تحولات ثقافية   
الاثنين 1426/5/28 هـ - الموافق 4/7/2005 م (آخر تحديث) الساعة 18:29 (مكة المكرمة)، 15:29 (غرينتش)

عرض/ سكينة بوشلوح
عرفت المجتمعات العربية المعاصرة تحولات في قيم واتجاهات الأفراد وممارساتهم الاجتماعية والثقافية نتيجة مجموعة من التغيرات السياسية والاقتصادية والتقنية. وليس الغرب بمعزل عن ذلك أيضا، إذ عرف العصر الحالي تسهيلات في عمليات التنقل بين المناطق والدول أدت إلى توسع نطاق الترحال والهجرة، وهكذا تنوعت المظاهر الثقافية في مختلف الدول بما فيها تلك التي كانت منغلقة على نفسها.

وقد ظهرت مشاكل وصعوبات في التعامل مع الثقافات، ما يؤكد الحاجة إلى دراسات علمية معمقة للموضوع. وهذا ما يصبو إليه صاحب الكتاب الدكتور "بوفلجة غياث" من أجل فهم أعمق للواقع الثقافي في العالم.

-الكتاب: تحولات ثقافية
-
المؤلف: د. بوفلجة غياث
-
عدد الصفحات: 116
-
دار النشر: دار الغرب للنشر والتوزيع، الجزائر
-
الطبعة: الأولى 2005

مفهوم الثقافة
بأسلوب علمي استقرائي جاء الكتاب في أربعة أبواب ناقش في أولها مفهوم الثقافة والفرق بينها وبين الحضارة. وأقر الكاتب بأن الباحثين لم يجمعوا على تحديد المعنى الدقيق لمفهوم الثقافة، وحتى من الناحية اللغوية.

فالفعل ثقف يحمل عدة معان منها الحذق والفهم والفطنة والذكاء، إلى جانب ذلك نجد معنى شائع الاستعمال للفظة الثقافة ويراد به سعة الاطلاع والمعرفة لدى الفرد، ليخلص في الأخير إلى أن الثقافة تشمل الصناعات والمهارات وقضاء أوقات الفراغ واللباس والطقوس الدينية، بل تشمل كل مناحي الحياة الاجتماعية للفرد.

لذلك وجد الباحثون صعوبة في التفريق بين الثقافة والحضارة، أما الكاتب فيرى أن الثقافة تستعمل للدلالة على مظاهر الحياة الروحية والأخلاقية والتربوية للمجتمع وهي كثيرة الارتباط بالممارسات اليومية للفرد، في حين تطلق الحضارة على مظاهر الحياة العلمية والفلسفية الراقية التي تستمر لفترة طويلة وتؤثر على جوانب متعددة من تطور المجتمع ورقيه واستمراريته.

كما صنف الثقافات من حيث مدى شموليتها إلى ثقافات رئيسية وثقافات فرعية وثقافات جهوية وأخرى محلية، وأعطى مثالا بالثقافة الإسلامية على أنها ثقافة رئيسية، إلا أن ذلك لا يعني أن الممارسات الثقافية في باكستان هي نفسها ممارسات المملكة العربية السعودية أو المغرب رغم وحدة العقيدة، فلكل دولة أو منطقة ثقافة فرعية. وهكذا تتمايز الممارسات اليومية لمجتمعات مختلف المناطق لتكون ثقافات جهوية وثقافات محلية، وكلها فروع من الثقافة الأصلية الرئيسية.

"
الولايات المتحدة أخطأت قراءتها للمجتمع العراقي نتيجة سوء فهمها لحقيقة ثقافة المقاومة حيث دخلت بالقوة منطقة تجهل أعماق ثقافتها وردود أفعال سكانها، ما أدى إلى بروز شروخ حضارية كان العالم في غنى عنها
"
أهمية الدراسات الثقافية في المجتمعات المعاصرة

بعدما كانت الدراسات الثقافية شبه منحصرة في التاريخ والفنون، عاد الاهتمام بموضوع الثقافة مع توسيع مجالات البحث العلمي من خلال علم الاجتماع الثقافي وعلم النفس الثقافي والإنثروبولوجيا الثقافية.

وظهرت العولمة التي ساهمت في إيجاد تجمعات اقتصادية كبيرة، ما عزز الاتجاه نحو دراسة التنوع الثقافي في المجتمعات المعاصرة. ومما زاد من أهمية هذه الدراسات موجة الاهتمام بالديمقراطية وحقوق الإنسان خاصة فيما يخص الأقليات الثقافية، وهكذا أصبح من المعتاد مصادفة أفراد أو العيش بجانبهم أو العمل معهم حيث ينظر إليهم على أنهم أقليات عرقية أو ثقافية لهم مزاجهم وأنماطهم الخاصة في اللباس والمعاملات.

كل هذه العوامل أدت إلى الحاجة لفهم الأفراد إذ إن الفشل في التعامل معهم يؤدي إلى مجموعة من المشاكل قد تؤدي إلى الكراهية والعنف، ولعل أحد عوامل ظهور العنف والإرهاب في العالم هو الفشل في فهم الآخر والثقافات الأخرى وما تتميز به من خصائص وما تحمله من هموم وطموحات وإحباطات.

ويرى الكاتب أن الولايات المتحدة أخطأت قراءتها للمجتمع العراقي نتيجة سوء فهمها لحقيقة ثقافة المقاومة حيث دخلت بالقوة منطقة تجهل أعماق ثقافتها وردود أفعال سكانها، ما أدى إلى قتلى وجرحى بالآلاف وخسائر اقتصادية ضخمة وإلى بروز شروخ حضارية كان العالم في غنى عنها، كما ساهمت في إعاقة جهود كثير من رجال الدين ودعاة السلام من أجل التأسيس لحوار بين الحضارات وتعزيز التعايش بينها.

واستنتج أن الدراسات السلوكية للشعوب خاصة الإسلامية منها ما زالت دون المستوى المطلوب، وأن المتوفر منها سطحي استعملت لدراسته منهجية غير مناسبة حيث اعتمدت فيها نظرة غربية مادية لا تصلح لدراسة القضايا العقدية والقيمية في الوطن العربي والإسلامي، في حين يجب إجراء دراسات ميدانية بطرق موضوعية اعتمادا على منهجيات مكيفة مع الواقع الثقافي المدروس والقبول بنتائج البحوث حتى وإن لم تتطابق ورغبات الساسة والمخططين الإستراتيجيين في الغرب.

كما يجب على الباحثين التخلي عن الفكرة الاستعمارية المتمثلة في البحث من أجل السيطرة والهيمنة، إذ إن خطأ المنطلق يؤدي إلى أخطاء في التوقعات والنتائج ما قد يؤدي إلى تضليل المعتمدين عليها من الساسة والعسكريين وأصحاب القرار. من هنا تظهر أهمية الثقافة وارتباطها بالحضارة ووظائفها في تسهيل اندماج أفرادها في المجتمع، ما يوضح ضرورة التعمق في دراستها والبحث فيها.

ويرجع الكاتب آليات التحول الثقافي إلى الاحتلال الغربي الذي عرفه العالم العربي بكل أشكاله وما يمثله من معاناة، ما أدى إلى تعديل كثير من القيم والممارسات الثقافية السائدة في الوطن العربي.

وبغض النظر عن المدلول السياسي للاحتلال واستيلائه على السلطة فإن وطأة البعد الثقافي كانت ثقيلة تتمثل في دخول ثقافة جديدة بعقيدتها وقيمها وأهدافها ولغتها وطرق لباس أهلها وتصرفاتهم، وتم الاحتكاك ومن ثم المواجهة بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الغربية المسيحية.

"
وسائل النقل والإعلام والاتصال المتطورة من العوامل المساعدة في نشر الثقافة والوعي في العالم، وقد ساهمت في انفتاح المجتمعات العربية على بعضها البعض وعلى العالم الخارجي، لكنها أثرت سلبا على العلاقات الاجتماعية
"
وهكذا بدأ التحول الثقافي من خلال انتشار الوعي بخطورة الاستعمار وضرورة التحرر منه وتبني أسلوب المقاومة بكل أشكالها وأساليبها ومتطلباتها وما يتضمن ذلك من صراعات ثقافية وسياسية وعسكرية وحضارية.

ورغم استقلال الدول العربية فإن الاحتلال خلف وراءه أساليبه في العمل والتعليم والتنظيم في كل المجالات، وهي جوانب تبنتها الدول العربية واعتبرتها غنيمة حرب وأصبحت الممارسات الثقافية متأثرة بثقافة المحتل خاصة عند الكوادر. كما ساعدت ثقافة العولمة على ذلك.

وهكذا بقيت الدول المستقلة سياسيا مرتبطة بالمستعمر اقتصاديا وثقافيا، وظهرت صراعات وتناقضات ثقافية في الوطن العربي فالمجتمعات العربية لم تتمكن من استرجاع الثقافة التقليدية ولم تستطع التخلص مما أتى به المحتل، ما أدى إلى تعايش ثقافتين متناقضتين وإلى صراعات قيمية وثقافية بين أبناء المجتمع الواحد.

كما أدت التطورات التربوية والحراك الاجتماعي خلال الربع الأخير من القرن العشرين إلى تحولات كبيرة في قيم وثقافات المجتمعات العربية، حيث أمكنت الملاحظة أن غالبية الكوادر الإدارية والفنية القائمة على تسيير مختلف المؤسسات تنحدر من أسر فقيرة ومن أبوين أميين وصارت أكثر تقمصا للمظاهر الثقافية الغربية.

ولذلك عم النمط الغربي في اللباس والمعاملات حتى أن بعض الأفراد والأسر تبنوا اللغة الأجنبية لغة يومية يتعاملون بها في المنازل ومواقع العمل، فهم يرون أنفسهم أكثر تقدما وتحضرا من غيرهم، ما زاد في عمق الشرخ الثقافي الذي عرفته بعض المجتمعات العربية.

ويؤكد المؤلف أن وسائل النقل والإعلام والاتصال المتطورة من العوامل المساعدة في نشر الثقافة والوعي في العالم، وقد ساهمت في انفتاح المجتمعات العربية على بعضها البعض وعلى العالم الخارجي، لكنها أثرت سلبا على العلاقات الاجتماعية بحيث تناقص الحوار المفتوح وعمليات النقاش والحديث مع الغير وعوضتها المشاهدة والتفاعل مع الآلات لتلبية حاجات الاتصال دون كلام ولا بروتوكولات اجتماعية وثقافية.

بين العولمة والتدافع الثقافي
"
على المجتمع العربي العناية بالأسرة باعتبارها الخلية الأساسية لبناء المجتمع، والعمل على تخفيف الضغوط والمشاكل عنها حتى تكون سندا ودعما لحماية أفرادها من الانحراف، لا عائقا في وجه تفتحهم وتطورهم
"
يرى الكاتب أن العولمة أدخلت الأسرة العربية في حالة من الديمقراطية الجديدة، ما يشير إلى تحول اجتماعي عميق يجري بصمت لكن بشكل مؤكد في علاقات الوالدين بالأبناء خصوصا.

وعلى المجتمع العربي العناية بالأسرة باعتبارها الخلية الأساسية لبناء المجتمع، والعمل على تخفيف الضغوط والمشاكل عنها حتى تكون سندا ودعما لحماية أفرادها -خاصة الشباب منهم- من الانحراف، لا عائقا في وجه تفتحهم وتطورهم.

كما يجب مسايرة التطورات من خلال تعزيز الوعي السليم بالثقافة الإسلامية ومساعدة الأسرة على رفع التحدي في وجه الحركات العالمية التي تدعو إلى التحرر من قيم الدين والمجتمع، خاصة بعد حصول المرأة العربية على سلطة العلم وسلطة العمل وسلطة المال التي أهلتها للزيادة في مستوى حريتها وإلى إسماع كلمتها.

كما ساهم انتشار جمعيات الدعوة إلى تحرر المرأة وتشجيعها على التمرد على القيم السائدة في زعزعة الأسرة العربية واستقرارها، زد عليه تحول الشباب من الخضوع لأوامر وتوجيهات الآباء وكبار الأسرة إلى الاستقلالية والتحرر وبناء علاقاتهم على أسس منطقية وموضوعية واللجوء إلى هياكل الدولة أكثر من لجوئهم إلى القبيلة.

وما زاد الطين بلة أن الدول العربية اعتمدت أسلوبا اجتماعيا أبويا حين وفرت للمواطن حاجاته الأساسية بأثمان مدعومة، ما ساهم في إيجاد ذهنية التكاسل والتقاعس عن العمل الجدي، فظهرت تقاليد استهلاكية واسعة دون أن يقابلها مجهود في الإنتاج. وأدى هذا بدوره إلى خلل في المجتمعات العربية وعجزها عن تلبية حاجاتها الأساسية المتزايدة من غذاء ولباس وسكن وأمن وغير ذلك، ما فتح الباب على مصراعيه للآفات الاجتماعية.

ومن هنا فضل الكاتب استعمال المصطلح القرآني "الدفع" في قوله تعالى "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض" (البقرة/251) للتعبير عن التدافع الثقافي بدل الصراع أو التصادم الثقافيين.

وقد يكون التدافع سلميا كما قد يكون عنيفا إذ يعكس الواقع الحيوي والمرن لموضوع الثقافة وتباين طرق التعامل مع مواقفها. وفي هذا الإطار يبين أن الحرب العقدية أخطر حرب في هذا العصر، وأدواتها وسائل الإعلام والمخابرات وأجهزة الدعوة والتنصير بإمكاناتها الهائلة، وهي الحرب المسكوت عنها عمدا.

كما أن ارتباط اللغة العربية بالدين الإسلامي جعلها هدفا لهجمات أعدائها لتيقنهم بأنه لا يمكن القضاء على الإسلام وحضارته دون القضاء على اللغة التي يتلى بها القرآن, بل تعدى الصراع إلى الرموز الثقافية كاللباس مثلا.

"
الممارسات الأميركية وحروبها على ما تسميه الإرهاب في أفغانستان والعراق وممارساتها السياسية في مجلس الأمن.. عوامل شجعت على المقاومة بظهور حركات دعوية وقنوات فضائية تدافع عن مقومات الثقافة العربية الإسلامية
"
ومرجع ذلك حسب المؤلف إلى إستراتيجية العولمة التي تهدف إلى تدعيم اقتصاد الولايات المتحدة وجعل كل اقتصادات العالم في خدمتها. فالولايات المتحدة تبنت الدين المسيحي والاتجاه الصليبي فيه مع دعم اليهودية باعتبارها قوة مالية تعمل لصالحها. كما تبنت اللغة الإنجليزية وتعتبرها فوق كل اللغات وتفرضها علميا وسياسيا وثقافيا، كما تعمل على هدم القيم الأخلاقية وتشجيع الانحلال والتبرج والحرية الجنسية والتمرد على قيم المجتمع.

إن الممارسات الأميركية وحروبها على ما تسميه الإرهاب في أفغانستان والعراق وممارساتها السياسية في مجلس الأمن كلها عوامل شجعت على المقاومة بظهور حركات دعوية في مختلف الدول العربية وقنوات فضائية تدافع عن مقومات الثقافة العربية الإسلامية، ما أدى إلى تشبث الشباب بالقيم.

من مظاهر ذلك امتلاء المساجد بالشباب وانتشار الحجاب بين الطالبات وتعزز الشعور بالاختلاف وظهور فهم جديد للواقع الثقافي وأهميته في المجتمع العربي المعاصر.

ولكن إذا نظرنا إلى الواقع الثقافي وإفرازاته نجد أن الأمة العربية عانت من الفشل والتخلف لأنها اعتمدت إستراتيجية للدفاع تتسم برد الفعل والسلبية في التعامل مع الأحداث والميل إلى الجمود، ما يؤدي إلى الاكتفاء بالتقليد بالدرجة الأولى, في حين أن الثقافة الغربية -أي ثقافة العولمة- تعتمد إستراتيجية الهجوم والإيجابية والعمل على الإبداع في طرق التدخل والمواجهة، ما يؤدي إلى سيطرة النموذج الغربي وهيمنته على الثقافات الأخرى فهي كالسيل الجارف الذي يجر في طريقه كل جامد مشاكس أو سابح في الاتجاه المعاكس.

لهذا يرى الكاتب فشل مواجهة عاصفة العولمة بطريقة مباشرة، بل الأجدى أن يتم التفاعل معها واستغلال إيجابياتها بعقل علمي متفتح على الواقع وعلى المستقبل، يدرك حقائق المظاهر والتطورات الثقافية ليستفيد مما هو مفيد ويستبعد الباقي لفائدة مستقبل الأمة والأجيال الصاعدة.

إن أهم العناصر التي يجب التركيز عليها في التعامل مع الثقافات المعاصرة هي العمل والصرامة والبحث الجدي المتعمق من أجل إيجاد إنتاج ثقافي قيمي وسلوكي ومادي ذي مصداقية، وبإمكانه مواجهة التحديات العالمية واختراق مجالاتٍ ومواقع في عقر دور الثقافات الأخرى المنافسة أو المعادية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة