الاتحاد من أجل المتوسط.. الأبعاد والآفاق   
الأحد 4/5/1431 هـ - الموافق 18/4/2010 م (آخر تحديث) الساعة 11:50 (مكة المكرمة)، 8:50 (غرينتش)

عرض/ سكينة بوشلوح

أفرزت التطورات التي أعقبت انهيار المعسكر السوفياتي، وذلك قبل نهاية الألفية الثانية مؤشرات غاية في الخطورة، أبرزها ترك المجال شاغرا أمام صندوق النقد الدولي ومجموعة السبع الكبار ومنظمة التجارة العالمية للاستفراد والتحكم في العالم، وخلق مرحلة إمبريالية جديدة من شأنها أن تكلف القوى العظمى والقوى الثانوية الكثير من الحروب لإعادة ترتيب هذه الأقاليم وفق متطلبات السوق الجديدة وعلى إيقاع ما يسمى الفوضى البناءة.

وهذا ما ينعكس على مستوى العلاقات الدولية وبالتالي إفراز تكتلات اقتصادية، وسياسة تهدف إلى المساهمة في هذا الترتيب وفق أجندتها منها بروز تكتلات أورومتوسطية.

أراد المؤلف من خلال هذا الكتاب أن يسلط الضوء على آخرها وهو الاتحاد من أجل المتوسط، والمؤشرات التي من شأنها أن تهدد هذا الوليد.

همزة وصل بين أوروبا وأفريقيا
بين المؤلف عبد القادر رزيق أن فكرة الاتحاد المتوسطي شكلت هاجسا لنيكولا ساركوزي منذ كان وزيرا للداخلية الفرنسية سنة 2005، وفي ذروة المعركة الانتخابية الرئاسية أعلن في فبراير/شباط 2007 صراحة مشروعه مستعرضا فوائد التعاون والاتحاد بين ضفتي المتوسط في زمن العولمة الاقتصادية وسقوط الجمارك بين الدول.

-الكتاب: الاتحاد من أجل المتوسط.. الأبعاد والآفاق
-المؤلف: عبد القادر رزيق المخادمي
-عدد الصفحات: 192
-
الناشر: ديوان المطبوعات الجامعية, الجزائر
-الطبعة الأولى 2009
وعشية انتخابه رئيسا للجمهورية أطلق نداء للانضمام لمشروعه الذي اعتبره حلما كبيرا للحضارة, يوحد أفريقيا وأوروبا ويبني مصيرا مشتركا بينهما للتأثير في مصير العالم ومواجهة العولمة.

ويعتبر الكاتب أن مشروع الاتحاد المتوسطي -وفق الرؤية الفرنسية- يشكل تحديا كبيرا لشعوب المتوسط المجروحة قلوبها والممزقة بآلام وذكريات موجعة, ولذلك أطلقت فرنسا هذه المبادرة، لكن الرئيس ساركوزي لم يفلح في إقناع شركائه الأوروبيين خاصة البلدان غير الشاطئية المتوسطية بالانخراط في مبادرته، ليفرغ هذا المشروع من محتواه الأساسي ويفرض عليه صبغة جديدة لا تخرج عن إطار الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وبلدان الجنوب المتوسطي.

ومنه فإن الانتقال من الاتحاد المتوسطي إلى الاتحاد من أجل البحر الأبيض المتوسط جاء كمشروع جديد (فرنسي ألماني) ليكبح -حسب رأي الكاتب- جماح فرنسا وتطلعاتها وطموحاتها المستقبلية، إذ أرغمت برلين باريس على تصحيح مبادرتها التي تهدف بالأساس إلى تفضيل دول جنوب أوروبا وتهديد كيان الاتحاد الأوروبي بإقصاء عواصم الدول الأوروبية غير المطلة على البحر الأبيض المتوسط من هذا المشروع.

وبهذا التصحيح أكدت اللجنة الأوروبية تحمسها للمشروع رغبة في مواجهة مجموعة تحديات فرضت نفسها على المنطقة، أولها التحديات الاجتماعية كتنامي الهجرة السرية والجريمة المنظمة، وثانيها التحديات الأمنية كالإرهاب العابر للحدود وتبييض الأموال وتجارة المخدرات، وثالثها التحديات البيئية كتلوث البحر المتوسط وندرة المياه الصالحة للشرب، ورابعها التحديات الخارجية والمتمثلة أساسا في المنافسة الأميركية على المنطقة.

ويفصل الكاتب في أهداف المبادرة الساركوزية التي جاءت لاعتبارات عدة، منها قناعة فرنسا بأن مجالها الحيوي في المحيط المتوسط، خاصة أن حقائق التاريخ لا تزال تحتفظ بالسجل الاستعماري الحافل للإمبراطورية الفرنسية، ومحاولة ساركوزي استعادة مجد هذه الإمبراطورية من خلال مجاراة الولايات المتحدة التي تستثمر في جنوبها أي دول أميركا الجنوبية، واليابان التي تستثمر في إندونيسيا وغيرها، وهذا ما تفتقر إليه المنطقة المتوسطية وتعتبره فرنسا عجزا ينبغي تداركه مع دول الضفة الجنوبية للبحر المتوسط.

وحتى لا تصطدم المبادرة الفرنسية بالمشروع الأميركي في المنطقة، آثرت فرنسا اتباع الدبلوماسية الناعمة التي تقوم على أساس التفاهم والتنسيق مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، بعد فشل عرقلة المشروع الأميركي الصهيوني في العراق رغم حشدها تكتلا كبيرا من الدول الأوروبية.

تأسيس الاتحاد في ظل تأويلات الشمال والجنوب
"
توجست بلدان الاتحاد الأوروبي خيفة من النوايا الدفينة من المبادرة الفرنسية لإنشاء الاتحاد من أجل البحر الأبيض المتوسط، واعتبرها البعض غزوا فرنسيا، كما انتقدت منظمة العفو الدولية الاتحاد الجديد وقالت إنه يضحي بحقوق الإنسان لصالح الأعمال
"
وسط احتفالية ضخمة وباذخة ووسط إجراءات أمنية صارمة، أعلن الرئيس الفرنسي في الثالث عشر يوليو/ تموز 2008 في القصر الكبير بالعاصمة باريس ميلاد الاتحاد من أجل المتوسط بحضور قادة 43 دولة بمن فيهم كل أعضاء الاتحاد الأوروبي الـ27 ، وقد جاء تزامنا مع ذكرى استقلال فرنسا وأيضا بالذكرى الأربعين لميلاد أول تجمع فرنكوفوني تقوده فرنسا، التي نجحت من خلاله في صناعة طبقة عربية مثقفة في لبنان والمغرب العربي تدين بالولاء والإعجاب بالنموذج الفرنسي.

ويشير الكاتب إلى أن ساركوزي بذل جهودا كبيرة من أجل مشاركة جميع القادة العرب منهم الرؤساء الجزائري والسوري والسلطة الفلسطينية في القاعة نفسها، وحول طاولة واحدة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي.

وقد جاء في ديباجة لإعلان باريس أن الغرض من إنشاء هذا الاتحاد هو بناء السلام والازدهار لكل المنطقة، وإقامة شراكة متعددة وتعزيز التكامل والانسجام الإقليمي، كما يؤكد أهمية مشاركة المجتمع المدني والهيئات الإقليمية والقطاعات الخاصة لإنجاحه مع التركيز على الندية في التعاون والعمل المشترك وتقرير المشاريع وتنفيذها.

وفصل الإعلان تأسيس الاتحاد من رئاسة ثنائية وأمانة عامة مفتوحة لكل المنظمين إليه وليست مقتصرة على الدول المتوسطية، كما يأمل ساركوزي -كما نص الإعلان- انعقاد قمم الاتحاد بالتناوب بين عاصمة متوسطية وأخرى أوروبية فيما تكون الرئاسة ثنائية، والجدير بالملاحظة أن فرنسا ومصر حاليا أول من يتقاسم رئاسة الاتحاد بشكل دوري كل سنتين، وتم اختيار مقر أمانة الاتحاد في برشلونة كحل وسط.

كما يؤكد المؤلف أن قيام الاتحاد واجه ردود فعل قوية تميزت بالشك والنقد والتساؤلات سواء على المستوى العربي أو الأوروبي. فعلى صعيد الدول الأوروبية فقد توجست بلدان الاتحاد خيفة من النوايا الدفينة من المبادرة الفرنسية، واعتبرها البعض غزوا فرنسيا، كما انتقدت منظمة العفو الدولية الاتحاد الجديد وقالت إنه يضحي بحقوق الإنسان لصالح الأعمال.

أما تركيا فعارضت المشروع برمته وترى فيه محاولة جديدة لإلحاق جنوب المتوسط بشماله في وجه الزحف الأميركي الصيني وخطة لمواجهة الهجرة السرية التي تنطلق من الجنوب نحو الشمال عبر استبدال اليد العاملة التركية والعربية والإسلامية بشعوب أوروبا الشرقية التي التحقت بالمجموعة الأوروبية، مما سيشعل أزمات اجتماعية واقتصادية إقليمية بالغة الخطورة.

وتركيا في نظر المؤلف تقود باسم دول الجنوب عملية الحصول على ضمانات وتفسيرات من دول الشمال حتى تطمئن إلى أن هذا النوع من التعاون بين دول غبر متكافئة لن يفرض على دول الجنوب دفع الثمن أكثر من مرة.

وإذا كانت الدول الأوروبية قد تمكنت من تخطي الاختلافات التي سادت بينها وتبديد الهواجس، فإن دول الجنوب وأغلبها عربية لا يبدو أنها تسير بهذا الاتجاه، خاصة وأن عدة مسؤولين وخبراء لم يخفوا تحفظاتهم إزاء المشروع الذي يعتقد الكثيرون في الدول العربية بأنه تمهيد لإدماج إسرائيل في المنطقة بل ومكافأتها على إجرامها اليومي ضد الشعب الفلسطيني، فالرؤية العربية هي أن الاتحاد بمثابة حيلة لتشجيع التطبيع مع إسرائيل من دون أن تقدم هذه الأخيرة أي تنازلات سياسية، وهم يفضلون شراكة بين الاتحاد الأوروبي والعالم العربي واستبعاد إسرائيل إلى أن توافق على إحلال السلام.

"
إذا كانت الدول الأوروبية قد تمكنت من تخطي الاختلافات التي سادت بينها وتبديد الهواجس، فإن دول الجنوب وأغلبها عربية لا يبدو أنها تسير في هذا الاتجاه خاصة وأن عدة مسؤولين وخبراء لم يخفوا تحفظاتهم إزاء المشروع
"
أما التيارات السياسية القومية في سوريا فتخشى أن يكون الاتحاد بديلا عن الوحدة العربية أو على الأقل التكامل العربي في المجالات السياسية والاقتصادية، وإعاقة بطريقة ما لعمل جامعة الدول العربية، بل أكثر من ذلك يخشون أيضا أن يكون المشروع برمته يهدف فقط لدمج إسرائيل في المنطقة على حساب الحل العادل للقضية واستعادة الأراضي المحتلة، أو أن يكون مشروعا اقتصاديا بحتا يهدف إلى نهب ثروات الجنوب بطريقة حضارية.

أما على صعيد دول المغرب العربي فردوده تباينت بين مرحب قوي ورافض قاطع، فالأولى وعلى رأسها تونس تطمح أن تعامل كشريك كامل العضوية بالاتحاد رغم تباين الفوارق بين الضفتين، والثانية وعلى رأسها ليبيا أبدت صراحة مخاوفها من احتكار المفوضية الأوروبية للقرار نظرا لقوتها المادية. ويلتقي الموقف الجزائري مع الليبي باعتبار الأعضاء من الجانب الأوروبي منحازين لإسرائيل، إلى جانب ما يمكن أن يشكله من أخطار إضافية على الصف العربي المتصدع وسعيه لعزل البلدان العربية من عمقها الإستراتيجي في أفريقيا على نحو يقوض دور الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي.

إضافة لذلك تشترط الجزائر أن يكون للجامعة العربية مقعد دائم في هياكل الاتحاد المتوسطي مثله مثل الاتحاد الأوروبي، وهو المطلب الذي تصر إسرائيل على رفضه وتطالب بمناصب حساسة وبالتحديد أمانته العامة.

إذن الاختلافات تبدو واضحة بين ضفتي المتوسط سياسيا واقتصاديا، فحين يبلغ الدخل الفردي في بلدان الشمال 26 ألف دولار لا يتجاوز سبعة آلاف في الجنوب. واعتبر المؤلف وزن الاتحاد الأوروبي هائلا حيث إنه يمثل 86% من إجمالي ناتج الدخل بالدول التي يفترض أن تنضم للاتحاد المتوسطي.

من التحديات إلى التوقعات
ويرى المؤلف أن التحديات التي تواجه الاتحاد من أجل المتوسط هي نفسها التي واجهت مسار برشلونة الأورومتوسطي، وهي لا تزال قائمة خاصة في شقها السياسي، إذ أن عملية السلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية تواجه صعوبات تجعلها متعثرة حاليا في ظل الأوضاع السائدة بعد هجوم إسرائيل على قطاع غزة (يناير/ كانون الثاني2009) الأمر الذي دفع مصر إلى الطلب رسميا تعليق كل الاجتماعات ذات الصلة بالاتحاد ولم يتم حتى الآن عقد أي اجتماع.

فرغم أن الرئيس حسني مبارك يشارك في رئاسة الاتحاد ورغم أن مصر في سلام مع إسرائيل، فإن الرئيس المصري انصاع لغليان الشارع العربي وغضبه بسبب الحرب المدمرة على غزة، وكذا امتناع بعض الدول الأوروبية الأعضاء بالاتحاد من أجل المتوسط عن التصويت لصالح قرار أصدره مجلس حقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمم المتحدة وأدان فيه العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

كما عرج الكاتب على مؤتمر الأمم المتحدة لمكافحة العنصرية الذي انعقد في جنيف حيث انسحبت ست دول أوروبية من قاعة المؤتمر بعد وصف ممثل ليبيا إسرائيل بأنها دولة عنصرية، ويأتي هذا الانسحاب بعد يوم من مغادرة العشرات من مندوبي الدول الغربية قاعة المؤتمر احتجاجا على كلمة الرئيس الإيراني الذي هاجم فيها إسرائيل بسبب سياستها ضد الشعب الفلسطيني.

وينتقد عدد كبير من بلدان أفريقيا الشمالية الاتحاد من أجل المتوسط بشدة، فرعاياها لا يدخلون بحرية أكبر إلى أوروبا، ويتم التعامل مع الهجرة السرية بقسوة مقابل الهجرة المنتقاة التي يحدد فيها البلد الأوروبي مسبقا قائمة احتياجاته من المهاجرين ومؤهلاتهم العلمية والمهنية، الأمر الذي سيزيد من هجرة الكفاءات المحلية لدول جنوب البحر الأبيض المتوسط.

ويضيف الكاتب ثلاثة تحديات أخرى على الأوروبيين مواجهتها لدى انطلاق عمل هذا الاتحاد، الأول حركة سياسية جديدة، إذ أن على القادة الأوروبيين الحضور مع القادة المتوسطيين بالقمم التي ستعقد مرة كل سنتين، والثاني الرئاسة المشتركة للاتحاد ستتيح لبلدان الجنوب الالتزام تماما بآلية عمل الاتحاد، والثالث المشاريع الإقليمية الكبرى التي ستعقّد بكل بلدان الجنوب المتوسطي من جهة التمويل أو التنفيذ.

"
ينتقد عدد كبير من بلدان أفريقيا الشمالية الاتحاد من أجل المتوسط بشدة، فرعاياها لا يدخلون بحرية أكبر إلى أوروبا، ويتم التعامل مع الهجرة السرية بقسوة مقابل الهجرة المنتقاة التي يحدد فيها البلد الأوروبي مسبقا قائمة احتياجاته من المهاجرين
"
وقد تباينت توقعات المحللين من أهداف الاتحاد، فبعضهم كان متفائلا ورأى فيه بارقة أمل قد تتيح لبلدان الجنوب تنمية اقتصادية مستدامة حقيقية سيّما أن هذه الأخيرة شريكة كامل الشراكة في عمل هذا الاتحاد، في حين رأى البعض فيه عودة لسياسة الأحلاف ومناطق النفوذ وغزوا غير مباشر، ورأى فيه آخرون صيغة لكبح جماح الهجرة غير الشرعية من الجنوب إلى الشمال.

ويخلص الكاتب في الأخير إلى أن المبادرة تحمل بذور الشقاق بين طياتها، بحيث تهدد استمرارها ومصيرها من خلال التباين الملحوظ بين دول الاتحاد، فالدول الأوروبية منسجمة مع بعضها في إستراتيجياتها ومصالحها ورؤاها بشكل عام، وتشكل المحور النشيط والقوي في هذا الاتحاد، أما دول جنوب الحوض فهي متنافرة وغير متحدة أصلا في الرؤى والمصالح والأهداف، وتشكل المحور الخامل الضعيف في المعادلة.

دون أن ينسى وجود إسرائيل داخل هذا الاتحاد فهو في حد ذاته عنصر انشقاق وتشرذم، فكيف يمكن جمع دول متناقضة الأفكار والإستراتيجيات مع بعضها وهي في حالة حرب غير معلنة، وكيف يتم الاتحاد بين دول ترفض التطبيع وأخرى تشجعه.

بيد أن نجاح الدبلوماسية الفرنسية في إخراج المشروع من حيز الأفكار المجردة إلى حيز الواقع العملي وقيادتها لمشروع كبير بهذا الحجم بعمق البعد الإستراتيجي لأوروبا في المنطقة، يعني إعلان المنافسة مع مصالح أميركا ونفوذها في المنطقة، وبالتالي عدم ارتياح الإدارة الأميركية واحترازها مما قد يكون مدعاة لدبلوماسية التدخل في السر -كما في العلن- في تفاصيل هذا المشروع من أجل شله أو إيقافه قبل أن يتحول إلى نواة جذب واستقطاب هامة تخدم مصالح أوروبا وتكسبها وزنا إضافيا في المعادلة الإستراتيجية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة