الإمبريالية الجديدة   
الثلاثاء 11/3/1426 هـ - الموافق 19/4/2005 م (آخر تحديث) الساعة 11:45 (مكة المكرمة)، 8:45 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة

يحاول عالم الاجتماع الأميركي وأستاذ الأنثروبولوجيا في مركز الدراسات العليا التابع لجامعة نيويورك ديفد هارفي أن يفسر التحولات الجارية في سياسة الولايات المتحدة الأميركية من التوافق والإجماع إلى القسر والإكراه، وهل يشير ذلك إلى ضعف أم إلى قوة؟ وإن لم تكن الحرب على العراق من أجل النفط، فمن أجل ماذا؟


النفط أولا وأخيرا

- اسم الكتاب: الإمبريالية الجديدة
- تأليف: ديفد هارفي

- ترجمة: وليد شحادة

- إصدار: دار الحوار الثقافي2004، بيروت

- الصفحات: 222

أخذت الإمبريالية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية تتراوح متعثرة بين تصور وإدراك غامضين للإمبراطورية "لأنه لم يناقش أحد هذا الأمر ويبحث فيه" وتصور وإدراك الآخرين، وإن كان بوش الابن يحمل في قرارة نفسه بعض الدوافع النابليونية المتمثلة برغبته في الوصول إلى بغداد وربما إلى طهران بعد ذلك.

 

ويحاول المؤلف أن يقدم صورة عن الأحوال الراهنة للرأسمالية العالمية والدور الذي قد تلعبه الإمبريالية الجديدة فيها، وذلك من خلال المادية الجغرافية ومحاولة الكشف عن بعض التحولات العميقة الحاصلة تحت الاضطرابات السطحية.

 

فيتساءل عن الأسباب الداعية إلى حرب العراق والتي لم يتحدث عنها أحد؟ وهنا يرى أنه يجب علينا أن نواجه حقيقة أن هذه الأسباب لا يفهمها اللاعبون الرئيسيون في المسرحية، وإن فهموها فهي أسباب يمنع الحديث عنها أو ينكرها من يعرفها.

 

ثمة قصص كثيرة تتحدث عن حكومات تعاني المتاعب داخليا فتلجأ إلى حل هذه المشكلات عن طريق المغامرات الخارجية أو باختلاق وجود خطر خارجي ترمي من ورائه إلى تقوية التضامن داخليا، لكن هذه الفكرة تحتاج إلى دراسة جادة في هذه الحالة.

 

ذلك أن الأوضاع الداخلية في الولايات المتحدة خلال العام 2002 كانت في مجالات كثيرة أكثر خطورة مما كانت عليه لعدة سنوات، فالركود الاقتصادي الذي بدأ منذ مطلع 2001 والذي زاد من حدته ما حصل يوم 11 سبتمبر/أيلول، لم ينته ومازالت آثاره باقية.

 

فالبطالة في أميركا في ارتفاع مستمر، والجميع يلمسون انعدام الأمن الاقتصادي، وازدادت فضائح الشركات، وما كان يبدو إمبراطوريات الشركات الراسخة أخذت بالانحلال والتفكك بين عشية وضحاها، وظهر فساد وإخفاق في الأعمال المحاسبية وإخفاق في الأنظمة أفقد منطقة وول ستريت وسوق الأوراق المالية سمعتها حيث كانت قيم الأسهم والسندات في انخفاض مريع.

 

كما أن صندوق التقاعد فقد ربع أو ثلث قيمته، هذا إن لم يفقد قيمته كلها، مثلما حصل في شركة "إنرون" ولموظفيها، واحتمالات الخطر على تقاعد العاملين، والرعاية الصحية في فوضى عارمة، وفائض أموال الحكومات المحلية والاتحادية في الولايات آخذ بالتبخر، والعجز في الميزانية يزداد، إضافة إلى ميزان الحساب الجاري مع باقي دول العالم فإنه يسير من سيئ إلى أسوأ، حتى باتت الولايات المتحدة أكبر دولة مدينة على الإطلاق.

 

ومع كل ذلك يبدو أن ثمة شيئا عميقا تحت السطح يعمل على تحويل ما هو في ظاهره انتهازية سياسية محضة إلى قوة سياسية فاعلة ومؤثرة وباقية في تاريخ الولايات المتحدة الجيوسياسي، فالخوف من قوة العراق أولا والخوف من حركة المد العربي ثانيا كانا الشغل الشاغل للحكومات الأميركية المتعاقبة، حتى إن كولن باول ذاته كان قد وضع خطط طوارئ عسكرية للتعامل مع العراق قبل أن تبدأ الحرب الخليجية الأولى.

 

كما أن بول ولفويتز الذي صار مساعد وزير الدفاع في إدارة الرئيس بوش، كان ينادي صراحة بضرورة تغيير النظام في العراق منذ العام 1992، وكان يتحدث بذلك علانية على مدى عقد التسعينات.

 
"
البطالة في أميركا ترتفع باستمرار، والجميع يلمس انعدام الأمن الاقتصادي، وما كان يبدو إمبراطوريات الشركات الراسخة أخذ بالانحلال والتفكك
"

وقبل ذلك وفي عهد إدارة الرئيس كلينتون كان تغيير النظام السياسي العراقي سياسة معتمدة، وازداد الإصرار على ذلك عند جماعة المحافظين الجدد الذين التأم شملهم في ظل كتاب ظهر عام 1997 بعنوان "مشروع القرن الأميركي" وأخذوا يحضون على هذا التغيير بعمل عسكري.

 

لقد ضمت هذه الجماعة كلا من رمسفيلد وأرميتاج وبيرل وكثيرين غيرهم ممن شكلوا نواة فريق السياسة الدفاعية والخارجية لإدارة بوش. إذن من الناحية الإستراتيجية الجغرافية كان العراق هدفا لهذه الجماعة منذ زمن طويل.

 

غير أن تقريرا صدر عام 1999 أشار إلى اعتراف هؤلاء المحافظين الجدد بأن العمل العسكري يحتاج إلى حدث كارثي محفز ليكون مقبولا على الصعيدين الدولي والداخلي، وجاءت الفرصة حين وقعت أحداث 11 سبتمبر/أيلول وكان ينقصها إيجاد صلة الوصل بين صدام حسين وتنظيم القاعدة.

 

ولما كانت غالبية الشعب الأميركي لا تهتم ولا تعرف شيئا عن الجغرافيا، كان من السهل جدا عليهم أن يجعلوا من عملية مطاردة الإرهابيين أينما كانوا حملة لملاحقة صدام حسين والإطاحة بنظامه، غير أن بقية دول العالم لم تكن مقتنعة بذلك.

 

أما عن  الديناميكية الأميركية الداخلية فلها بعد آخر يتمثل في أن المجتمع الأميركي مجتمع مؤلف من مهاجرين متعددي الثقافات، يخضع لتأثير عوامل الفردية التنافسية الشرسة التي تفعل فعل الثورة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية على الدوام.

 

وهذه العوامل بما تحمله من قوة تزعزع استقرار الديمقراطية وتجعل السيطرة عليها صعبة -إن لم تكن مستحيلة- إلا من خلال فساد السلطة المالية. وقد صورت هنا آرندت -وهي مفكرة أميركية- هذا الوضع تصويرا دقيقا حين قالت:

 

"لما كانت القوة في جوهرها وسيلة لغاية معينة، فإن مجتمعا قائما على القوة وحدها لابد أن يتعفن داخل حدود النظام والاستقرار وبالتالي يتبين من خلال أمنه التام أنه مبني على الرمال, ومن خلال اكتساب قوة أكبر يستطيع هذا المجتمع أن يحافظ على وضعه الراهن، ومن خلال السعي الحثيث لتوسيع سلطته ومن خلال عملية متواصلة لتراكم القوة يستطيع أن يبقى مستقرا. أما الكمنولث الذي تصوره هوبز فهو هيكلية متذبذبة تحتاج دوما إلى أن تزود نفسها بدعامات تسندها من الخارج، وإن لم تفعل فسوف تنهار سريعا وتُغلق أبواب هامة في وجهها، لا هدف يحركها في فوضى المصالح الذاتية التي أنشأت منها هذا الكمنولث، ذلك أنها تجعل الدولة قادرة على زيادة سلطانها وقوتها على حساب الدول الأخرى".

 

أما عن معارضي الحرب على العراق فهم يحاولون أن يصوروا الصراع على أنه نزاع على النفط فقط ولا شيء سواه، لكن الحكومة الأميركية تنفي ذلك بشدة واصفة إياه بأنه مناف للعقل، أو تتجاهل الموضوع برمته.

 

وليس ثمة أدنى شك في أن موضوع النفط فقط في غاية الأهمية، ولكن كيف وبأي معنى فهذا أمر يصعب تقريره. وفي هذا منظور آخر يمكن من خلاله فهم مسألة النفط, وعليه تنطبق المقولة التالية: من يسيطر على الشرق الأوسط يسيطر على النفط العالمي، ومن يسيطر على النفط العالمي يسيطر على اقتصاد العالم، على الأقل في مدى المستقبل المنظور، ولهذا ينبغي لنا ألا نركز تفكيرنا على العراق وحده، بل أن نأخذ في اعتبارنا أيضا الحالة الجيوسياسية وأهمية الشرق الأوسط برمته وعلاقته مع الرأسمالية العالمية.

 

كيف تعاظمت قوة أميركا؟

"
الصراع على نزع الحيازة يتم بدرجات متفاوتة كثير منها المحلي والإقليمي والعالمي، لذلك تبدو السيطرة على أجهزة الدولة التي تعد الهدف الرئيسي للحركات الاشتراكية والشيوعية التقليدية مسألة ليست ذات علاقة
"
يصعب استخدام كلمة الإمبريالية دون تقديم بعض التوضيحات على سبيل التحليل وليس بقصد الجدلية وتفنيد الرأي. والإمبريالية الرأسمالية التي باتت مصطلحا يتضمن نقيضين هما: سياسة الدولة وسياسة الإمبراطورية، على اعتبار أن الإمبراطورية مشروع سياسي في أيدي اللاعبين الذين تستند قوتهم إلى السيطرة على الأراضي وقدرتهم على حشد الموارد البشرية والطبيعية في سبيل تحقيق غايات سياسية واقتصادية وعسكرية، إلى جانب تلك العمليات الجزيئية لتراكم رأس المال في الزمان والمكان، وهنا تكون الإمبريالية عملية سياسية واقتصادية معا تتجه الأولوية فيها إلى السيطرة على رأس المال واستخدامه.

 

في هذا الكتاب يركز المؤلف على الإستراتيجيات السياسية والدبلوماسية والعسكرية التي تضعها وتستخدمها الدولة أو مجموعة الدول العاملة ضمن كتلة ذات قوة سياسية وهي تعمل جاهدة لتوطيد مصالحها وتحقيق أهدافها في العالم كله. وأما كونها عملية سياسية واقتصادية فإن المؤلف يركز على الطرق والوسائل التي بواسطتها تتدفق القوة الاقتصادية عبر المكان المتواصل.

 

إن التراكم بنزع الحيازة هو الثمن الذي لا مفر منه لإنجاح عملية الاختراق نحو التطور الرأسمالي بدعم قوي من سلطة الدولة, وقد يكون دافع هذا الاختراق تحريكا داخليا كما هو الحال في الصين، أو من جهات خارجية كما هو الحال في التطور الاستعماري الجديد في مناطق صناعات تصديرية في جنوب شرق آسيا، أو كحال أسلوب الإصلاح الهيكلي الذي تحاول أن تشترطه إدارة بوش الآن عند تقديم مساعداتها الخارجية للدول الفقيرة.

 

غير أن الصراع على نزع الحيازة يتم بدرجات متفاوتة، كثير منها محلي وبعضها إقليمي ومنها ما هو عالمي، لذلك تبدو السيطرة على أجهزة الدولة التي تعد الهدف الرئيسي للحركات الاشتراكية والشيوعية التقليدية مسألة ليست ذات علاقة.

 

الليبرالية الجديدة

"
الانهيار الاقتصادي الذي ابتدأ في أميركا عام 1999 انتشر سريعا وكشف أن رأس المال التمويلي رأسمال وهمي ليس له تغطية، وتقف وراءه فضائح محاسبية وأصول جوفاء
"
الهشاشة الكامنة في الليبرالية الجديدة عادت في نهاية المطاف لتلازم عمق الولايات المتحدة ذاتها. وذلك الانهيار الاقتصادي الذي ابتدأ مع إفلاس الشركات الكبرى العاملة في التكنولوجيا المتقدمة عام 1999 انتشر سريعا وكشف لنا أن رأس المال التمويلي رأسمال وهمي ليس له تغطية وتقف وراءه فضائح محاسبية وأصول جوفاء. وكان واضحا حتى قبل أحداث 11 سبتمبر/أيلول أن إمبريالية الليبرالية الجديدة بدأت تضعف من الداخل وأن قيمة الأصول في وول ستريت لا يمكن حمايتها، وأن أيام الليبرالية وشكلها الإمبريالي المعروف باتت معدودة.

 

ولذلك نشأ نوع من الإمبريالية يحدثنا عنه المؤلف بقوله "كان انتخاب جورج بوش -وهو مسيحي في حداثة عهده- رئيسا للولايات المتحدة الأميركية قد جلب إلى السلطة مجموعة مفكرين من المحافظين الجدد. وقد حاول هؤلاء الذين يملكون أموالا طائلة فرض أفكارهم وبرامجهم على الحكومة منذ زمن بعيد، وهدفهم في ذلك فرض النظام واحترامه داخليا وعالميا، والالتزام بالمبدأ الأخلاقي. وفي هذا تجد هذه المجموعة قوتها وقاعدتها الانتخابية عند المسيحيين الأصوليين الذين يؤمنون بمعتقدات ذات نوع خاص جدا.

 

فرغم أن هؤلاء المحافظين الجدد يعلمون علم اليقين أنهم لا يستطيعون البقاء في السلطة وهم يحملون هذه المبادئ والمعتقدات فإن هذا لا يمنع من الاعتراف بتأثيرهم على اليمين المسيحي. والدليل على ذلك الإحجامُ عن أي محاولة لكبح جماح القمع الشاروني ضد الفلسطينيين. وفي الصراع مع العالم العربي ليس صعبا أن تتجسد هذه المواقف في لغة تتحدث عن صراع صليبي مسيحي ضد الجهاد الإسلامي، وبذلك تغدو فرضية الصراع الوشيك بين الحضارات حقيقة جيوسياسية.

 

وفي الخاتمة يرى المؤلف أن الموقف المعادي لكل ما هو أميركي في العالم أجمع لا يمكن أن يكون عاملا مساعدا، فأولئك الذين يعملون ويناضلون داخل الولايات المتحدة لإيجاد البديل في الداخل وفي العلاقات الأميركية الخارجية بحاجة إلى كل تأييد وتعاطف يمكن أن يأتيهم بالطريقة نفسها التي لعب بها الديالكتيك الداخلي والخارجي دورا في تكوين إمبريالية المحافظين الجدد، وهذا أهم دور يمكن أن يقوم به من خلال إلغاء هذا الديالكتيك لمناهضة الإمبريالية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة