كلينتون وأوباما.. صراع القرينين على السلطة   
الخميس 20/8/1437 هـ - الموافق 26/5/2016 م (آخر تحديث) الساعة 17:42 (مكة المكرمة)، 14:42 (غرينتش)

عرض/مرح البقاعي

مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي المخضرم مارك لاندلر الذي يعمل محررا للسياسة الخارجية في جريدة نيويورك تايمز العريقة منذ وصول باراك أوباما إلى سدة البيت الأبيض في العاصمة الأميركية واشنطن في العام 2008.

وقد عمل قبل ذلك كبيرا لمراسلي البيت الأبيض، وقبل هذا -وخلال مسيرة عمله في الجريدة لمدة 24 عاما- شغل لاندلر منصب مدير مكتبي نيويورك تايمز في هونغ كونغ، وفرانكفورت، ومراسل المال والأعمال في نيويورك.

عن شخصيتي الكتاب
يروي هذا الكتاب قصة شخصيتين سياسيتين طموحتين إلى أقصى الحدود هما: هيلاري كلينتون وباراك أوباما، وهما على كل حال خصمان عتيدان تحولا خلال وقت ليس بالطويل إلى شريكين سياسيين.

-العنوان: القرينان هيلاري كلينتون وباراك أوباما في الصراع على السلطة
-المؤلف: مارك لاندلر
-الناشر: راندوم هاوس
عدد الصفحات: 406
تاريخ النشر: أبريل/نيسان 2016

ورغم أن ما يجمع كلينتون وأوباما هو حس سليم بالمصير التاريخي لهما كوجهين قياديين استثنائيين في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، فإنهما يحملان معتقدات وأفكارا مختلفة جدا ومتباعدة حول كيفية إبراز القوة الأميركية واستخدام أدواتها عند الحاجة.

وبحنكة ومهارة صحافية مميزة يأخذنا الكاتب خلال صفحات هذا الكتاب -الذي صدر مؤخرا وتصدر واجهات المكتبات الأميركية- في جولة داخل مضائق العلاقة السياسية المشحونة والمثيرة بين باراك أوباما وهيلاري كلينتون، وهي علاقة نسجت حوارات معمّقة لموقف ودور الأمة الأميركية من حالتي الحرب والسلام في العالم.

نشأت هيلاري كلينتون في ضواحي شيكاغو برعاية والدها المناهض للشيوعية والذي ينتمي إلى اليمين الجمهوري، ويملك إيمانا لا يتزعزع بالولايات المتحدة كقوة للخير في العالم. أما أوباما فنشأ مع أمه بعد أن انفصلت عن والده في إندونيسيا وهاواي؛ حيث لم تكن سمعة العم سام جيدة في تلك البلاد، وكانت تغلب على مشاعر الناس هناك الاستياء من السياسة الأميركية.

وهنا نرى المفترق الكبير ببن البيئة التي نشأت فيها كلينتون وتلك التي تربى فيها أوباما والتي شكلت الإحداثيات الأولى لقناعاتهما السياسية، وساهمت في بلورة توجهاتهما السياسية والاجتماعية في المستقبل.

المبارزة السياسية بين القرينين
يرصد الكاتب مارك لاندلر في كتاب "القرينان" -ومن خلال فترتي حكمٍ للرئيس أوباما امتدتا على مدى ثماني سنوات- مواقف الرئيس الأميركي وسير عمله من داخل مكتبه البيضاوي وليس من وراء أسوار البيت الأبيض كونه كان المراسل المكلف والحصري من جريدة نيويورك تايمز بتغطية أخبار البيت الأبيض؛ حيث كان أوباما وكلينتون يدفعان بقوة من أجل تنفيذ رؤاهما السياسية وخطط السياسة الأميركية الخارجية التي غالبا ما كانت متباعدة بل ومتنافرة في الكثير من الأحيان.

وكان ذاك التنافر يظهر للعيان بشكل واضح وخاصة فيما يتعلق بتطورات الأحداث في الشرق الأوسط إثر اندلاع الثورات العربية في أكثر من بلد عربي ابتداء من العام 2011 وحتى تاريخ مغادرة كلينتون موقعها في وزارة الخارجية الأميركية.

رغم أن ما يجمع كلينتون وأوباما هو حس سليم بالمصير التاريخي لهما كوجهين قياديين استثنائيين في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، فإنهما يحملان معتقدات وأفكارا مختلفة جدا ومتباعدة حول كيفية إبراز القوة الأميركية واستخدام أدواتها عند الحاجة

وفي الحقيقة كانت كلينتون كثيرا ما تنأى بنفسها عن سياسات رئيسها الحالي ومنافسها السابق على كرسي الرئاسة حيث كان الاختلاف في وجهات النظر والتوجهات السياسية قد أدى إلى مفترق طرق بينهما.

وخلال سنوات توليها منصب وزيرة الخارجية كان باديا وجليا للقاصي والداني أن جراح المعركة الانتخابية بينهما في العام 2008، لم تندمل أبدا وزاد من آلامها الصدام المستمر بينهما على إدارة ملف السياسات الخارجية للولايات المتحدة.

ويشير لاندلر إلى أن الافتراق كان كبيرا فيما يخص قضايا إستراتيجية في السياسة الخارجية الأميركية وأهمها الحرب في العراق وأفغانستان وكيفية الخروج المجدي من هاتين الحربين، وكذلك الموقف من تسليح المعارضة السورية ودعمها بشكل جدي ومباشر من أجل إسقاط نظام بشار الأسد في دمشق، وأخيرا وليس آخرا الموقف من الثورتين المتواليتين في مصر والتي أسقطت الأولى منهما حسني مبارك، وأسقطت الثانية محمد مرسي الرئيس الإسلامي المنتخب.

أما الخلاف الأعظم بينهما فكان على درجة الوثوق التي يمكن للأميركيين الوصول إليها فيما يخص حكومة موسكو، وكيف يجب التعاون معها فيما يتعلق بالمصالح المتضاربة في العالم عامة، والشرق الأوسط خاصة، يما يضمن المصلحة القومية الأميركية العليا.

فبالنسبة للثورة المصرية واحتجاجات ميدان التحرير كان واضحا تخلي أوباما السريع عن الحليف الطويل الأمد حسني مبارك منذ بداية اندلاع المظاهرات. أما كلينتون فقد كانت شديدة الحذر والتريث في فكرة التخلي عن حليف قديم للولايات المتحدة ولا سيما في دولة كبرى في الشرق الأوسط مثل مصر. وهذان الموقفان النقيضان من الثورة المصرية كانا أول افتراق علني وعميق بين سياسة كلينتون في الخارجية الأميركية وسياسة أوباما في البيت الأبيض.

أما في الحالة السورية التي تشهد أبشع أنواع الحروب في العصر الحديث فيفيد لاندلر بأن موقف هيلاري كلينتون منذ البدايات كان واضحا وحاسما لجهة تسليح المعارضة السورية وتأمينها بالدعم السياسي والإعلامي من أجل إسقاط نظام بشار الأسد، وكان هذا هو الموقف الرسمي للخارجية الأميركية. أما باراك أوباما ومجموعته الاستشارية فقد تمترسوا في البيت الأبيض خلف موقف مترنح من المعارضة السورية وكيفية دعمها لتمكينها من إنجاز عملية الانتقال السياسي في سوريا من الاستبداد إلى الديمقراطية. وكان أوباما شديد التوجّس من التعامل مباشرة مع المعارضة السورية ووقف موقفا صارما من تسليحها إلى درجة منع الدول الإقليمية من القيام بهذه المهمة.

وتعتبر القضية السورية حجر الزاوية والمحور الرئيسي في الخلاف بين كلينتون وأوباما، حيث كان ذلك الخلاف وراء رفضها الخدمة في وزارة الخارجية لفترة ثانية وخروجها من العمل الحكومي ونأيها بنفسها تماما عن باراك أوباما استعدادا لخوض معركة السباق على الرئاسة الأميركية من جديد.

خلاف عقائدي
يرى لاندلر أن الفرق الأساسي بين باراك أوباما وهيلاري كلينتون يكمن في النشأة والرؤية السياسية لكل منهما على حدة، حيث يرسم كل منهما خارطة مناقضة للآخر عن دور أميركا في القرن الواحد والعشرين في العالم. فأوباما يرى أن أميركا لا يجب عليها ولا يمكنها أن تتدخل وتساهم في إيجاد حلول لكل مشاكل العالم، وبإمكانها في الوقت عينه أن تساهم في المبادرات الدولية إذا تعلق الأمر بأزمات دولية قد تهدد أمنها القومي أو مصالحها الإستراتيجية في العالم.

يرى لاندلر أن الفرق الأساسي بين باراك أوباما وهيلاري كلينتون يكمن في النشأة والرؤية السياسية لكل منهما على حدة، حيث يرسم كل منهما خارطة مناقضة للآخر عن دور أميركا عالميا في القرن الواحد والعشرين

بينما ترى هيلاري كلينتون أنه من واجب الولايات المتحدة الأميركية إيصال رسالتها في تحقيق السلام في العالم إلى مناطق النزاع والحروب، وأن على الساسة الأميركيين أن يبشروا بقيم دستورهم المبنية على شرعة حقوق الإنسان العالمية ومساعدة حركات التحرر والتدخل حينما يحتاج الأمر إلى التدخل، وهي رؤية متقاربة مع رؤية بوش الابن التي أعلنها قبيل دخوله العراق.

أما فيما يتعلق باندلاع الربيع العربي في أكثر من دولة عربية، فيشير الكاتب إلى أن مواقفهما كانت تفترق أغلب الأحيان وتلتقي في مرات قليلة إثر تضارب الأحداث في الشرق الأوسط، وانفجار المواقف السياسية والأمنية بشكل مفاجئ وخارج عن التوقعات، من تونس إلى ليببا، ثم من مصر إلى اليمن.

فبالنسبة للثورة في مصر ومظاهرات ميدان التحرير المشهودة يشير لاندلر إلى أن الرئيس أوباما دفع باتجاه خلع الرئيس المصري حسني مبارك وكان مستعدا للتخلي عنه بسهولة. أما هيلاري فقد كانت أكثر حذرا في التخلي عن حليف وصديق قديم للولايات المتحدة. لكن أحداث بنغازي والهجوم الذي شنه متطرفون على البعثة الدبلوماسية الأميركية هناك ومقتل السفير الأميركي في ذلك الهجوم كان مناسبة لعودة المياه إلى مجاريها بين القرينين، ولا سيما أن هيلاري كانت قد دعت أوباما للتدخل مباشرة في ليبيا في ذلك الحين.

القرينان ومستقبل الفوضى
يرى مارك لاندلر أن أوباما وكلينتون ليسا من أهم الشخصيات السياسية التي مرت في تاريخ أميركا وحسب، بل هما المصممان الأساسيان لشكل الحوار وعمقه حول مستقبل القوة الأميركية؛ وهذا الحوار الذي يدور بقوة في مراكز صناعة القرار في واشنطن لا يتعلق فقط بشخص من سيجلس في المكتب البيضاوي، بل يركز على الاتجاه الذي ستسير فيه البلاد حين وصول الرئيس الجديد في ظل المواجهة مع عدو خفي يدير الفوضى في العالم.

ويفيد لاندلر أن كلينتون وأوباما اتفقا في شأن مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على عدم إرسال قوات برية لقتاله؛ بل الاكتفاء بالتدخل من خلال أحلاف دولية لتوفير الدعم الأميركي إثر مأزق التدخل المباشر في العراق.

هكذا يمضي كتاب القرينان مفصلا لظروف الجدل السياسي العميق بين قطبين من أقطاب السياسة الأميركية، والأحداث التي حكمت اشتداد هذا الجدل، ولاسيما فيما يتعلق بالسياسات الخارجية للولايات المتحدة التي كانت رؤية كلينتون منها لا تجاري أهواء البيت الأبيض على الإطلاق.

وبين رئيس انتهت ولايته ومرشحة رئاسية قادمة قد تخلفه في كرسيه الرئاسي تكمن الأسئلة الكبرى حول مستقبل السياسة الأميركية إذا لم تنجح كلينتون في الانتخابات القادمة، وكان الخلف هو الجمهوري دونالد ترامب مع كل العواصف السياسية التي سيحملها معه في حالة فوزه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة