الشريعة والسلطة في العالم الإسلامي   
الثلاثاء 1428/9/28 هـ - الموافق 9/10/2007 م (آخر تحديث) الساعة 9:46 (مكة المكرمة)، 6:46 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة
يعرض هذا الكتاب تاريخ نشوء الشريعة الإسلامية وتطورها في سياق علاقات السلطة والنزاعات والتسويات بين الأطراف الرئيسة الفاعلة، الحكام والفقهاء والعلماء والمشرعين، وحماة الشريعة، ويحدد تاريخية الخطاب والممارسة في الشريعة الإسلامية، ومسارات التطور والتغير في سياقات زمنية مختلفة.

-الكتاب: الشريعة والسلطة في العالم الإسلامي
-المؤلف: سامي زبيدة
-
ترجمة: عباس عباس
-الصفحات: 403
-الناشر: 
دار المدار الإسلامي, بيروت
-
الطبعة: الأولى/ 2007
ويجد أن الفقهاء كانوا يبدون مرونة في تكييف الصيغ المستنبطة بما ينسجم مع مستلزمات مجتمعماتهم المعاصرة وكذلك الأحداث الطارئة، كما أظهرت الشريعة بالفعل تنوعا ملحوظا في الزمان والمكان، وهو ما يراه يتعارض مع فكرة وحدتها وأبديتها.

والمؤلف هو سامي زبيدة أستاذ السياسة والاجتماع بجامعة لندن، وقد عمل بالتدريس في عدة جامعات أخرى مثل الجامعة الأميركية في القاهرة، وبيركلي في كاليفورنيا وجامعة بوغازيجي في إسطنبول ومعهد الدراسات العليا والعلوم السياسية في باريس.

وأصدر كتبا عدة مثل الإسلام والأمة والدولة، وثقافة المطبخ في الشرق الأوسط، وأنثروبولوجيا الإسلام، واتجاهات معاصرة في الأيدولوجيا والشريعة الإسلامية.

المفاهيم والمؤسسات في الشريعة
يتناول الفصل الأول من الكتاب الشريعة بمقدماتها وبنيتها، من حيث مصادرها ومواضيعها ومفاهيمها ومناهجها، ويدرس سيرها من منظورين، أولهما إيضاحي يبين الطريقة التي قدمت فيها الشريعة على يد أصحابها، والثاني من زاوية التسلسل التايخي لتطورها حسبما عرضه المؤرخون الجدد، ويدرس كذلك سلطة النصوص القانونية المتفق عليها وتطور الاجتهادات حولها.

ويهتم الفصل الثاني من الكتاب بدراسة المراكز المؤسسية للشريعة والمحاكم الشرعية والتنفيذية والدوائر المتفرعة عنها، والعلاقات فيما بينها عبر مراحل وعصور مختلفة.

"
الشريعة تتمتع دائما بصدى أيديولوجي طيب بوصفها معيارا رفيعا بل مقدسا للعدالة، وقد كان الحكام يدعون الشرعية استنادا إلى الشريعة، بينما استخدم خصومهم والمتمردون عليهم خطاب الشريعة لإدانة الحكم غير العادل أو غير الشرعي
"
ويتحدث عن هذه المؤسسات في سياقين تاريخين، هما فترة ما قبل العهد العثماني، وفترة العهد العثماني، ويبحث في أشكال النظام القضائي وتطوراته، وكذلك بعض الجوانب المتعلقة بالظروف الاجتماعية والثقافية للتطبيقات القانونية.

ويناقش المؤلف هنا دعوات "العودة إلى الإسلام" وتطبيق الشريعة في العالم الحديث وما تفترضه عن وجود مجتمع إسلامي تاريخي، كان محكوما بالشريعة المقدسة، ولم يتمزق إلا بفعل الغزوات الاستعمارية والمصلحين غير الدينيين.

ويقول المؤلف إنها نظرة لا تملك دليلا، فقد كانت الشريعة أحد المعالم المهمة في المجتمعات والحكومات الإسلامية، ولكنها كانت تختص بجوانب عمل خاصة، وهي الأمور الشخصية للرعايا على الأغلب.

أما مجال عمل الدولة والمال العام والإدارة العامة فهي أمور تتجاوز الشريعة، وبوصفها جسما قانونيا فإن الشريعة تتعايش مع الأعراف، بل تستوعبها أحيانا، كما تتعايش مع التشريعات الحكومية التي يضعها الحكام.

وفي العهد العثماني كانت محاكم قاضي الشريعة مكلفة بتطبيق هذه القوانين المختلفة، بل إن محاكم الإدارة والشرطة والجيش كانت تعمل إلى جانب محاكم ذلك القاضي من دون تحديد واضح للفروق في اختصاص كل منها.

وغالبا ما كانت تلك الأخيرة تنظر في القضايا الجنائية، وذلك جزئيا بسبب مستوى الإثبات العالي المطلوب لإصدار الأحكام بموجب الشريعة.

وعلى العكس من الصورة الحالية للشريعة ولمحاكمها المستندة إلى عملها في بعض الأنظمة الحديثة، فقد كان قضاة الشريعة يميلون تاريخيا إلى الاقتصاد في تطبيق العقوبات الجسدية أو عقوبات البتر والإعدام، وكان الحكام يتولون إنزال تلك العقوبات على نحو أكثر حرية.

ويقول المؤلف إن الشريعة تتمتع دائما بصدى أيديولوجي طيب بوصفها معيارا رفيعا للعدالة بل مقدسا، وقد كان الحكام يدعون الشرعية استنادا إلى الشريعة، بينما استخدم خصومهم والمتمردون عليهم خطاب الشريعة لإدانة الحكم غير العادل أو غير الشرعي.

وقد تمتع العلماء والقضاة، وهم حراس الشريعة بنفوذ كبير في معظم العهود وتحت رعاية الحكام في أغلب الأحوال.

الشريعة والسلطة
"
أظهرت الشريعة مرونة كبيرة في الزمان والمكان، وإصرار الآراء الحديثة على الطبيعة الثابتة وغير المتبدلة للشريعة بوصفها قانونا إلهيا لكل الأزمان لا تؤيده دراسة تاريخ الشريعة وعملها
"
يعتبر هذا الجزء القضية المحورية للكتاب، حيث يعالج الشريعة والسلطة والعلاقة بين الحكام والفقهاء، كما يدرس الأحداث المواكبة لتطور هذه العلاقات وما تركته من آثار على صوغ أيديولوجيا الشريعة، وفي العهد العثماني فقد أمكن الوصول إلى مستوى عال من الدواوينية والتمركز في تطبيق الشريعة.

ويتناول أيضا عصر الإصلاح وتأميم الشريعة في العهد العثماني خلال القرن التاسع عشر، ويبحث في السياقات السياسية والأيديولوجية للإصلاحات والقيود الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك النزاعات التي أحاطت بهما.

كما يدرس على وجه الخصوص سيرورة العلمنة البنيوية التي رافقت الحداثة والإصلاح، وذلك لأن الكثير من القضايا والمشكلات التي نشهدها حاليا نشأت أصلا في تلك البيئة.

وقد استنبط العلماء والقضاة الصيغ التي تم بموجبها إدخال الممارسات المالية القائمة ضمن نطاق الشريعة، ولم يحدث ذلك كما يقول المؤلف بجعل تلك الممارسات تتوافق مع القانون الشرعي، بل بتوسيع مفاهيم ذلك القانون ومفرداته بحيث تستوعب الممارسات القائمة وتضفي عليها شرعية دينية مع الحفاظ على اختصاص القضاة ضمن إداراتهم.

إذن لقد أظهرت الشريعة مرونة كبيرة في الزمان والمكان، ويصل المؤلف إلى القول بأن إصرار الآراء الحديثة على الطبيعة الثابتة وغير المتبدلة للشريعة بوصفها قانونا إلهيا لكل الأزمان، لا تؤيده دراسة تاريخ الشريعة وعملها.

الشريعة والدولة الحديثة
يتناول المؤلف في الفصلين الخامس والسادس القرن العشرين والتطورات الأخيرة التي طرأت على سياسة الشريعة وأيديولوجيتها.

فالانبعاث الإسلامي هو في الأساس محاولة لإخضاع الحداثة للسلطة الدينية، وفي هذا الموقف تعتبر الشريعة عنصرا مركزيا.

ويتتبع المؤلف هذه القضايا في مصر على وجه الخصوص، والتفاعل بين الموقف الإسلامي المعارض وردود فعل السلطات المتمثلة بالقمع وسياسة الاحتواء التي تسببت في سن القوانين المثيرة للجدل وإضفاء الطابع الإسلامي على الدولة.

ويدرس أيضا تطبيق الشريعة الإسلامية في إيران، والمشكلات التي واجهت هذا المشروع والتي أفضت إلى منح الحق المطلق للحكومة الإسلامية في تجاهل الشريعة خدمة للمصلحة العامة التي نادى بها الخميني عام 1988.

"
التشريع والأحكام القضائية تخضع الآن للمنطق السياسي والبيروقراطي وليس إلى تقاليد الفقه وطرائقه، فالقاضي يصدر حكمه استنادا إلى القوانين وليس إلى كتب الفقه، وهو مسؤول أمام الدولة والقانون وليس أمام الله وأمام ضميره
"
إن الكثير من الدول الحديثة عمدت إلى وضع أنظمة قانونية مفارقة للشريعة، لكن معظم تلك الدول أسندت بعض قوانينها وبخاصة ما يتعلق منها بالأسرة والأحوال الشخصية إلى مصادر الشريعة الإسلامية.

ولكن حتى في هذه الحالات فإن قوننة القواعد الشرعية على هيئة قوانين حكومية أحدث تحولا جذريا في الشريعة ومنطقها، وقد أدى في رأي المؤلف إدماج الشريعة ضمن الدولة إلى فصلها عن موقعها الديني وعن كتب الفقه وتقاليده ليحصرها في الكراريس الحكومية.

كما أنه نقلها من عهدة العلماء إلى عهدة البيروقراطيين والمشرعين، ومن التعليم الديني إلى كليات الحقوق الحديثة، ومن الإجراءات القضائية الخاصة بمحكمة القاضي إلى نظام المحاكم الحديث المستند إلى إقامة الخصومة.

ويخضع التشريع والأحكام القضائية الآن للمنطق السياسي والبيروقراطي وليس إلى تقاليد الفقه وطرائقه، فالقاضي يصدر حكمه استنادا إلى القوانين وليس إلى كتب الفقه، وهو مسؤول أمام الدولة والقانون وليس أمام الله وأمام ضميره.

وقد حاولت المملكة العربية السعودية إبقاء القانون في أيدي العلماء والاستمرار في عدد من الإجراءات القديمة، ولكن ذلك أدى إلى توترات في المجالات الحديثة في الاقتصاد والإدارة.

وفي المقابل قامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بقوننة الشريعة بحيث تجعلها قانونا حديثا، كما أقامت نظاما قضائيا حديثا، ولكن السلطة الدينية المتمثلة برجال الدين تحاول تقويض هذه السياسات والعودة إلى الإجراءات القديمة التي تعطيها سلطات واسعة ومجالات للاجتهاد.

وفي مصر حيث تشتد المطالبة بتطبيق الشريعة فإن قلة من دعاتها تميل إلى إبطال التقنين والإجراءات الحديثة، وبالنظر إلى كون كثير من دعاتها هم من المحامين والبيروقراطيين فإن من شأن التراجع إلى الصيغ التقليدية أن ينتقص من كفاءتهم وتدريبهم وفرص العمل المتاحة أمامهم.

وتبين التجربة الإيرانية في رأي المؤلف الصعوبات التي تعترض الحكومة الحديثة في مجتمع معقد عند محاولتها إقامة الشريعة بوصفها قانونا للبلاد، إذ إن هناك كتلة ضخمة من التشريعات المتعلقة بالشؤون العملية للإدارة والأنظمة غير ذات الصلة بالشريعة.

أما في الأمور المتصلة بالشريعة من قبيل سياسات الرعاية والسياسات الاجتماعية وقانون الأسرة فقد أدت الصيغ التقليدية للفقه إلى إعاقة وضع السياسات.

فالفقه كما تطور تاريخيا هو قانون خاص إلى حد كبير، وهو يحكم العلاقات بين الأشخاص كما في عقود العمل على سبيل المثال، وبالتالي فإن استيعاب السياسات العامة تكتنفه صعوبة بالغة لأنها متعلقة بالمسؤوليات والأنظمة العامة.

وفي ما يخص قضايا الأسرة ووضع المرأة فقد بدأت الحكومة الإسلامية بإبطال جميع الإصلاحات الحديثة التي قام بها النظام القديم واستعادت أحكام الشريعة، لكنها ما لبثت أن اضطرت بفعل حاجات المجتمع الحديث ومفاهيمه إلى إعادة كثير من العناصر التي أبطلتها، مع إلحاقات مستمدة من مفردات الفقه، لكنها أسوأ ارتدادات السياسة.

وربما كان حسب رأي المؤلف أسوأ ارتدادات السياسة الإيرانية هو في مجال ضبط وتنظيم الأسرة، ففي مستهل قيام الجمهورية شجب الخميني تنظيم الأسرة بوصفه أمرا غير إسلامي ومؤامرة إمبريالية لتقليل عدد المسلمين.

ولكن الزيادة الكبيرة في عدد السكان في الثمانينيات جعلت من تغيير السياسات أمرا حتميا، فاستعيدت مراكز تنظيم الأسرة وتصاعدت الدعاية لها، وبرزت ملصقات تظهر أسرا سعيدة بطفلين فقط.

وأصدر الخميني عام 1988 فتوى تفوض الحكومة امتيازات تشريعية تصل إلى حد تعليق الشريعة استنادا إلى المصلحة العامة.

ويخلص المؤلف في كتابه إلى القول إن تطبيق الشريعة في الدول والمجتمعات الحديثة يجري فهمه بطرق مختلفة ومتعددة من قبل الأطراف المهتمة بالأمر، فالمتشددون والأصوليون وكذلك الليبراليون (كل في وجهة هو موليها) يميلون إلى نبذ التقاليد التاريخية للفقه ومنطقه ومنهجيته لصالح العودة إلى المصادر القديمة المقدسة، وهي القرآن والسنة.

"
الدعوة إلى تطبيق الشريعة أو تطبيقها بالفعل هي تعبيرات سياسية واجتماعية متعددة تعبر عن جماعات وقيادات مختلفة محافظة تسعى لاسترداد السلطة أو التمسك بها، وسلطات سياسية تبحث عن الشرعية
"

ولكن المتشددين والمحافظين يقرؤون هذه المصادر بشكل مخالف لليبراليين، إذ يجنح الأخيرون إلى تبني النسبية التاريخية، ويقرأون النصوص في ضوء زمانها ومكانها مؤكدين أنه إذا كان القرآن كلام الله موجها إلى الناس بمصطلحات يقدرون على فهمها، فستكون الألفاظ تتناسب مع الوسط الذي يتلقاها، وإذن فعلينا أن نفهم النصوص بلغتنا نحن، ونفسرها طبقا لمقاصدها وروح العصر.

وأما المتشددون والمحافظون فيرون هذه النسبية كفرا يجب معاقبة من يجهر به بوصفه مرتدا، وهذا في رأي المؤلف يفسر اغتيال فرج فودة ومحاكمة نصر أبوزيد.

وفي أحيان كثيرة تكون الدعوة إلى تطبيق الشريعة تعبيرا عن سياسات اجتماعية محافظة وقياداتها التي تسعى لاستعادة السلطة كما يظهر في حالة المحافظين في إيران.

وفي أحيان أخرى تكون تعبيرا عن استعادة الهوية والثقافة الوطنية والمحافظة على التراث الوطني بالنسبة للمسلمين في مواجهة الاستلاب والغزو، فالشريعة الإسلامية هي المكون الأساسي للمشروع الحضاري الإسلامي، والعمود الفقري لتلك الحضارة، وبدونها لا يختلف المجتمع الإسلامي عن المجتمعات المسيحية أو البوذية.

ومن الملفت في رأي المؤلف أن قضاة القرون الوسطى كانوا أكثر تساهلا في تطبيق العقوبات وأكثر تسامحا من المحاكم الإسلامية الحديثة.

وهذا الأمر يجعل المؤلف يتمسك بمقولة أن عمليات الدعوة إلى تطبيق الشريعة أو تطبيقها بالفعل هي تعبيرات سياسية واجتماعية متعددة تعبر عن جماعات وقيادات مختلفة، محافظة تسعى لاسترداد السلطة أو التمسك بها، وسلطات سياسية تبحث عن الشرعية, وحركات سياسية معارضة تسعى لإضعاف السلطات وإحراجها فتزايد تلك عليها، وحركات قومية ووطنية واستقلالية ترى في الشريعة مظلة لمواجهة الاستلاب والغزو والاحتلال وإطارا للاستقلال وبناء المشروع الحضاري الخاص بالأمة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة