حقوق الإنسان في الوطن العربي   
الخميس 1430/8/22 هـ - الموافق 13/8/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:05 (مكة المكرمة)، 13:05 (غرينتش)

عرض/ حسين عبد العزيز
يتناول الكتاب/التقرير عرضا لمسار حقوق الإنسان في الوطن العربي خلال عام 2008، وحتى منتصف عام 2009.

ويتضمن ثلاثة أقسام رئيسية تبدأ بمقدمة تحليلية تستغرق بنظرة كلية أوضاع الحقوق الأساسية والحريات العامة في مجمل المنطقة، ويتناول القسم الثاني أوضاع حقوق الإنسان في البلدان العربية، ويشمل القسم الثالث أثر الأزمات العالمية المتعددة وانعكاساتها على تلبية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتقييم نمط الاستجابة العربية في مواجهة هذه التحديات.

مقدمة تحليلية
لا تعول المنظمة العربية لحقوق الإنسان على حدوث تطور آلي بين انضمام البلدان العربية للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وتطور حالة حقوق الإنسان في الوطن العربي، حيث ارتبط هذا التطور في بعض الحالات بسياق العلاقات العامة الدولية، أكثر مما ارتبط بالرغبة والعزم على تحقيق تقدم في مجال حقوق الإنسان.

-الكتاب: حقوق الإنسان في الوطن العربي
-المؤلف: مجموعة باحثين
-عدد الصفحات: 256
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية
-الطبعة: الأولى/ 2009
ويلاحظ المؤلفون أنه في الفترة التي يغطيها تقرير المنظمة العربية لحقوق الإنسان، تواصلت حالات الطوارئ التي تحجب الضمانات الدستورية للحقوق الأساسية والحريات العامة، فقد مددت مصر في مايو/أيار 2008 حالة الطوارئ لعامين جديدين، وأكدت الجزائر استمرار قانون الطوارئ، وتواصلت حالة الطوارئ المعمرة في سوريا منذ عقود، وحالة الطوارئ الجزئية في السودان، كما استمر إعلان حالة الطوارئ في العراق وفلسطين ثم الصومال.

وفي مجال الحقوق المدنية والسياسية يؤكد مؤلفو الكتاب أن التشريعات العربية واصلت تعزيز قبضة أجهزة الدولة على المواطنين، فالأنظمة القانونية السائدة في الوطن العربي تتيح سلطات واسعة للشرطة وقوى الأمن بمعزل عن الرقابة القضائية، فاستمرت الاعتقالات التعسفية في كل من الإمارات والبحرين وتونس وسوريا والجزائر والسودان ومصر والمغرب والسعودية واليمن.

ويرى المؤلفون أن استمرار انتهاك الحق في الحياة يمثل أبرز الظواهر على الساحة العربية، فتعددت مصادره التي كان من بينها الإرهاب ومكافحته، والقتل على خلفية المظاهرات، واستمرار ظاهرة التعذيب في المعتقلات.

وفي مناطق الأزمات أدى تفاقم النزاع الإثني في السودان على سبيل المثال إلى انتهاكات جسيمة للحق في الحياة، وفي فلسطين تفرغ الشعب الفلسطيني هذا العام لمواراة جثث أبنائه الذين قتلوا جراء الحصار الاقتصادي الذي يرقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، وفي العراق رغم التحسن النسبي في الحالة الأمنية عام 2008، فقد استعرت العمليات الإرهابية من جديد خلال عام 2009.

لكن، ومن ناحية أخرى، صدرت تشريعات تعزز حقوق الإنسان، كان من أبرزها أربعة قوانين لحماية الأفراد من الاتجار بالبشر في الأردن والبحرين والسعودية وعمان، كما صدرت قوانين لحماية الأسرة والنساء والأطفال.

استمر التحسن في حرية الرأي والتعبير بسبب انتشار الصحف المستقلة والقنوات الفضائية، وتزايد الوصول إلى شبكة المعلومات الدولية بفضل التطور التقني في وسائل الاتصال على نحو أتاح تعددية إعلامية، لكن الحكومات العربية -والكلام للمؤلفين- تحايلت على هذا التطور التقني، باعتمادها وثيقة تنظيم البث الفضائي، التي تستهدف تقييد حرية عمل الفضائيات.

واستهدفت هذه التشريعات والإجراءات أحيانا فضائيات بعينها، على نحو ما تعرضت له شبكة الجزيرة الفضائية التي نالت النصيب الأوفر من الترصد، بمصادرة معدات شركات تقدم خدمات لوجستية لها كما حدث في مصر، أو سحب ترخيص البث لها كما حدث في المغرب.

ويرصد الكتاب/التقرير عددا من انتهاكات حرية التعبير، فعلى مستوى الملاحقة القضائية للصحفيين والإعلاميين، جرت محاكمة عدد من الصحفيين والمراسلين والإعلاميين ورؤساء تحرير الصحف المستقلة، وصدرت أحكام بحبس بعضهم في كل من الأردن والبحرين وتونس والجزائر وسوريا والسعودية وعمان وقطر والكويت ولبنان وليبيا ومصر والمغرب وموريتانيا والسودان واليمن.

تقارير البلدان
"
وقعت خمس حالات وفاة في مراكز التوقيف في الأردن، وكذلك الاعتداء الجسدي على اثنين من الصحفيين، وتعرضت سيارة صحفي للحرق، وصحفي آخر للتكسير
"
يبدأ هذا القسم بأوضاع حقوق الإنسان في الأردن، حيث يبين الكتاب/التقرير أن السلطات الأردنية أصدرت قانون الحماية من العنف الأسري عام 2008 ، كما أصدرت السلطات قانون منع الاتجار بالبشر، وفي نهاية العام الماضي أجريت تعديلات على قانون الجمعيات الأهلية ترسخ هيمنة الإدارة على الجمعيات غير الحكومية.

أما فيما يتعلق بالحق في الحياة، فقد وقعت خمس حالات وفاة في مراكز التوقيف، وشهدت الفترة التي يغطيها التقرير الاعتداء الجسدي على اثنين من الصحفيين، وتعرضت سيارة صحفي للحرق، وصحفي آخر للتكسير.

وفي المملكة السعودية، أقرت السلطات قانونا لمكافحة الاتجار بالبشر، وقانونا لحماية الأطفال من العنف، واتخذ الملك عبد الله عدة قرارات تتعلق بإدارة الحكم، تضمن إجراء أول تعديل وزاري منذ توليه الحكم عام 2005، وإجراء تعديلات على جهاز القضاء، والهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، كما أصدر الملك أمرا ملكيا بإعادة تشكيل مجلس الشورى.

وفيما يتعلق بالحق في الحياة، فقد أكد التقرير أن جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانت تطارد بعض الأشخاص بالسيارات، ووقع حادث انتهى بوفاة شخصين خلال المطاردة، الأمر الذي دفع السلطات إلى إصدار قرار يمنع المطاردات.

وفي الوقت نفسه استمرت السلطات في ملاحقة النشطاء الإصلاحيين والمدافعين عن حقوق الإنسان ومنتقدي سياساتها بشكل سلمي.

وفي سوريا يؤكد التقرير أن حالة الطوارئ المعلنة مازالت مفروضة منذ عام 1963، واستمر مسلسل الاعتقالات ومداهمة المنازل والمكاتب، ووقعت أحداث شغب في سجن صيدنايا انتهت بمقتل 25 سجينا.

أصدر رئيس الجمهورية المرسوم التشريعي رقم 69 لعام 220 لتعديل المادة 47 من قانون العقوبات لعام 1950، وينص التعديل على حصر ملاحقة عناصر الشرطة والأمن السياسي والجمارك المتهمين بارتكاب جرائم بالقيادة العامة للجيش، علما بأنهم تابعين لوزارة الداخلية، كما نص التعديل على إحالة الدعاوى المعروضة أمام القضاء العادي إلى القضاء العسكري.

"
الحق في محاكمة عادلة لم يتوفر في مصر، حيث تمت محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية، أو أمام محكمة جنايات أمن الدولة، وقد تمت إحالة 40 من جماعة الإخوان المسلمين إلى المحكمة العسكرية
"
وفي مصر جدد مجلس الشعب بناء على طلب الحكومة حالة الطوارئ لعامين جديدين، واستمرت عمليات القبض على بعض النشطاء السياسيين وأعضاء من الإخوان المسلمين، وأقر البرلمان قانونا يحرم التظاهر في دور العبادة.

وتنوعت مصادر انتهاك الحق في الحياة خلال الفترة التي يغطيها التقرير، حيث رصدت حالات الوفاة نتيجة التعذيب داخل السجن، ورصد التقرير ما لا يقل عن 13 شخصا فقدوا حياتهم نتيجة استخدام الشرطة للقوة المفرطة.

ويؤكد المؤلفون أن الحق في محاكمة عادلة كان غير موجود، حيث تمت محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية، أو أمام محكمة جنايات أمن الدولة، وقد تمت إحالة 40 من جماعة الإخوان المسلمين إلى المحكمة العسكرية.

أما في العراق، فيؤكد الكتاب/التقرير مقتل 6787 شخصا وجرح 20178، وتعددت مصادر انتهاك الحق في الحياة على مدار العام، من بينها العمليات العسكرية التي تشنها القوات الأميركية وقوات الأمن العراقية، ناهيك عن شركات الأمن الخاصة التي ظلت مصدرا لانتهاك الحق في الحياة.

ويؤكد التقرير أن عدد المعتقلين لدى قوات الاحتلال الأميركية بلغ 15058 من بينهم 50 طفلا، وأغلب هؤلاء لم تتم لهم مراجعة قضائية، ونشرت لجنة القوات المسلحة التابعة لمجلس الشيوخ الأميركي نتائج التحقيق الذي استمر 18 شهرا، وخلص إلى أن مسؤولين في الإدارة الأميركية تقع عليهم مسؤولية ارتكاب انتهاكات ضد المعتقلين في السجون الأميركية في العراق وأفغانستان وغوانتانامو.

حرية التعبير -بحسب التقرير- لم تكن أفضل حالا، حيث ظلت عمليات القتل واختطاف الصحفيين، وتعليق بث بعض الفضائيات مستمرة.

ففي الجزائر أقر البرلمان تعديلات دستورية تمحورت على إنهاء تقييد مدة ولاية الرئيس بمدتين حيث أطلقتها دون تحديد، وتم إلغاء منصب رئيس الوزراء، وتعيين وزير أول بدلا منه يقوم بتنفيذ برنامج رئيس الجمهورية.

ويذهب الكتاب/التقرير إلى استمرار العمل بقانون الطوارئ الساري منذ عام 1992، وشهدت البلاد تصاعدا في العمليات الإرهابية، حيث نفذ تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أكثر من عملية انتحارية، وخارج إطار مكافحة الإرهاب يظهر التقرير الاضطرابات التي وقعت بين أتباع المذهب المالكي وأتباع المذهب الأباضي أسفرت عن وقوع العشرات.

وفيما يتعلق بالحق في الحرية، يؤكد المؤلفون أن الجزائر ما زالت متأثرة بمخلفات الصراع الداخلي والافتقار إلى تحقيقات في الجرائم التي ارتكبتها جميع الأطراف، كما أكد التقرير وجود حالات تعذيب داخل السجون وإساءة المعاملة للمحتجزين.

"
ما زالت الجزائر متأثرة بمخلفات الصراع الداخلي والافتقار إلى تحقيقات في الجرائم التي ارتكبتها جميع الأطراف، بالإضافة إلى وجود حالات تعذيب داخل السجون وإساءة المعاملة للمحتجزين
"
أما في اليمن، فقد أقر البرلمان تعديلا دستوريا أدخل حكما استثنائيا يتيح مد فترة ولاية مجلس النواب الحالي لمدة عامين لمقتضيات المصلحة الوطنية، وجاء هذا التعديل بعد اتفاق بين الحكومة والمعارضة يقضي بتأجيل الانتخابات التشريعية وتعديل قانون الانتخابات، وتغيير النظام الانتخابي من الدائرة الفردية المغلقة إلى نظام القائمة مع الانتخاب النسبي، وتعديل قانون السلطة المحلية، والانتقال من مفهوم السلطة إلى نظام الحكم المحلي.

وفيما يتعلق بالحق في الحياة يظهر الكتاب/التقرير سقوط العديد من الضحايا خلال الحرب الخامسة بين القوات اليمنية والمتمردين الحوثيين في صعدة، وفي أعقاب هذا القتال نشب قتال في محافظة عمران بين قبيلة الأوسيمات وقبيلة حارف سفيان المتحالفة مع الحوثي.

ويذهب التقرير إلى أن البلاد شهدت في هذه الفترة اعتقالات واسعة بلغت 860 معتقلا، وأكد التقرير أن مئات المعتقلين اعتقلوا اعتقالا تعسفيا، هذا ناهيك عن سوء أوضاع السجون وعدم وفائها بالمعايير الدولية.

التحديات التنموية والبيئية
يعرض الكتاب/التقرير في هذا الفصل التحديات التنموية والبيئية التي أثرت في إعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والتي كان أبرزها الأزمة الغذائية العالمية والأزمة المالية العالمية.

ويرى المؤلفون أن البلدان العربية لم تتأثر بالأزمة المالية العالمية في مراحلها الأولى بسبب الاستقلالية النسبية التي تتمتع بها آليات الاقتصاد الوطنية، واشتباكها المحدود مع الاقتصاديات العالمية، وظلت عوائد النفط مرتفعة جدا.

غير أن هذه الفوائض سرعان ما انخفضت بفعل انخفاض الطلب العالمي، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى تراجع خطط التوسع الاقتصادي وتوجهات تعزيز شبكات الضمان الاجتماعي في البلدان العربية النفطية، حيث شهد النصف الأول من هذا العام أول موجات الرحيل الجماعي للعمالة العربية، وهو ما أدى أيضا إلى زيادة معدلات البطالة في البلدان العربية غير النفطية مع انخفاض تحويلات العمالة من الخارج.

ويذهب المؤلفون إلى أن الأزمة لم تقتصر على بعدها الاقتصادي، حيث تأثرت البلدان العربية بالأزمة الغذائية العالمية، بسبب عدم اعتماد العرب على الإنتاج الزراعي واعتمادهم على الواردات الزراعية، وكان من نتيجة ذلك ربط خريطة الفقر بالمناطق الريفية، وبالتالي تشجيع سكان الريف على الهجرة الداخلية نحو المناطق الحضرية.

"
الأزمة المالية لم تقتصر على بعدها الاقتصادي، حيث تأثرت البلدان العربية بالأزمة الغذائية العالمية، بسبب عدم اعتماد العرب على الإنتاج الزراعي واعتمادهم على الواردات الزراعية
"

ويذهب الكتاب/التقرير إلى التأكيد على نقطة مهمة، وهي أن أزمة الغذاء مرتبطة ارتباطا وثيقا بأزمة المياه في المنطقة العربية، حيث يستهلك القطاع الزراعي نحو 83% من كمية المياه المتوفرة، ومع ذلك فإن مساهمة الزراعة في إجمالي الناتج القومي منخفضة جدا في البلدان العربية.

وطالب المؤلفون في هذا التقرير الدول العربية باتخاذ إجراءات ضرورية لمواجهة التحديات المائية المستقبلية، من بينها تغيير السياسات العربية ضرورة للاستدامة ولتحقيق السلم والرخاء، وهذا التغيير يجب أن يتم في إطار الحكم الرشيد في مجال إدارة المياه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة