جهات الضغط والتأثير في إسرائيل   
الأربعاء 1435/12/15 هـ - الموافق 8/10/2014 م (آخر تحديث) الساعة 14:47 (مكة المكرمة)، 11:47 (غرينتش)


عرض/محمود الفطافطة
تكشف دراسة "جهات الضغط والتأثير على دوائر القرار في إسرائيل" مدى استفحال وتغلغل كبار أصحاب رأس المال الإسرائيليين في المؤسسة الحاكمة، في العقدين الأخيرين، بعد أن باتوا يُشكلون القوة الضاغطة الأكبر على دوائر القرار في إسرائيل.

وتبين الدراسة أنه في الوقت الذي كان فيه "حيتان المال" على قناعة بأن مصالحهم الاقتصادية الكبرى تتحقق في ظل الاستقرار الأمني والسلام في تسعينيات القرن المنصرم، فقد تبدلت قناعاتهم في السنوات الأخيرة، فأداروا ظهورهم للقضية السياسية، قضية الصراع، وباتوا داعمين لأُطر اليمين المتطرف التي ضمنت لهم حكوماته الأخيرة مصالحهم في ظل القلاقل الأمنية والسياسية.

وتذكر الدراسة أن إسرائيل شهدت منذ مطلع التسعينيات عدة تغييرات بنيوية، اقتصادية واجتماعية وسياسية متزامنة، عززت من العلاقة بين اتخاذ القرار السياسي وبين الدور الذي تلعبه دوائر الضغط والتأثير، بحيث غيرت الكثير من المعايير ومن أدوات العمل التي كانت قائمة منذ العام 1948. ومن أهم هذه التغييرات تحول إسرائيل المطرد من دولة رفاه إلى دولة رأسمالية كلاسيكية تتبنى اقتصاد السوق الحر.

-العنوان: جهات الضغط والتأثير على دوائر القرار في إسرائيل
-المؤلف: برهوم جرايسي
-عدد الصفحات: 68
-الناشر: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار" ـ رام الله
-الطبعة: الأولى، 2014

تتكون الدراسة من محورين، تتفرع منهما عدة عناوين، إضافة إلى المقدمة والاستنتاجات.

في مقدمته يشير برهوم جرايسي إلى أن دراسته تأتي للإجابة عن جملة أسئلة، أبرزها: ما دوائر الضغط والتأثير التي تُسهم في صناعة القرار السياسي في إسرائيل؟ وكيف يتم التأثير على متخذي القرار؟ وما الأدوات المستخدمة في ذلك؟ وما العلاقة بين اتخاذ القرار السياسي وبين تغلغل "حيتان رأس المال"؟ وكيف تلعب مؤسسات اليمين كحلقة وسط بين رأس المال وبين متخذي القرار؟ وما دورها في توجيه الرأي العام وفي تسييره وفق أهدافها؟

وتؤكد المقدمة أن عقد التسعينيات شهد بروز عاملين مهمين كان لهما أثرٌ مستقبلي واسع على اتخاذ القرار السياسي، أولهما: تبني "نظام البرايمرز" في الانتخابات وأثره على فتح الباب أمام تدخل أصحاب رأس المال في السياسة، وثانيهما: تفتت الأحزاب الكبرى والتحول باتجاه حلبة سياسية متعددة المراكز.

ويوضح الكاتب أن "البرايمرز" يقوم على عملية تحتاج لأموال طائلة وتبرعات، وهذا ما استوعبه "حيتان المال"، كطريق سالكة لتغلغلهم في أروقة وأذرع المؤسسة الحاكمة. أما العامل الثاني فنجم عن تعدد الأحزاب وتكاثرها مع اعتماد أسلوب "الانتخابات المفتوحة" وبروز "مقايضة الأصوات" كأداة غير مباشرة، لتأثير أصحاب المال على أهل الحكم والسياسة.

المحور الأول من الدراسة عنون بـ"دوائر الضغط والتأثير"، وجاء فيه "أنه بالتوازي مع التغيرات في الساحة السياسية، ونتيجة للتحولات الاقتصادية التي أخذت منحى التحول إلى سياسات نيوليبرالية، فقد بدأت في البروز قوى مؤثرة جديدة، تلعب دورا مهما في عملية اتخاذ القرار وعلى رأسها "الأوليغاركية الاقتصادية" وبروز جمعيات يمينية ممولة من جهات لها علاقة بهذه الطبقة تعمل على تهيئة الأجواء لتمرير القرارات التي تخدم مصالحها ورؤيتها وتقف حائلا ضد قرارات أخرى".

ويذكر المؤلف أن إسرائيل شهدت بروز عاملين جديدين لهما تأثير على اتخاذ القرار، هما: الأوليغاركية الاقتصادية التي عمل أصحابها طيلة السنوات الأخيرة على "تحرير" الاقتصاد الإسرائيلي من قوانين العمل القديمة باعتبارها عائقا أمام توسعهم الاقتصادي، وقد نجحوا في ذلك لتغلغلهم في أروقة الحكم، من خلال تمويل الأحزاب والسياسيين، وهذا ما ساعدهم في أن يكونوا جهة الضغط المركزية على سدة الحكم في السنوات الأخيرة.

أما العامل الثاني فيتمثل في جمعيات المجتمع المدني والتي بدأت تظهر بكثافة في إسرائيل، خاصة في ظل العولمة، وأبرزها الجمعيات الحقوقية والاجتماعية والإنسانية، وهذه لعبت وتلعب دورا في تسليط الأضواء على قضايا إنسانية وحقوقية، ولكنها لم تكن قادرة على التأثير المباشر في سدة الحكم، وإن حققت إنجازات، فغالبا ما تكون عبر القضاء.

ما شهدته إسرائيل من نمو اقتصادي مرتفع خلال الأوضاع الأمنية المتفجرة، مع قدرتها على مواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية، أكد لأصحاب رأس المال أن النمو الاقتصادي لم يعد مرهونا بالاستقرار السياسي والأمني

ويتطرق الكاتب إلى جدلية النمو الاقتصادي في زمن الحرب والتسوية، فيقول "إن ما شهدته إسرائيل من نسبة نمو اقتصادي عالية جدا خلال الأوضاع الأمنية المتفجرة، وقدرتها على مواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية انعكس في مفاهيم أصحاب رأس المال أن النمو الاقتصادي لم يعد مرهونا بالاستقرار السياسي والأمني، فمفهوم النمو في نظرهم هو ما يحقق الأرباح لمصالحهم".

إلى جانب "حيتان المال" فقد أدرك اليمين الأيديولوجي المتشدد في إسرائيل انقلاب هذا المفهوم، وعرف أن أحد شروط ثبات سيطرته على الحكم، مرهون بتوطيد علاقته مع هؤلاء الحيتان، وهذا استنتاج ثبت بشكل واضح بُعيد الانتخابات البرلمانية التي جرت في مطلع 2013، حين تولى رئاسة تكتل أحزاب المستوطنين واليمين المتشدد ضابط الاحتياط ورجل الأعمال نفتالي بينيت الذي له ارتباطات قوية جدا بالأثرياء. والأمر ينطبق، أيضا، على دور هؤلاء الأغنياء في دعم تولي رئيس حزب "يوجد مستقبل" يائير لبيد منصب وزير المالية.

وبخصوص تغلغل "حيتان المال" في أروقة الحكم، يستعرض الكاتب العديد من الصور، فيبين أن عشر عائلات في إسرائيل تسيطر على 30% من الاقتصاد ككل، وهي صاحبة نفوذ ضخم في المؤسسة الحاكمة، وتؤثر على عملية التشريعات، مما ينتقص من شكل النظام الديمقراطي. كما أن هذه "الطغمة المالية" بات تأثيرها أكثر على المجالس البلدية والقروية، وأيضا على لجان التخطيط والبناء، إذ من خلال هذه القنوات يزداد ثراؤهم بالسيطرة على الموارد الطبيعية.

وحول أشكال وتأثير "حيتان المال" على اتخاذ القرار، يورد الكاتب بعض صور السيطرة ووسائلها، ممثلة أولا: بسيطرة كبار الأثرياء على شركة أو مجموعة شركات ناشطة من خلال شراء أسهم، وثانيا: حينما يصل هؤلاء الأثرياء إلى إدارة الشركات، يعينون مديرين عامين كبارا، ولهم ارتباطات مع المؤسسة الحاكمة.

وثالثا: محاولة هؤلاء خلق علاقات وثيقة مع شركات الاستثمارات المالية أو شراء أسهم فيها للتأثير عليها، ورابعا: إحاطة هؤلاء أنفسهم بعدد من المستشارين الاقتصاديين والحقوقيين المهمين وذوي النفوذ لدى المؤسسة الرسمية، وخامسا: التغلغل في الحلبة السياسة عبر التأثير على وزراء ونواب قادرين على التأثير مباشرة على "الإصلاحات" و"التعديلات القانونية" القادرة على رفع أو إسقاط هؤلاء.

وفي عنوان "السيطرة على الإعلام" يبين جرايسي أن كثيرا من وسائل الإعلام الإسرائيلية تحمي مباشرة مصالح أصحاب رأس المال، وأن هذه "البيئة المسممة" آخذة بالاتساع في جميع هذه الوسائل، وشيئا فشيئا باتت متعلقة بالممولين لها، أكثر من التعلق بالرسالة التي يجب أن تحملها، ويأتي الكاتب بصحيفتي "معاريف وإسرائيل اليوم" كنموذجين لتغول المال على الإعلام.

"انتقادات دون تقدم" هو العنوان الأخير في المحور الأول، ويعالج فيه الكاتب عدم تلقي الانتقادات الرسمية لخطر علاقة رأس المال بالسلطة تجاوبا أو تصحيحا، لأن كافة القوانين والأنظمة "المعدلة" لا تعالج الجوهر، وعلى العكس من ذلك، فإن الحيتان يحققون مكاسب وامتيازات من المؤسسة الحاكمة أكثر من ذي قبل لتحكمهم بهوية الأشخاص الذين يتولون المسؤوليات العامة".

بما أن من يتربع على الحكم بإسرائيل في السنوات الأخيرة هو اليمين المتشدد، فإن التأثير الجوهري على القرار والنهج السياسي هو من نصيب جمعيات ومراكز تابعة له، فيما تحارب جمعيات حقوقية لها توجهات مناقضة لليمين

المحور الثاني عنوانه "دوائر التأثير-مراكز وجمعيات اليمين"، وجاء فيه "بما أن من يتربع على عرش الحكم الإسرائيلي في السنوات الأخيرة هو اليمين المتشدد، فإن التأثير الجوهري على القرار والنهج السياسي هو من نصيب جمعيات ومراكز تابعة له، وفي المقابل تجري محاربة جمعيات حقوقية لها توجهات مناقضة لليمين".

ويرى الكاتب "أن هذه الحركات تعمل على خلق أجواء داخل دوائر القرار تساعد على تمرير أجندتها، وإن اقتضت الضرورة، فإنها تشن حملة إعلامية ضاغطة كما جرى في حالة منهاج موضوع المواطنة في المدارس في 2013، حينما مُورست ضغوط من أجل إقالة مدير القسم وتغيير المنهاج لجعله أكثر صهيونية.

وفي عنوان "إنتاج الهيمنة اليمينية" يستعرض الكتاب وجود ثلاثة اتجاهات لعمل جمعيات اليمين المتطرف، أولها: إعداد مشاريع ميدانية لتنفيذها بمساعدة الحكومة، خاصة المتعلقة بالاستيطان، وثانيها: العمل على تجنيد الرأي العام لصالح أجندة اليمين، ولصالح الحكومة إن كانت مطابقة لأجنداته، وثالثها: تقديم مشاريع قوانين من خلال المؤسسة الحاكمة هدفها ملاحقة جمعيات وشخصيات مناقضة لتوجهات هذا اليمين.

العنوان الأخير من الكتاب خُصص للتعريف بعدد من هذه الجمعيات اليمينية، ومنها بحركة "أم ترتسو" الهادفة لتعميق المفاهيم الصهيونية وإقامة دولة لأبناء الديانة اليهودية، ومركز "أن جو مونيتور" الهادف لملاحقة الجمعيات الحقوقية ذات التوجهات السلمية، وحركة "يسرائيل شيلي" الناشطة في تسويق أجندة الاستيطان وفرض ما يسمى "السيادة الإسرائيلية" على الضفة.

وهناك "مجلس ييشع" الذي له تأثير كبير على الحكومة بخصوص الاستيطان، إلى جانب "جمعية إلعاد" المتخصصة بالسيطرة على حي سلوان والقدس والأقصى، وجمعية "عطيرت كوهنيم" المتخصصة بوضع اليد على عقارات في البلدة القديمة بالقدس.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة