حتى يكون للأمة مكان في هذا الزمان   
الخميس 1428/3/4 هـ - الموافق 22/3/2007 م (آخر تحديث) الساعة 14:34 (مكة المكرمة)، 11:34 (غرينتش)

عرض/ زياد منى
صدر أخيرا للطبيب التونسي والناشط في اللجنة العربية لحقوق الإنسان منصف المرزوقي كتاب جديد يحوي مجموعة من المقالات سبق أن نشر بعضها في صحف ودوريات، أو على موقعه على الإنترنت وبعضها جديد، لكن من دون تحديد تاريخ نشر أي منها.

والمؤلف ناشط بارز كذلك في مجال الدعوة للمجتمع المدني في بلادنا العربية، وسبق أن تعرض له النظام التونسي بسبب نشاطه في صحيفة الرأي التونسية ومجالات أخرى. وقد قدم للكتاب د. نادر فرجاني.

يتضمن الكتاب 24 مقالة تغطي مجالات كثيرة. ولأن المؤلف لم يقسم المقالات وفق المضمون يمكن التعامل معها ضمن إطارين عامين، هما الإستراتيجية والمسائل التطبيقية الآنية، حيث يتعرض بالنقد والتحليل لمجموعة من المستجدات التي تهم القارئ العربي.

المسائل الإستراتيجية
-الكتاب: حتى يكون للأمة مكان في هذا الزمان
-المؤلف: منصف المرزوقي
-تقديم: نادر فرجاني
-عدد الصفحات: 200
-الناشر: المؤسسة العربية الأوروبية للنشر (أوراب)، باريس، ودار الأهالي بدمشق، واللجنة العربية لحقوق الإنسان- سلسلة براعم (20)
الطبعة: الأولى/2007
يبحث الكاتب -ضمن مقالات صغيرة وهذا ما أدى بالضرورة إلى اختزال أمور كثيرة- مسائل التراث والدين والمستقبل والبيئة وغيرها، في إطار يعكس همه العربي وطريق خلاص العرب ومستقبلهم في العالم بعدما أثبتت التطورات "مدى الانحطاط الذي وصلت إليه المجتمعات العربية.. لأن هذه المجتمعات بصدد الانفجار داخليا حيث يزداد التفكك والتحلل، زيادة مقادير الطلاق وحالات الانتحار والإدمان والبطالة والجريمة والهجرة والتدين والعنف الداخلي والإرهاب".

في ظن المؤلف أن في طريق التقدم ثمة أربع قوى أساسية هي:
1- الدفع الذاتي التاريخي.
2- قوى الجذب الآتية من المستقبل.
3- الصدف الناجمة عن تصادم عوامل مختلفة.
4- الإرادة والقدرة الواعية.

وفي ظنه أيضا أن الأخيرة تتطلب جمع المعلومات والتشخيص الصحيح والخيار الأنجع.

ولذا وجب إبقاء باب الحوار بين مختلف فئات المجتمع دون محظورات ومقدسات والتعلم من تجارب العالم وقبول الطبيعة التجريبية والتخبيرية للبشرية، حيث إن مسؤولية المثقف "المتابعة الدقيقة لتطور المعلومات والأفكار واكتشاف خطوط القوة فيها والنوعية بها، ما يسهل اتخاذ المواقف السياسية الأقل ضررا".

بهذا يحدد الكاتب هدفه بتبني الذهنية آنفة الذكر "أكثر منها دعوة لتبني مقولاته وآرائه"، وهو يلقي على المثقف الملتزم جزءا هاما من مسؤولية تعريف آليات رفع المجتمع.

لذا لا سبيل إلى الخروج من ذلك ودوما، حسب منصف المرزوقي، إلا بخلق مجتمع المواطنين "الذين هم كل الرجال والنساء البالغين، بغض النظر عن مكانتهم الاجتماعية وعقيدتهم، الذين لهم حس قوي بكرامتهم الإنسانية ومعرفة دقيقة بحقوقهم وواجباتهم تجاه الآخرين، ومنها حق المشاركة في أخذ القرار وتنفيذه وتقويمه على كل المستويات التي تهم حياتهم".

"
لمواجهة التخلف الذي نعيشه لا بد من تأهيل البنية والنظام الديمقراطي وقيم العروبة والإسلام وإطلاق المبادرات على الصعد كافة وتغيير وضع المرأة والتعلم من المشرق والمغرب والتخصص
"
في الوقت الذي يذكر فيه الكاتب ناشط المجتمع المدني هذه الأمور لا ينسى أن يذكر القارئ بأسباب موضوعية للتخلف وعلى رأسها مسائل الثراء الطبيعي (البيئة) والتصحر، مستعينا بنظريات جارد ديمند المعروفة.

من ذلك ينطلق إلى استنتاج أن "التخلف الذي نعيشه ناتج من تشابك جملة من الأسباب بالغة التعقيد والتشابك (مثلا: العائلة العربية.. تلك الآلة الرهيبة لإنتاج نوعين من البشر الخانعين والمتمردين).

ما يجعله يرى أن منطلق حل ناجع هو تأهيل البنية والنظام الديمقراطي وقيم العروبة والإسلام وإطلاق المبادرات على الصعد كافة وتغيير وضع المرأة والتعلم من المشرق والمغرب والتخصص.

 وهو بالتالي منسجم مع رؤيته بتعقد الأسباب لأن "العلة تكمن في استخدام أدوية بسيطة لمرض معقد".

منصف المرزوقي لا يتحدث باسمه فقط، وإنما باسم زملائه الذين أطلق عليهم اسم (مجموعة ابن عقل) تيمنا بصعصعة بن ناجي بن عقل المذكور في كتاب الأغاني، التي تستلهم بدورها من تيار ثقافي فكري عربي قوي (ابن المقفع وابن خلدون والرازي وابن عربي وعبد الرحمن منيف.. إلخ).

المشروع الذي يدعو إليه المرزوقي هو قيام المجتمع المدني، حيث يخصص مقالا مفصلا لذلك يسجل فيه أنه ينظر إليه على أنه جملة من القيم وليس الآليات، ويطالب بـ(رئيس مدى الحياة).

ومصدر الإعاقة الرئيس للمشروع الحقوقي الديمقراطي العربي، حسب الكاتب، ارتباطه بمصدره الليبرالي والغربي.

لكنه في الوقت الذي يعلن أنه ضد الديمقراطيين الليبراليين المتأمركين والديمقراطيين اليساريين المتشددين والاستئصاليين يرفض العداء المبدئي للغرب وأميركا "لكن من دون وهم كبير.. وإقامة أوثق العلاقات مع المجتمعات المدنية الشقيقة.. حتى في الغرب".

أما الظاهرة الإسلامية فيجب التعامل معها بالفصل بين الحقوقي والسياسي، لأنه عروبي غير قومي ومسلم غير إسلامي.

المسائل الآنية والمستجدة
"
تتذيل الدول العربية قائمة معدل الدخل الفردي وجودة الحياة مع ملاحظة أن قطر تحتل المرتبة 41 حسب معدل دخل الفرد وتتبوأ المرتبة 6 لجودة الحياة, مقارنة بالسعودية التي تحتل المرتبة 72 و53 وتونس 83 و64 على التوالي
"
تشي عناوين بعض المقالات بالأمور التي يتعرض لها بالنقد والتحليل، المختصر أحيانا، حيث نقرأ (المستقبل، الذنب الذي لم نقترف، القِيَم، الأفكار المسمومة، الإستراتيجيات الانتحارية، الغاشم الذي لا يستجار به من مستبد، هوية الإنقاذ الجماعي، الوضع) وغيرها.

تحت العناوين آنفة الذكر تعرض الكاتب لمجموعة من القضايا المهمة ومنها على سبيل المثال: الإحصاءات العالمية عن جودة الحياة (مستوى الرضا والسعادة) القائم على الدخل والصحة والاستقرار السياسي والحياة العائلية والحياة الاجتماعية والمناخ والعمل والحريات السياسية والمساواة).

ليوضح أن الدول العربية تتذيل القائمة مع ملاحظة أن قطر تحتل المرتبة 41 حسب معدل دخل الفرد وتتبوأ المرتبة 6 حسب مؤشر جودة الحياة، مقارنة بالسعودية 72 و53 على التوالي وتونس 83 و64 على التوالي.

كما لا ينسى قضية مراسل قناة الجزيرة تيسير علوني حيث يستنكر الحكم الصادر بحقه ويعد ذلك تهديدا واضحا لقناة الجزيرة وعقابا لها على سياستها الإعلامية المتميزة.

والجزيرة تعود أيضا في مناقشته مقالة فيصل القاسم في صحيفة الشرق (28/6/2006)، ما يعكس في ظني تأثيرها الجلي في الوعي السياسي العربي اليومي.

المسائل الأخرى التي تعامل معها ورأى أنها محطات رئيسة في النضال من أجل المجتمع المدني وتكشف بعض أمراضه، التي لا يمكننا مناقشتها في عرضنا هذا محدود المساحة والهدف (حركة كفاية ومظاهرات أمهات المعتقلين بعد تفجيرات طابا وانضمام القضاة للحركة الاحتجاجية في مصر، وتسونامي وتخلف العرب عن مساعدة أشقائهم في إندونيسيا، والكاريكاتير الدانماركي وردود الفعل عليه، وتصريحات أسقف روما البابا عن طبيعة الإسلام، معمر القذافي والسادات وصدام حسين، عمليات التفجيرات في مدريد ولندن) وغيرها.

لا بد من القول إن المرء يحس في كتابات منصف المرزوقي انحيازا كبيرا للقضايا العربية، دون أن يعني ذلك أن بعض تحليلاته وجب مناقشتها بكل صراحة.

علما بأنه يعترف بغلطه سابقا وتراجعه في مقاله (الذنب الذي لم نقترف) عن إجابات قدمها قبل ربع قرن في مقالة (لماذا نحن متخلفون؟).

"
لا بد من القول إن المرء يحس في كتابات منصف المرزوقي انحيازا كبيرا للقضايا العربية، دون أن يعني ذلك أن بعض تحليلاته وجب مناقشتها بكل صراحة
"
ولا ننسى بعض التناقضات في آرائه في هذا الكتاب، حيث يفند آراء أسقف روما البابا عن كيفية انتشار الإسلام في العالم، ليعود في مقالة أخرى "العامل الخارجي" ليقول "إننا بنينا إمبراطوريتنا في القرن السابع والثامن على إحدى أكبر عمليات الغزو والتوسع التي عرفها التاريخ".

إضافة إلى ذلك يستخدم الكاتب بعض المقولات المقولبة التي تبدو غريبة ومحبطة، ومنها على سبيل المثال "قد نكون دخلنا متعرجات طريق ليس له إلا وجهة واحدة، وقد لا نكون، ولكننا مطالبون بالأمل والعمل"، و"إن ثمة فائدة من وراء المضي في مشروع التحديث أم أن القطار فاتنا"، و"من السذاجة محاولة تغيير العالم ومن الإجرام عدم المحاولة"، وغيرها.

خلاصة
نظرا لطبيعة الكتاب والكتابة تبدو مقترحاته مقتطعة ومجتزأة أحيانا. وهذا لا ينتقص من مصداقية الكاتب، ولا من مصداقية دعواته هو وزملاؤه في (جماعة ابن عقل).

لكن الوصول إلى حل لبعض المعضلات التي يطرحونها تتطلب، وكما لاحظ هو من قبل، مشاركة واسعة من علماء العرب في مختلف فروع المعارف الإنسانية الاجتماعية والطبيعية، بسبب تعقدها وارتباطها بعضها ببعض.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة