جمهورية الموت   
الأحد 1429/4/8 هـ - الموافق 13/4/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:40 (مكة المكرمة)، 12:40 (غرينتش)

عرض/سكينة بوشلوح
لم يحدث أن اختلطت أوراق السياسة في العراق المعاصر كما هو الحال الآن، فالغزو الأميركي لم يسقط الدولة فحسب، بل أطلق الكثير من الدخان من خلال عملياته العسكرية ومناوراته السياسية، حتى صار من الصعب على كثير من المراقبين استشراف المسار الذي يمكن أن ينحو إليه العراق وشعبه خلال المرحلة القادمة.

- الكتاب: جمهورية الموت
- المؤلف: علي الصراف
- الصفحات: 207
- الناشر: دار قرطبة، الجزائر
- الطبعة: الأولى/2007

لهذا السبب بالذات حمل كتاب "جمهورية الموت.. الحرية الشهيدة في عراق ما بعد صدام" لصاحبه الكاتب الصحفي علي الصراف، وجهة نظر المثقف والمفكر لما يحدث في هذا البلد الذي تتجاذبه عدة أطرف، يسعى كل واحد منها إلى إثبات ذاته كطرف وحيد لمستقبل العراق.

الكتاب وإن بدا للوهلة الأولى دفاعا عن الرئيس الراحل صدام حسين، فإنه في الواقع دفاع عن العراق وعن سيادته، وهو الأمر الذي يمكن للقارئ أن يتلمسه من خلال جملة المقالات التي كتبها الصراف وجمعها بين دفتي هذا الكتاب، بشكل ضمن له التقسيم الموضوعي الذي يعطي لكل فصل من فصوله الخمسة خصوصية تميزه عن بقية الفصول من غير انفصال تام بينها.

السبيل إلى حكم العراق ما بعد الاحتلال
مات صدام وزال نظامه وحكمه، ولم يبق في ساحة العراق اليوم سوى حكم الاحتلال الذي يتستر وراء الأعمال القذرة التي يمارسها عملاؤه وغيرهم عن قصد أو غير قصد لأجل الظفر بكرسي حكم في هذا البلد الممزق، فما السبل إلى حكم العراق؟ هل هي القسوة والقوة والعنف أم غيرها؟

القول إن العراقيين لا يحكمون إلا بالقوة ولا يؤخذون إلا بالقسوة والعنف هو أحد الافتراضات الكثيرة التي يرى الصراف أنها جزئية وساذجة، إذ إن صورة القوة والعنف والقسوة التي بدا كأن نظام الرئيس صدام يقوم عليها هي أحد مصادر ذلك الافتراض.

ومع أنه لا يزال من السهل رمي ذلك النظام بكل سهام الاتهامات والأعاجيب والخرافات والوقائع أيضا، فإن الطابع الجزئي لهذه الصورة هو مصدر سذاجتها.

أمر السذاجة -يشير المؤلف- ما كان ليبرر قلق أي أحد لو أنها كانت مجرد سجال بين أغبياء في مقهى، ولكن هناك اليوم الكثير من الشواهد التي تبرر الاعتقاد بأن العنف والقسوة أصبحا الفلسفة الوحيدة لحكومة المليشيات الطائفية في العراق.

ذلك أن رواد المنطقة الخضراء مثل سادتهم -رواد مقهى البيت الأبيض- يؤمنون بنظرية تقول: بما أن صدام حكم العراق بهذه الوسيلة فإنهم إذا أبدعوا في ممارستها فإن الغلبة ستكون لهم، وإن النصر سيكون حليفهم في النهاية.

"
الواجب في ظل الفوضى الراهنة أن يتحلى الجميع بالاستعداد، لا لتبادل الاتهامات وإلقاء اللوم على الآخرين، وإنما بنقد الذات بتواضع المخلص الراغب في الانطلاق من نقطة أخرى تبدأ بالاعتراف بالآخر وبحقه المتساوي في الوجود وبالكف عن النظر إليه عدوا
"
لكن صدام -باعتقاد الصراف- لم يحكم العراقيين بالعنف والقسوة وحدهما ولم يبدأ بهما أصلا، إذ في حدود المتاح من المفاهيم الشرعية السياسية في ذلك الزمان 1960 اكتسب نظام شرعيته من الإنجاز التحرري التنموي لبناء عراق حر ومستقل، وهو الذي أطلق على انقلابه اسم "الثورة البيضاء" لأنه لم يشأ أن يقتل أي أحد من أركان النظام الذي سبقه.

وبدلا من ملء السجون بمئات الآلاف من الأبرياء كما فعل أتباع الاحتلال اليوم، أطلق السجناء السياسيين وأعاد إليهم حقوقهم وفتح الباب لتعددية سياسية اشترط عليها الوطنية.

ويبرر المؤلف تحول صدام إلى قوة بطش ظالمة بأنه أصيب بين حربين ضاريتين وحصار وحشي بما لم يصب به أحد من قبل.

ولتوسيع الفكرة يؤكد أن الشيء غير الطبيعي لا يكمن في قسوة الاحتلال ووحشيته، بل في الشعب العراقي نفسه، في ثقافته وطبيعته الاجتماعية وطبيعة تكوين سلطته، وهذا الشيء يسمح للسياسة بينهم أن تكون عملا وحشيا في أي صف وضعته، مع النظام أو ضده لا فرق.

فالعراقيون كما يقول الكاتب دائما قساة ووحوش على أنفسهم لأنهم ما يزالون شعبا سابقا على التكوين كأمة لا يعرف من هو ولم ينجح في بناء دولة شرعية مدنية، ومن ثم فإن فشله المستمر في تكوين دولة أمة مدعومة بأسلوب سياسي رزين يعد أهم عامل لبروز هذه القسوة.

فهي كما يرها الكاتب لم تنشأ بينهم نبتا من فراغ، ولهذا السبب خاصة يفعل عراقيو ما بعد الاحتلال كل ما كان يفعله عراقيو ما قبل الاحتلال.

الكثير منهم يحكم اليوم لا بثقافة أفلاطون وسقراط، وإنما بثقافة الثأر، ثقافة العين بالعين والسن بالسن، وهو الأمر الذي يجب ألا يتحلى به واحد من العراقيين.

بل الواجب في ظل هذه الظروف الراهنة والفوضى العارمة أن يتحلى الجميع بالاستعداد، لا لتبادل الاتهامات ولا لإلقاء اللوم على الآخرين، وإنما بالبدء بتجريم الذات، ونقدها بتواضع المخلص الراغب في الانطلاق من نقطة بداية أخرى، وهي نقطة تبدأ بالاعتراف بالآخر وبحقه المتساوي في الوجود وبالكف عن النظر إليه عدوا، فالانتقام لا يصنع بلدا والقتل لا يؤسس لنظام والطائفية لا تبني شرعية.

اليوم -حسب رأي الصراف- يجب الاعتراف فيه بأن المجيء إلى السلطة على دبابات الاحتلال لم يكن شرفا رفيعا في نظر الكثير من العراقيين.

وبما أن هؤلاء ليسوا أجانب ولم يمكن حرقهم بالجملة فربما يحسن التخلي عن هذا الشرف والنظر إليه بشيء من الخجل، وعليهم في آخر المطاف أن ينظروا إلى يومهم ليس من نقطة ما في الماضي وإنما من نقطة ما في المستقبل.

ولأنه إذا توفرت اليوم فرصة للاعتذار والتسامح من موقع الشراكة والخطأ والمساواة في الجريمة فغدا قد لا تتوفر مثل هذه الفرصة.

الديمقراطية في عراق ما بعد صدام
في حديثه عن الديمقراطية التي يحكم الأميركان بها العراق يؤكد المؤلف أن الديمقراطية الأميركية هي الوجه الأهم لجل الديمقراطيات الغربية السائدة في العالم وهي في الوقت نفسه ديمقراطية حرب أكثر من كونها ديمقراطية قيم.

لذا فإن حجم المصالح لاتساع مناطق النفوذ التي تدافع عنها هو القطب الذي تدور فيه وتسعى إليه، أما قيم الحرية والعدالة والمساواة فلا يرجع إليها إلا عندما تقتضي الحاجة، ولكنها لا تشتغل عندما تكون الحاجة إلى الحرب هي الأداة الرئيسية للدفاع عن المصالح.

"
الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة يقدمون مثالهم الديمقراطي لا لكي يتمثله غيرهم، بل لكي ينظر إليهم من تحت ولكي ننظر إليهم باحترام ولأنفسنا بعدم الاحترام، يقدمونه مبررا للتعالي علينا وللقول لنا إنكم متخلفون لا تستحقون العدالة ولا الحرية ولا المساواة
"
وما حصل في العراق حسب المؤلف هو أن الولايات المتحدة ومحترفيها صمموا لأنفسهم ديمقراطية وفازوا بها، وتركوا كل ما عداها ليقع تحت طائلة الإرهاب، وهو ما يفعله جميع الدكتاتوريين في العالم، فهم يصممون ديمقراطية على مقاسهم ليفوزوا بها تاركين كل من عداهم يسبحون في دوامة يبحث فيها عن تمويل خاص لديمقراطيته ولبضاعته السياسية الخاصة.

فالغرب عامة والولايات المتحدة خاصة يقدمون مثالهم الديمقراطي لا لكي يتمثله غيرهم، بل لكي ينظر إليهم من تحت ولكي ننظر إليهم باحترام ولأنفسنا بعدم الاحترام، يقدمونه مبررا للتعالي علينا وللقول لنا إنكم متخلفون لا تستحقون العدالة ولا الحرية ولا المساواة.

لأجل ذلك يعلق المؤلف بأن المتأمل فيما يفعله الاحتلال في العراق يصير لديه مجرد ذكر الديمقراطية مثيرا للاشمئزاز، لأنها صنو للوحشية ودفن الأحياء وأعمال الاغتصاب، إنها انتهاك جنسي صارخ ونوع من الشهوانية الهستيرية في السياسة.

إن عراق ما قبل صدام لم يكن جمهورية أفلاطونية كما يقول المؤلف، لكي تتحول دكتاتوريته إلى قضية، ولا كانت أسسا لجعل الديمقراطية بالمقاييس الغربية معيارا لما يمكن أن يفعله رئيس في أي بلد عربي آخر.

ومثل غيره من بلدان العالم النامية فإن الكثير من متطلبات الإدارة في العراق ما تزال تتطلب سلطات صارمة فردية أحيانا وأحيانا مطلقة.

والديمقراطية ليست على أي حال هبة، إنها مشروع يتطلب أسسا ومقدمات اجتماعية واقتصادية وثقافية، وما لم تتوفر هذه الأسس والمقدمات فإن الديمقراطية لن تكون سوى هراء لا يختلف عن هراء الانتخابات التي يجريها بلا مبرر نظام الاحتلال.

وعراق اليوم عراق لا اقتصاد فيه ولا ثقافة ولا طبيعة علاقات اجتماعية تسمح بقيام الديمقراطية الحقة، لا ديمقراطية الغطاء التي تغطي ارتكاب الجرائم والمجازر والانتهاكات والقتل الجماعي، إنها في الحقيقة خيانة لكل قيمة من قيمها.

العراق والاحتلال.. هزيمة أم نصر؟
منذ سقوط عاصمة الرشيد بغداد يوم التاسع من أبريل/ نيسان 2003، وانهيار نظام الرئيس السابق صدام حسين لا يبدو ما يبعث على التفاؤل في المشهد العراقي، ولا ما يبشر على إنهاء المأزق ووضع حد للمأساة الفظيعة التي يكابدها العراقيون.

ما حدث في العراق كان زلزالا مدمرا بكل المقاييس، إذ لم يكن العراق قبل العدوان تحت الاحتلال بالمعنى المتعارف عليه، فما حدث تدمير شامل وكامل للدولة العراقية بكل مكوناتها، إذ لم يعد العراق يحتفظ بأي ركن من أركان الدولة المتعارف عليها بالمعنى القانوني والسياسي. وهنا يتساءل المرء ما الذي يجب أن تعترف به الولايات المتحدة: الهزيمة أم النصر؟

"
الولايات المتحدة لا تريد أن تعترف بالهزيمة في العراق لسببين، الأول أن مكانتها الدولية ستهتز، والثاني أن العراق سيتحول إلى قاعدة "للإرهابيين الإسلاميين"
"
وفي هذا الموقف يؤكد المؤلف أن الولايات المتحدة لا تريد أن تعترف بالهزيمة في العراق بذريعتين: الأولى أن مكانتها الدولية ستهتز، والثانية أن العراق سيتحول إلى قاعدة "للإرهابيين الإسلاميين".

وهي في الوقت نفسه لا تستطيع أن تنتصر أيضا لسببين اثنين على الأقل: الأول أنها مكروهة من قبل الغالبية العظمى من الشعب العراقي، والثاني أن هناك مقاومة ضارية تخوضها سلبا وإيجابا أكثرية الشعب العراقي، وكانت جرائم الاحتلال وأعماله الوحشية وأخطاؤه هي التي أضرمت نيرانها، فلما اندفع الاحتلال ليرتكب المزيد بدافع الغطرسة تحولت المقاومة إلى جحيم يومي.

ومن ثم أدرك العراقيون جيدا أن الكثير من العمليات الإجرامية التي تستهدف تجمعات مدنية عراقية وبيوت عبادة على أنواعها، إنما يقف وراءها الاحتلال وأدواته وأعوانه بل وحتى الموساد الصهيوني الذي دخلت شبكاته العراق مع قوات الاحتلال لتحقيق أهداف شتى ذكرها المؤلف أبرزها:

1- تشويه صورة المقاومة بعدما يئس المحتل من القضاء عليها.
2- الانتقام من الشعب العراقي الذي أثبتت كل الاستطلاعات رفض أكثريته الساحقة الاحتلال.

3- التمهيد لحرب أهلية تكون مبررا لبقاء الاحتلال من ناحية، ومدخلا لتقسيم العراق والمنطقة برمتها من ناحية أخرى، وهو التقسيم الذي كشفته الكثير من الوثائق على أنه مشروع صهيوني قديم ألبسته تل أبيب وواشنطن حلة مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير.

إن تحقيق أمن إسرائيل -يسترسل الصراف- حجر زاوية رئيسي واحد لمفهوم الأمن القومي الأميركي في المنطقة، فواشنطن تنفق لحماية أمن إسرائيل ما لا تنفقه إسرائيل نفسها عليه، وتحارب بالنيابة عنها وتدفع تكاليف سياسات الاحتواء والردع والاحتلال كي توفر لكيان تافه جغرافيا، وفاشل اقتصاديا ومأزوم اجتماعيا مبررات البقاء في منطقة لم تستطع أن تتعايش معه، فلولا إسرائيل هل هناك عربي واحد سينظر إلى الولايات المتحدة على أنها عدو؟

ولأن المقاومة في نظر المؤلف لا تملك برنامجا سياسيا يحظى بالإجماع الوطني أو يلهم المشاعر ليتحول إلى حركة أوسع شأنا من أعمال الانتقام أو العقاب والثأر، فهي لن تنتصر قريبا لأن غياب إستراتيجية واضحة لمواجهة التمزيق والقسمة حتى بين صفوفها هي نفسها قد أفقد الهيمنة الحقيقية في نسيج العلاقات بين الطوائف والقوميات العراقية.

فحقوق الهيمنة الكلية كانت حتى ساعة الانهيار مكرسة لحساب السلطة المركزية بوصفها كذلك وكانت جميعها تابعا لمتبوع سياسي وثقافي واحد هو الدولة اكتسب جدارته بالموقع من حقيقة أنه أرقى من الناحية المؤسسية وأكثر تنظيما وأغنى موردا.

ومع ذلك يبقى الأمل قائما ومن دون أدنى شك فإن الأمر يتطلب وعيا شديد الالتزام بالطريق الذي تدل عليه بوصلة الوطنية الجامعة والأخلاقيات الرفيعة حيال المدنيين والتمسك بالعروة الوثقى لمقاومة العدو المشترك لا أحد سواه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة