوائها بكافة الأساليب، لأنها تشكل معادلة حسابية أساسية في التدبير السياسي للحقل المجتمعي، وإلا فكيف تفسر الحظوة التي يحوزها آل الزوايا والهدايا الملكية التي تقدم لهم جميعا في مواسمهم السنوية".

ليس هذا فحسب، بل إن المخزن المغربي يعترف بكل الزوايا ويعزز وجودها بظهائر التوقير والاحترام الذي يضمن لها امتيازات من "زيارات" و"فتوحات" مع إعفائها بما "تكلف به العوام".

كما يتدخل المخزن أحيانا للمحافظة على استمرارها ويتدخل في شؤونها لإضعافها إذا قوي نفوذها، سواء بإحداث زوايا أخرى منافسة، أو بكسر ظهرها وشق صفها عملا بالقاعدة الشهيرة "فرق تسد".

ومن جانبها قامت الزوايا بإضفاء الشرعية الدينية والواقعية على الحكام الجدد، خاصة أثناء البيعة، فعند وفاة الملك يقوم العلماء وبعدهم الشرفاء، وهم رؤساء الزوايا، المنحدرون من النبي عليه الصلاة والسلام، والشخصيات، بالتوقيع على وثيقة البيعة معترفين بذلك بوفاة الملك وباعتلاء خلفه العرش.

"
سياسة الضبط الديني المتبعة ضخمت المقاربة الأمنية وقزمت المقاربة الثقافية، مكتفية بالإلهاء والتمييع فقط، كما أنها ليست وليدة حاجات محلية، بل هي مجرد حقنات تنويمية سريعة المفعول وقليلة الأثر
"
ترويض النخبة الدينية
لا يكتفي الباحث بتناول النخبة السياسية والحزبية والثقافية بالمغرب، ولكنه يخصص فصلا للنخبة الدينية وسعي المخزن لترويضها، خاصة بعد تفجيرات 2003 بالدار البيضاء.

"فالدين في المغرب يظل من أهم قنوات تصريف السلطة سواء بالنسبة للمؤسسة الملكية التي تؤسس شرعيتها على مفهوم إمارة المؤمنين، أو بالنسبة لباقي المؤسسات السياسية والمدنية التي لا تتورع عن اللجوء إلى الدين من أجل تأكيد الانخراط الإيجابي في النسق العام للدولة".

يصنف المؤلف النخبة الدينية بالمغرب إلى نخبة تقليدية تختص بشرعنة الإسلام الشعبي وضمان استمراره في مجموع النسق، ويندرج فيها الشرفاء والصالحون والزهاد وشيوخ الزوايا والقيمون على الأضرحة الكبرى.

و"ما يميز هذه النخبة هو انشغالها بتحصين ممارساتها ومراكمة رساميلها الرمزية، ولهذا فهي توجد على الدوام في صف السلطة المركزية".

وهناك نخبة الإسلام الرسمي ويمثلها أعضاء المجالس العلمية ونظار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وكبار المسؤولين بها، وتتميز هذه النخبة حسب الكاتب بالانضباط التام للإملاءات الرسمية والبعد عن الانشغالات السياسية التي تؤرق بال الرأي العام.

ويرى المؤلف أن بروز الحركات الإسلامية وسنوات الاحتقان السياسي جعل النخبة الدينية تتوزع إلى اتجاهات هي الاتجاه الرسمي والاتجاه السياسي والاتجاه الجهادي والاتجاه التنظيري.

وإذا كان الاتجاه الرسمي يسير في ركاب أطروحة الدولة، فإن الاتجاه السياسي يجعل من بلوغ "الخلافة على منهاج النبوة" أحد أبرز أهدافه القصوى.

ويسجل المؤلف أنه عقب تفجيرات الدار البيضاء عام 2003 أعلنت الدولة المغربية خطة شاملة لضبط المجال الديني وإعادة هيكلته، وكان أهم شيء فيها هو تحجيم دور الحركة الإسلامية ودعم ما يسميه الكاتب "الإسلام الزواياتي".

واعتبر الكاتب أن المستفيد الأول من هذه السياسة الدينية الجديدة هو الزاوية البودشيشية بالمغرب التي يعتبر وزير الأوقاف الحالي أحد أبرز رموزها.

وينتقد الكاتب سياسة الضبط الديني المتبعة بأنها ضخمت المقاربة الأمنية وقزمت المقاربة الثقافية، مكتفية بالإلهاء والتمييع فقط، كما أنها ليست وليدة حاجات محلية، بل هي "مجرد حقنات تنويمية سريعة المفعول وقليلة الأثر".

"
في ظل تهميش النخبة المثقفة وتهجين النخب السياسية وتدجين المجتمع المدني، تحولت مؤسسة الجيش إلى أهم الحقول المجتمعية التي تحظى بفائق العناية والرعاية التي يستفيد منها أفراد المؤسسة العسكرية
"
النخبة العسكرية والعلبة الصماء
يخصص الكتاب فصله السادس والأخير للنخبة العسكرية، ويوجز في بيان تاريخها وأهميتها والمنعطفات التي عاشتها وأهمها قرار الملك الراحل الحسن الثاني الإشراف بنفسه عليها وإلحاقها بالمؤسسة الملكية.

في عهد الملك الحالي محمد السادس عرفت هذه المؤسسة تغييرات كبيرة، ففضلا عن استبدال المسؤولين الكبار فيها بمسؤولين جدد، فإن هذه المؤسسة عرفت فتحا ملموسا لعلبتها الصماء وخروج أخبارها وأحوالها إلى الصحافة، وهذا أمر لم يكن من قبل.

"ففي ظل واقع مفتوح على تقنيات تهميش النخبة المثقفة وتهجين النخب السياسية وتدجين المجتمع المدني، تحولت مؤسسة الجيش إلى أهم الحقول المجتمعية التي تحظى بفائق العناية والرعاية التي يستفيد منها أفراد المؤسسة العسكرية عبر الزيادات المتكررة في الرواتب والتعويضات والخدمات وغيرها من المنافع".

واستعرض الكتاب محطات مهمة في تاريخ المغرب كان الجيش حاضرا فيها وفاعلا بامتياز، ليخلص إلى أن النخبة العسكرية هي سلطة فوق السلط، وأنها لا تكتفي فقط بمراقبة ما يحدث في الحقل السياسي والاجتماعي، بل تعمد إلى صناعة الحدث وتوجيه القرار نحو ما يخدم استمرارها وامتيازها.

"وإلا فكيف يفسر خروج الجيش عن صمته عبر أحد قيادييه بالتذكير بأنه لن يقف مكتوف الأيدي إذا ما وصل الإسلاميون إلى سدة الحكم عبر بوابة الانتخابات".

مسؤولية النخبة المثقفة
ينتهي كتاب "صناعة النخبة بالمغرب" في الختام إلى تحميل النخبة المثقفة مسؤولية التغيير والإعداد له، لهواجسها النقدية وأدوارها الطبيعية في ممارسة السؤال والكشف عن أشد الرموز استتارا.

"فالمثقفون، يقول الكاتب، بالرغم من كل عوامل التدجين والاحتواء والقمع والتهميش يظلون مؤهلين أكثر لفضح اختلالات النسق وتحديد عوامل العطب وإمكانات التحرر منه".

غير أنه ليس بالثقافة وحدها يحيا الإنسان، فالنخب التي تحدث الكاتب عنها في مؤلفه مسؤولة هي بدورها عن التغيير، وفي وقتنا الحالي، تتصدر النخبة الدينية طلائع الاشتغال والنضال من أجل ذلك، خاصة الحركات الإسلامية المستقلة الجامعة بين المشاركة والممانعة.

وهذا الكتاب شجاع في اقتحامه للموضوع، وجيد في مقارباته، قابل للأخذ والرد في خلاصاته ونتائجه، ممتلئة هوامشه بالتفاصيل والإضافات والتوضيحات القيمة.

لكن أهم ملاحظة عليه، هي التكرار الممل في بعض الفصول والمقاطع وتمطيط الحديث في قضية اتضحت من قبل ولا داعي لإعادة الحديث عنها.

وهذه ملاحظة لا تقلل من القيمة العلمية للكتاب، فلا يبلغ الكمال إلا الأنبياء والمرسلون، وغيرهم يخطئ ويصيب، ويتعثر وينهض.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة