إنهاء الفقر   
الخميس 1426/8/11 هـ - الموافق 15/9/2005 م (آخر تحديث) الساعة 14:29 (مكة المكرمة)، 11:29 (غرينتش)

عرض/ كامبردج بوك ريفيوز

هل بإمكان البشرية أن تقضي على الفقر؟ هل يتحقق هذا الحلم السرمدي الذي أرق فلاسفة وعلماء وأنبياء في طول التاريخ الإنساني؟ وهل بلغت البشرية قدرا من النضج والقدرة والتراكم المعرفي والعلمي والتنور يؤهلها لإنجاز المهمة الكبرى في إحلال قدر من المساواة بين البشر؟

 

في عالم اليوم نحن أمام أرقام مرعبة؛ فهناك ثمانية ملايين إنسان يموتون سنويا بسبب الفقر, أي بمعدل عشرين ألف شخص يوميا. غالبية هؤلاء يموتون بسبب فقدان الاحتياجات الأساسية من الماء الصالح للشرب أو الحد الأدنى من الغذاء, أو بسبب أمراض تسهل معالجتها مثل الإسهال والجفاف.

 

-الكتاب: إنهاء الفقر.. كيف يمكن أن نحققه في حياتنا؟

-المؤلف: جيفري ساكس

-عدد الصفحات: 396

-الناشر: بنغوين بوكس لندن

-تاريخ النشر: 2005

يحدث هذا في عالم اليوم الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة في تحقيق الرفاه الاقتصادي لأجزاء من البشرية, ومستويات غير مسبوقة من العلم والتكنولوجيا. وهي المستويات التي أمل كثير من فلاسفة القرن التاسع عشر والعشرين بأنها ستساهم في تحقيق المساواة والعدالة بين البشر.

 

جيفري ساكس الاقتصادي الأميركي الشهير, وربما الأهم والأشهر في دوائر الاقتصاد المختصة بتنمية العالم النامي والفقير, يقدم في كتابه الأخير أطروحة ثورية وطموحة تقول إنه بمقدور دول العالم أن تنهي معضلة الفقر العالمي خلال عشرين سنة, بحيث تحل سنة 2025 وقد تحقق ذلك الهدف. يتطلب ذلك جهودا غير مستحيلة لكن يجب أن تكون جماعية وشجاعة وفيها قدر من الحرص على مستقبل الكرة الأرضية.

 

الأطروحة لا تنطلق من أرضية "الصدقة وعمل الخير" وحسب, بل تستند إلى أن مصلحة سكان الأرض, وبالدرجة الأولى المجتمعات الغنية والقوية, تكمن في القضاء على الفقر الذي -إن لم يُقض عليه- سيظل موطنا لكل الأمراض المعولمة التي لن تنجو منها مجتمعات العالم الصناعي الهانئة بمستويات معيشة رغيدة.

 

خطة ساكس

يقول ساكس إن القضاء على الفقر يتطلب تدوير ما بين 70 إلى 80 مليار دولار لتصب باتجاه الدول الأكثر فقرا, وإن مصدر هذه الأموال يجب أن يكون من الدول الغنية.

 

ويشرح ساكس أن الحصول على هذا الرقم الذي لا يبدو كبيرا بالمقارنة مع حجم الإنفاق العسكري الهائل, حيث أن حرب العراق وحدها ستقترب كلفتها من 300 مليار دولار, ولم تحقق سوى مزيد من الحرب والإرهاب والدمار.

 

"
القضاء على الفقر يتطلب تدوير ما بين 70 إلى 80 مليار دولار لتصب باتجاه الدول الأكثر فقرا, تجبى هذه الأموال من الدول الغنية، والرقم ليس كبيرا بالمقارنة مع حجم الإنفاق العسكري الهائل
"
جوهر خطة ساكس يقضي باستقطاع ما نسبته 0.07% من الناتج القومي العام من الدول الغنية وتخصيصه لبرامج القضاء على الفقر في الدول المعدمة. وهو يقول إن حشد الجهود العالمية وراء هذا الهدف, أي استقطاع تلك النسبة بهدف القضاء على الفقر, هو أمر أسهل بكثير من الجهود التي تم حشدها للقضاء على الاستعمار خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

 

ويحدد هذه المهمات الكبرى بما يلي: أولا, دعم قيام نظم سياسية أساسها تحسين شروط البشر قائمة على رضاهم، وثانيا, دعم قيام نظم اقتصادية هدفها نشر عوائد العلم والتكنولوجيا وتقسيم العمل في العالم (وليس فقط في المجتمع أو الدولة المعينة), وثالثها, دعم التعاون الدولي لتحقيق السلام الدائم, ورابعها, دعم العلم والتكنولوجيا, المؤسسة على العقلانية, بما يحسن من الشرط الإنساني.

 

رؤية ساكس مبنية للقضاء على الفقر، والجدول الزمني الذي يقترحه, لانتهاء الفقر بحلول عام 2025, يقوم أساسا على تحليله التشخيصي المفصل لأسباب ذلك الفقر في دول ممثلة من دول العالم تمتد من أفريقيا مرورا بأميركا اللاتينية إلى آسيا.

 

وهو يقترح عام 2015 كفاصل زمني تراجع فيه الرؤية العامة, وهو العام الذي حدده مشروع الألفية للتنمية العالمية التابع للأمم المتحدة. والمراحل والخطوات التي يقترحها ساكس للقضاء على الفقر هي التالية تحديدا:

 

أولا, الالتزام بالهدف بشكل جدي وتبنيه عالميا, والسعي نحو جعل الفقر من الماضي.

 

ثانيا, تبني خطة عمل عملية وواضحة مكملة لمشروع أهداف الألفية للتنمية, وهي الأهداف التي تحاول نقص عدد الفقراء في العالم, ورفع مستويات الدخول في الدول النامية.

 

ثالثا, منح الفقراء صوتا مسموعا في العالم بحيث يدرك العالم معاناتهم الدائمة, والتوقف عن تغطية أخبار الفقر بشكل متباعد أو هامشي على الأجندة الإعلامية العالمية.

 

رابعا, استعادة الولايات المتحدة لدورها في العالم بشكل تعاوني وليس إمبريالي لأنه في مقدورها أن تكون قوة محركة إيجابية وتدفع باتجاه تخليص العالم من الفقر بشكل سريع.

 

خامسا, إعادة تأهيل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بحيث تكون مهمة القضاء على الفقر هي المهمة المركزية لهما ولكل المؤسسات المالية الدولية.

 

سادسا, تعزيز دور الأمم المتحدة في ضوء برنامج معولم للتصدي للفقر العالمي.

 

سابعا, تقوية العلم والتكنولوجيا في العالم ونشرهما على أوسع نطاق وبكلفة في متناول الدول النامية والفقيرة.

 

ثامنا, تعزيز ونشر التنمية المستدامة.

 

تاسعا, الالتزام الشخصي بقضية التخلص من الفقر على مستوى المسؤولين والأفراد العاديين.

 

"
الجهد يجب أن يوجه إلى الحكومات التي هي المسؤول الأول عن صوغ قواعد التجارة الدولية لأن صوغها بطريقة سليمة سوف يخضع الشركات العالمية بشكل آلي لتلك القواعد
"
الحركة المناهضة للعولمة

يقدم ساكس في معرض تفصيل رؤيته للقضاء على الفقر العالمي رأيه في الحركة المناهضة للعولمة باعتبارها تضع محاربة الفقر في العالم في مقدمة أولوياتها. وهو يرسم موقفا بالغ الدقة والتوازن إزاء هذه الحركة ونشاطاتها.

 

فمن ناحية يقر بتقدير بالغ المضمون الأخلاقي لهذه الحركة والمنطلقات الإنسانية التي تستند عليها. وهو يقول إنه لولا نشاطاتها الفعالة في طول العالم وعرضه، وخاصة على هامش الاجتماعات الهامة والكبرى للمؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي أو منظمة التجارة العالمية أو اجتماع قمة الثماني فإن كثيرا من القضايا التي تخص العالم النامي مثل شطب الديون والإيدز والتنمية والبيئة ما كان لها أن تصعد إلى رأس الأجندة الدولية.

 

لكن من ناحية أخرى فإن ساكس لا يوافق الحركة في العديد من طروحاتها. فهو يقول رغم أن نداءاتها الموجهة ضد تغول العولمة ولصالح مناصرة فقراء العالم مهمة وإنسانية، فإن الحركة تفشل في تشخيص أسباب المعضلات العالمية, وخاصة عندما تقف موقفا حادا ومتطرفا ضد التجارة الحرة أو الاستثمار الخارجي والشركات العابرة للحدود.

 

ويدل على خطإ موقف الحركة المناهضة للعولمة من تلك القضايا -عبر الإحصاءات والأرقام التي تشير إلى ارتفاع معدلات الاستثمار الأجنبي في البلدان النامية- رفع مستوى دخل الأفراد والناتج القومي العام، إضافة إلى أن التجارة الحرة والاقتصاد المفتوح, عبر الأربعين سنة الماضية, أثبت القدرة على تخفيف مستويات الفقر في العالم.

 

ففي الهند والصين مثلا حقق الانفتاح الاقتصادي الذي شهده البلدان في عقد التسعينات نتائج واضحة من ناحية تخفيض عدد من هم تحت الفقر بمائتي مليون في حالة الهند, وثلاثمائة مليون في حالة الصين. كما يقول إن أحد الأخطاء التي يرتكبها مناهضو العولمة يتمثل في إحالتهم مسؤولية تنظيم الاقتصاد الدولي إلى الشركات المتعدية الحدود والنظر إليها باعتبارها الجهة التي ترسم حدود اللعبة الاقتصادية في العالم.

 

بينما يرى الكاتب أن الجهد يجب أن يوجه إلى الحكومات التي هي المسؤول الأول عن صوغ قواعد التجارة الدولية لأن صوغها بطريقة سليمة سوف يخضع الشركات العالمية بشكل آلي لتلك القواعد.

 

"
العولمة المستنيرة هي التي تركز على نشر الديمقراطيات, والتعددية التعاونية, والاقتصاد المبني على تحقيق حاجات الفقراء والقضاء على فقرهم, ونشر العلم والتكنولوجيا وتسهيل الوصول إليهما
"
العولمة المستنيرة

يقترح ساكس على الحركة المناهضة للعولمة أن تتحول إلى حركة مؤيدة للعولمة, ولكن مؤيدة لعولمة جديدة مضمونها دعم الفقراء وتخليص أفقرهم من الفقر, والتوجه نحو البيئة وإعادة قولبة جدول العولمة الحالية. وهو يسمي تلك العولمة بالعولمة المستنيرة ويربطها بمشروع الاستنارة الأنواري ويرى فيها استكمالا له.

 

العولمة المستنيرة هي العولمة التي تركز على نشر الديمقراطيات, والتعددية التعاونية, والاقتصاد المبني على تحقيق حاجات الفقراء والقضاء على فقرهم, ونشر العلم والتكنولوجيا وتسهيل الوصول إليهما.

 

وفي سياق العولمة المستنيرة يصبح من المطلوب من الحركة المناهضة للعولمة أن تركز جهودها على الدول الكبرى لتحترم التزاماتها ولتقوم بالتزامات جديدة, وخصوصا الولايات المتحدة وأوروبا الغربية.

 

ويطلب منها أن تدعم زيادة الاستثمار الأجنبي لا التقليل منه، والضغط على الولايات المتحدة على وجه الخصوص للتخلي عن سياستها الانفرادية الإمبراطورية والعودة إلى التعددية والتعاون مع بقية دول العالم.

 

السياسة الخارجية الأميركية والمحافظون الجدد

ينتقد ساكس رؤية المحافظين الجدد للعالم وانعزالهم عن الواقع الدولي وسياستهم الانفرادية الإمبريالية, ويرى أنه لا مستقبل لرؤيته في ظل تواصل السياسة الإمبريالية للولايات المتحدة.

 

ويضرب مثلا لذلك بالحرب في العراق, فهو يقول إن الولايات المتحدة لم تستقبل كمحرر لهذا البلد ولكن كمحتل, وأن عهد النظرة إلى أميركا كقوة محررة قد ولى من نصف قرن.

 

"
العالم اليوم مهدد من قبل قوتين هما الإرهاب والرد العسكري المضخم الذي تتبناه الولايات المتحدة
"
ويحذر ساكس من أنه إذا وقعت السياسة الخارجية الأميركية في يد الانفرادية والعسكرية والإمبريالية واللاعقلانية الإنجيلية فإن انعكاسات ذلك على العالم ستكون بالغة الخطورة، إذ يرى أن العالم اليوم مهدد من قبل قوتين هما الإرهاب والرد العسكري المضخم الذي تتبناه الولايات المتحدة.

 

غير أن السؤال الذي لا يتفادى الإجابة عليه ساكس هو ما الذي يمكن أن يدفع القوى الكبرى إلى تبني أجندة إنسانية جوهرها التخلص من الفقر العالمي طالما لا تعود عليها تلك الأجندة بمصلحة قومية بارزة وواضحة.

 

يجادل ساكس هنا بأن التاريخ الحديث للدول الكبرى شهد نزوعا مشابها في قضيتين كبيرتين، هما إلغاء الرق وإلغاء الاستعمار, وإلغاء أنظمة التمييز العنصري.

 

وهو يقول إن الإلغاء في الحالات الثلاث لم يكن في صالح القوى الكبرى, لكنها لم تجد بدا من الانصياع له بسبب تراكم الضغوط الأخلاقية والرأي العام وانتشار المعرفة والإعلام.

 

وعلى ذات المنوال يتوقع ساكس أن لا يصمد عناد الدول الكبرى في صم آذانها عن أصوات فقراء العالم, وأنها في نهاية المطاف سوف ترضخ وتتبنى أجندة إنسانية, كما حدث وصار يحدث في اجتماعات البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وقادة الدول الثماني.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة