النسوية الإسلامية ودورها في التنمية السياسية في فلسطين   
الخميس 1437/6/2 هـ - الموافق 10/3/2016 م (آخر تحديث) الساعة 15:48 (مكة المكرمة)، 12:48 (غرينتش)
عرض/دلال باجس
صدر مطلع هذه السنة 2016 كتاب جديد لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت تحت عنوان النسوية الإسلامية ودورها في التنمية السياسية في فلسطين لصاحبته خلود المصري، الناشطة النسوية والسياسية الفلسطينية وأول رئيسة للرابطة الإسلامية للمرأة الفلسطينية، وعضو البلدية السابق في مدينة نابلس عن قائمة التغيير والإصلاح، وقد نالت الباحثة عن هذه الدراسة درجة الماجستير من جامعة النجاح.

وتأتي أهمية هذه الدراسة كما ذكرت الباحثة من أهمية دور المرأة الفلسطينية ومشاركتها في المسيرة الوطنية والإسهام في المجال التنموي والاجتماعي والسياسي، ثم إيجاد أدبيات للحركة النسوية، علما بأنه قد انتشرت أدبيات تحاكي الحركة النسوية في نشأتها وتطور عملها وبرامجها، وقد اتخذت تلك الأدبيات اتجاها وحيدا في التوثيق فكان من الصعب إيجاد مادة بحثية تتطرق إلى الإسلاميات وأدوارهن كمشاركات في الميدان العملي في فلسطين.

-العنوان: النسوية الإسلامية ودورها في التنمية السياسية في فلسطين
-المؤلف: خلود رشاد المصري
-الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت
-عدد الصفحات: 100 صفحة
الطبعة: الأولى، 2016

ويقع الكتاب في مئة صفحة من القطع المتوسط، تجوب الباحثة بفصليه تاريخ الحركة النسوية الفلسطينية منذ عشرينيات القرن الماضي، متبعة منهجا تاريخيا تحليليا لدور المرأة الفلسطينية في تشكيل نواة عمل نسوي منظم ومتعدد الجوانب منذ الانتداب البريطاني وحتى النكبة، التي كانت تعد مرحلة ذهبية في نشاط المرأة الفلسطينية السياسي، مرورا بمرحلة الانحسار والنكوص ما بين النكبة والنكسة بسبب منع النظام الأردني للنشاط السياسي، ثم إعادة إحياء دور المرأة في فترة الانتفاضة الأولى، إلى انتكاسة الحراك مرة أخرى بعد أوسلو بسبب تبني فرضية نهاية الاحتلال وبداية مرحلة بناء الدولة ومؤسساتها.

وقد حللت الباحثة أبرز أولويات ذلك الحراك النسوي طيلة القرن المنصرم، والذي يعلو تارة ويهبط سقفه تارة أخرى نتيجة لعوامل أسهبت الباحثة في تعدادها وتبيانها في مراحل الصراع الفلسطيني ضد المحتل، ثم بسبب الانقسام الفلسطيني الذي جمد تقدم الحراك النسوي الإسلامي وأعاق تقدمه نحو النضج المطلوب.

وإذ عرّجت الباحثة على دور المرأة الفلسطينية ونشاطها المنظم تحت مسميات رسمية وغير رسمية، حزبية ومستقلة، فإنها قد سلطت الضوء في دراستها على الشق "الهوياتي" لحراك المرأة الفلسطينية؛ بمعنى أن جملة المطالب التي تؤمن المرأة الفلسطينية بالعمل على تحصيلها والدفاع عنها قد تعددت سبل المطالبة بها، بل وتشظت بين أولويات المراحل السياسية المتعاقبة وإبراز الهوية الفكرية لكل تجمع نسوي، لتضيع بذلك جهود عظيمة تمارسها النساء الفلسطينيات بسبب عدم الاتفاق على آلية موحدة ومشتركة لتحصيل الحقوق السياسية والاجتماعية على حدّ سواء.

ومن جديد هذه الدراسة الذي تضفيه على أدبيات الحركة النسوية الفلسطينية، عرضها لدور النساء الإسلاميات في فلسطين أو ما يطلق عليه النسوية الإسلامية. فتقر الباحثة أن أحد أهم العوامل التي دفعتها لهذه الدراسة هي إهمال الحديث عن الدور الذي تلعبه النساء الإسلاميات على الساحة الفلسطينية وهيمنة اللون الواحد على النطق باسم الحراك النسوي الفلسطيني، وما تبعه من تهميش لتوثيق العمل والجهد الذي تقوم به الإسلاميات على كافة الأصعدة الاجتماعية والتنموية والسياسية. وقد كانت الباحثة والناشطة النسوية إصلاح جاد قد تطرقت للموضوع ذاته قبل ثمانية أعوام في كتابها نساء على تقاطع طرق.

حللت الباحثة أبرز أولويات الحراك النسوي طيلة القرن المنصرم، والذي يعلو تارة ويهبط سقفه تارة أخرى نتيجة لعوامل أسهبت الباحثة في تعدادها وتبيانها في مراحل الصراع الفلسطيني ضد المحتل، ثم بسبب الانقسام الفلسطيني الذي جمد تقدم الحراك النسوي الإسلامي وأعاق تقدمه نحو النضج المطلوب
وبعد التأطير النظري والتعريج التاريخي بعجالة على الفكر النسوي وأسباب ظهوره في الغرب، انطلقت الباحثة لتتحدث بإسهاب عن مفهوم النسوية الإسلامية وأبرز الفروق التي قد تعين على فهم منطلقاتها التي تختلف عن منطلقات مثيلاتها غير الإسلاميات، لتتحدث بعجالة عن المرأة في فكر الحركات الإسلامية الناشطة على الساحة الفلسطينية وعن دورها في المجال العام وفي السياسة بشكل خاص.

وقد عرجت على فكر كل من السلفية، وحزب التحرير، والصوفية، وجماعة الدعوة والتبليغ، وحركة الجهاد الإسلامي، وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)..الخ. وقد لخصت الباحثة آراء ومواقف هذه الحركات والجماعات حول مشاركة المرأة في العمل السياسي والاجتماعي من خلال منهجية المقابلات مع رموز تلك الحركات في فلسطين، دون الإسهاب في تحليل النصوص المكتوبة التي تنظر لفكر هذه الحركات حول المرأة، ودون تقصي البون بين التنظير والممارسة في تنظير وتطبيق تلك الحركات.

وتفرد الباحثة في دراستها قسما للحديث عن النساء في حركة حماس بصفتهن الممثلات للنسوية الإسلامية المنظمة في فلسطين؛ فتتحدث عن إرهاصات ظهور الحراك النسوي الإسلامي منذ منتصف السبعينيات في مسجد العباس في مدينة غزة، إلى ملامح تكوينه التنظيمي الحقيقي مع افتتاح الجامعات الفلسطينية وظهور النشاط الطلابي الذي رافقه، بالتزامن مع ظهور القسم النسائي في الحركة الطلابية الإسلامية، إلى بروز دور الحراك النسوي داخل حركة حماس ومشاركة نسائها بقوة، لا سيما بعد عملية إبعاد قيادات الحركة إلى مرج الزهور سنة 1992، ثم في الانتخابات البلدية والتشريعية وغيرها من النشاطات السياسية والتحشيدية، وصولا إلى ظهور ما سمي بالرابطة الإسلامية للمرأة الفلسطينية التي برزت بشكل رسمي ومرخص بعد الانتخابات التشريعية الثانية سنة 2006 كمؤسسة موازية للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية.

ومن اللافت أن الباحثة في أثناء دراستها تحاول إثبات إحدى فرضياتها الرئيسية حول دور المرأة في الحركات الإسلامية، ومفادها أن بعض العراقيل الموضوعة في وجه تحرك المرأة سياسيا وتنمويا قد وضعتها المرأة نفسها، وذلك من خلال نمط التربية الذي نشأت عليه المرأة في الحركات الإسلامية والذي لم يكن يولي اهتماما لمشاركة المرأة في الحيز العام وفي النشاطات السياسية. فبدلا من أن تدافع بقوة عن حقها في اختراق هذا الحاجز، كانت هي ذاتها حاجزا أمام أخواتها المطالبات بهذه الحقوق.

تحاول الباحثة في أثناء دراستها إثبات إحدى فرضياتها الرئيسية حول دور المرأة في الحركات الإسلامية، ومفادها أن بعض العراقيل الموضوعة في وجه تحرك المرأة سياسيا وتنمويا قد وضعتها المرأة نفسها، وذلك من خلال نمط التربية الذي نشأت عليه المرأة في الحركات الإسلامية
وبالمقابل فإن الباحثة تؤكد "وجود جيل جديد من الناشطات الإسلاميات يتمتّعن بفكر واضح بشأن النظرة للمرأة، ويؤكدن توافق الإسلام مع بعض المعايير الدولية، خصوصا ما يتعلق بمواثيق حقوق الإنسان".

وتلتفت الباحثة في نهاية دراستها إلى ما يمكن اعتباره جانبا مشرقا في استشراف دور المرأة الفلسطينية في المستقبل القريب؛ وتوضح أن هناك عوامل ساعدت في دفع الحركة النسائية -لا سيّما الإسلامية منها- باتجاه التنمية السياسية على المستوى الفلسطيني، ومنها زيادة نسبة تعليم الإناث خصوصا التعليم الجامعي منه، وزيادة الأعباء الاقتصادية على الفرد والعائلة والتي دفعت عددا أكبر من النساء إلى سوق العمل، فضلا عن موجة العولمة -خاصة الثقافية منها- التي ركزت على المرأة وحقوقها وجعلت من الصعب التغاضي عن أطروحاتها والعمل على تعديلها لتناسب البيئة المحلية.

هذا إضافة إلى انتشار وسائل التواصل الاجتماعي بشكل يتيح حوارا وتفاعلا أعمق وأوسع، وإلى التحديات الداخلية وأبرزها صراع المجتمع ضدّ الفساد والديكتاتورية، وإلى التحديات الخارجية المتمثلة بالهجمة الاستعمارية التي تتعرض لها المنطقة بشكل عام.

كل تلك العوامل مجتمعة تجعل الباحثة تعتقد أن وضع المرأة في حراك مستمر في سبيل سعيها لتحصيل أكبر قدر من حقوقها من خلال تنظيم حراكها النسوي بشكل أفضل.

والكتاب إذ يتميز بلغته السهلة التي تمكّن أيّ قارئ من فهم محتواه، وبمعلوماته الأولية التي تهم الباحثين في المراحل الجامعية الأولى والناشطين الشباب، فإنه يعد مرجعا مناسبا للباحثين عن بدايات النسوية الإسلامية في فلسطين أو ما يمكن أن يطلق عليه مدخل لدراسة النسوية الإسلامية في فلسطين؛ حيث يحوي قدرا مهما من المعلومات التاريخية الأولية حول بدايات العمل وتاريخ الحراك النسوي الفلسطيني، ومنه ينطلق الباحث لدراسات أكثر عمقا وتحليلا حول ظاهرة النسوية الإسلامية في فلسطين والعالم العربي.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة