لماذا تتحارب الأمم   
الخميس 22/11/1434 هـ - الموافق 26/9/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:50 (مكة المكرمة)، 12:50 (غرينتش)

عرض/وليد الزبيدي
يتفق الباحثون في الشؤون العسكرية والإستراتيجية على أن البحث في أسباب الحروب لن تضع حدا لها ولما تتسبب به من كوارث للأمم والشعوب، لكن هذه القناعة لم تقف حائلا أمام الكثير من العلماء في مواصلتهم البحث في هذه القضية الخطيرة التي تواصلت في مختلف الحقب التاريخية، ولم تتمكن التطورات الحضارية والثقافية والمعرفية من وضع حد لها.

بل إن الدول والإمبراطوريات سارعت بتوظيف العلم والتكنولوجيا في خدمة الحروب أكثر من تفعيل المعرفة لتقف بالضد من هذه الكوارث والحروب.

-العنوان: لماذا تتحارب الأمم
-المؤلف: ريتشارد نيد ليبو
-الصفحات: 350
-الناشر: المجلس الوطني للثقافة بالكويت
-الطبعة: الأولى، 2013

وفي هذا الإطار يبحث مؤلف كتاب "لماذا تتحارب الأمم" العالم الأميركي ريتشارد نيد ليبو الذي وضع لكتابه عنوانا فرعيا "دوافع الحرب في الماضي والمستقبل".

وفي سبيل إيضاح موقفه من الحرب بصورة عامة يضع ثلاثة دوافع أساسية لما يسميه بـ(السلوكيات) المتعلقة بالسياسات الخارجية، وهي: الخوف والمنفعة والشرف، كما أنه يؤمن بما قاله مارتن لوثر كينغ، من أن الحرب إزميل سيئ لنحت الغد، وهو ما تصدر مقدمة الكتاب.

حروب "المكانة"
لم يتم تداول مصطلح حرب "المكانة" على نطاق واسع في أدبيات الحروب الكثيرة التي تزخر بها البحوث والكتب الخاصة بنظريات الحروب وتاريخها تلك التي صدرت في مختلف دول العالم، لكن الكتاب الذي بين أيدينا يفرد مساحة مهمة لهذا النوع من الحروب.

وفي دراسته لأهم دوافع الحروب منذ العصور القديمة يقول المؤلف إنه رغم أننا لا نعرف إلا القليل عن "الحرب" في عصور ما قبل التاريخ، نستطيع أن نفترض على نحو معقول أنها نشأت عن صراعات على النساء، وآبار السقي، وأراضي الصيد، والأراضي التي اعتبرت ذات قيمة لأسباب دينية أو اقتصادية، ولم يكن موضوع المكانة غائبا في الكثير من الحروب التي شهدتها البشرية، لكن هذه "المكانة" بقيت محصورة في رقعة جغرافية محددة.

وبينما كان التنافس أثناء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي على أشده في النصف الثاني من القرن العشرين، فإن التركيز في مجمل الطروحات التي برزت في تلك الحقبة لم يقدم إمكانية الهيمنة المطلقة لإحدى القوتين على جميع دول العالم لتبوء المكانة بدون منافس.

لهذا فإن انهيار الاتحاد السوفياتي لم يقوّض بصورة نهائية وجود روسيا، ولم تشطب من قائمة الدول الكبرى، الأمر الذي دفع بالولايات المتحدة لسلوك طريق آخر تحاول تأكيد مكانتها الأولى في العالم، فجاء احتلالها لأفغانستان عام 2001، وبعد ذلك احتلال العراق عام 2003.

ويولي المؤلف أهمية خاصة في دراسته لقضية "العراق"، ففي السطور الأولى من كتابه يأتي على حرب العراق، وبعد أن يكون مدخله بجملة تقول "يمثل العنف المنظم نقمة ابتليت بها البشرية منذ العصر الحجري الحديث على الأقل"، يقفز إلى القرن العشرين الذي عانى من حربين عالميتين مدمرتين، أدت كل منهما إلى مشاريع كبرى تالية للحرب.

يضع المؤلف ثلاثة دوافع أساسية لما يسميه بـ(السلوكيات) المتعلقة بالسياسات الخارجية، وهي: الخوف والمنفعة والشرف، كما أنه يؤمن بما قاله مارتن لوثر كينغ، من أن الحرب إزميل سيئ لنحت الغد

وفي الوقت الذي نجح فيه المنتصرون في الحرب العالمية الثانية إلى حد كبير في جعل أوروبا منطقة سلام، لم ينجحوا في درء أكثر من خمسين حربا بين الدول.

ثم ينتقل المؤلف مباشرة إلى حرب العراق ليقول إن التدخل الأنجلو-أميركي في العراق تسبب في إزهاق أرواح ما بين ستمائة ألف ومليون نسمة، كما كلف الولايات المتحدة أكثر من ثلاثة تريليونات دولار إذا تضمنت التكلفة المزايا والرعاية الصحية التي سيحصل عليها قدامى المحاربين.

كما أن الكاتب نيد ليبو يخصص الفصل السادس من كتابه للحديث عن حرب "المكانة" ويفرد مساحة هامة للحرب على العراق عام 2003، مخالفا في رأيه عن دوافع الحرب الكثير من المفكرين والسياسيين الذين يعزون دوافع أميركا إلى الجانب الاقتصادي وتحديدا قضية النفط.

وأكد أن دافع "المكانة" يقف وراء التدخل الأنجلو-أميركي في العراق، وأنه لم تكن هناك دوافع إستراتيجية أو اقتصادية مقنعة لغزو العراق.

ورغم الادعاءات التي كثيرا ما صرح بها نعوم تشومسكي وغيره، والقائلة بأن الغزو كان مدفوعا بالرغبة في السيطرة على نفط الشرق الأوسط، فإن هذا التفسير غير مقنع تقليديا، ويعطي تفسيرا عقلانيا لهذه المسألة، تتمثل في حصول الولايات المتحدة على نفط العراق بيسر وسهولة، كما أن النفط سيذهب بكميات أكبر إلى الولايات المتحدة في حال وافقت الأخيرة على رفع الحصار المفروض على العراق منذ العام 1990.

ولتأكيد ما ذهب إليه الكاتب، فإن أول باخرة نفط عملاقة أبحرت من ميناء البكر في شط العرب بعد توقيع اتفاقية "النفط مقابل الغذاء والدواء عام 1996" كانت باخرة أميركية رغم العداء المعلن والواسع بين بغداد وواشنطن.

ويشير المؤلف إلى أن الهدف من غزو العراق استعراض القوة العسكرية والإرادة السياسية الأميركية، وبعث رسالة مفادها القوة والعزم إلى مجموعة متنوعة من الجماهير في الشرق الأوسط، تؤكد سهولة إسقاط الأنظمة وإقامة حكومات صديقة.

وما يؤكد ما يذهب إليه المؤلف في هذه الجزئية المهمة أن أنظمة كثيرة قد أصابها الخوف والهلع بعد احتلال الدبابات الأميركية مدينة بغداد في التاسع من أبريل/نيسان 2003 وإسقاط التمثال الشهير للرئيس الراحل صدام حسين بعد ثلاثة أسابيع من بداية الحرب التي اندلعت في أواخر مارس/آذار 2003.

طالما أن نتائج الحرب التي أرادتها الإدارة الأميركية لإثبات المكانة في العالم بعد تفردها بالقطبية الواحدة قد جاءت سلبية على صعيدي الرأي العام الأميركي والخسارة العسكرية الميدانية في العراق، فإنها لن تتكرر في مكان آخر
ولم تتنفس العديد من الأنظمة الصعداء إلا بعد بروز المقاومة العراقية في وقت مبكر جدا وإرباكها المخطط الأميركي، ثم إرغام إدارة البيت الأبيض على سحب القوات الأميركية من العراق أواخر العام 2011.
 
دلالات الرأي العام
في إثباته لفشل حرب "المكانة" يورد المؤلف المراحل التي مرّ بها الرأي العام في الولايات المتحدة، وكيف صدق المواطنون الأميركيون الساسة الذين تحدثوا عن الأخطار القادمة من العراق وتهديدها للأمن القومي الأميركي، ثم الارتداد الكبير في قناعات الأميركيين في تلك المزاعم.
 
فبينما ارتفع التأييد الشعبي للحرب في الأشهر التي سبقت الحرب على العراق وتحديدا بعد تقديم كولن باول أدلة مزعومة عن امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل في مجلس الأمن في الخامس من فبراير/شباط 2003، حيث وصلت نسبة التأييد للحرب إلى 72%، قبل أن يتسبب عدم العثور على أسلحة الدمار الشامل المزعومة بعد احتلال العراق إلى فقدان نسبة كبيرة من الجمهور الأميركي الثقة بقيادته.

وهذا ما أظهره الاستطلاع الذي أجرته الواشنطن تايمز في أغسطس/آب 2004، وأكد فيه 67% من الجمهور الأميركي أنهم يشعرون بتعرضهم للخيانة، معتبرين أن الحرب قد استندت إلى افتراضات زائفة.

وطالما أن نتائج الحرب التي أرادتها الإدارة الأميركية لإثبات المكانة في العالم -كما يرى المؤلف- بعد تفردها بالقطبية الواحدة قد جاءت سلبية على صعيدي الرأي العام الأميركي والخسارة العسكرية الميدانية في العراق، فإنها لن تتكرر في مكان آخر.

وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد اعترف في خطابه الذي أعلن فيه سحب القوات الأميركية من العراق في أكتوبر/تشرين الأول 2011 "أن جيلا كاملا من الأميركيين سيعاني من حرب العراق".

تراجع الحروب بين الدول
بعد التجارب القاسية التي عاشتها الأمم والشعوب، تبقى الحرب في نظر الغالبية العظمى من الناس في كل مكان "إزميلا سيئا لنحت الغد"، كما قال مارتن لوثر كنغ.

وفي الوقت الذي يرى فيه المؤلف أن الحروب بين الدول في انخفاض كما يتفق العديد من العلماء، يزداد العنف داخل الدول، وبدون شك أن إلقاء نظرة على العديد من دول المنطقة العربية على الأقل يؤكد هذا الرأي، فهناك العنف المستمر في العراق منذ العام 2003، والعنف المتقطع في لبنان، والعنف الذي تمارسه السلطات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، يضاف إلى ذلك العنف في كل من سوريا وليبيا ومصر واليمن ودول أخرى.
التساؤل المطروح في ضوء تراجع الحروب بين الدول واشتعال الحروب والعنف داخل بعض الدول هو: هل سيكون البديل عن حروب الدول التي سادت لعصور طويلة هو العنف والحروب بين أبناء البلد الواحد؟
 
وإذا كانت حروب القرن العشرين وأعمال العنف قد تركت 160 مليون قتيل -كما يقول وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت ماكنمارا- فإن العالم قد تجنب الحروب النووية التي قرعت طبولها على أوسع نطاق خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وتوقع المختصون أن نشوبها قد يوقع ما لا يقل عن نصف مليار قتيل من البشر، فضلا عن الكوارث البيئية والخسائر في النبات والحيوان والطيور.
 
كما أن أحدا لم يتمكن من تصور حجم الخسائر البشرية والاقتصادية التي ستتركها الحروب والعنف الداخلي، الذي من المتوقع أن تتسع رقعته في حال لزم المجتمع الدولي والمنظمات الدولية الصمت إزاء أعمال العنف تلك، ولم يتم التحرك الحقيقي والعملي لوضع حد لها وإنهائها.

في خاتمة كتابه يتساءل نيد ليبو: هل لا تزال الحرب ممكنة؟ ويقدم جوابا مقتضبا ومركزا، إذ يرى أن التفسيرات المتعددة لانخفاض وتيرة الحرب تقيم وزنا كبيرا لاستياء النخبة -فضلا عن الجماهير- من الحرب، رغم أنها تتباين في الأسباب التي تطرحها لهذا الموقف.

والتساؤل المطروح في ضوء تراجع الحروب بين الدول واشتعال الحروب والعنف داخل بعض الدول هو: هل سيكون البديل عن حروب الدول التي سادت لعصور طويلة هو العنف والحروب بين أبناء البلد الواحد؟
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة