الجالية اليهودية في الجزائر   
الاثنين 1434/5/7 هـ - الموافق 18/3/2013 م (آخر تحديث) الساعة 9:10 (مكة المكرمة)، 6:10 (غرينتش)

عرض/ عدنان أبو عامر

الكتاب الذي بين أيدينا جزء من مشروع تقوم به الحكومة الإسرائيلية للحديث عن أوضاع الجاليات اليهودية في الدول العربية، من حيث ظروفهم المعيشية، الاقتصادية، مشاركاتهم السياسية، الحفاظ على لغتهم وطقوسهم الدينية، وتكمن أهميته وجديته في استعراضه لأبعاد كثيرة، بعضها لم تتم دراسته من قبل، مثل: المساهمة الأدبية للجالية اليهودية في الجزائر، كيف كانت الحياة الدينية في ظل التأثيرات الثقافية المختلفة.

يقدم الكتاب وصفا غنيا ومفصلا للحياة الشخصية لليهود في الجزائر، وكيفية اندماجهم في النسيج الثقافي والاجتماعي والسياسي، من خلال اعتماده على مجموعة من الأدلة المقدمة لأول مرة، وتقديم نظرة نادرة داخل الجالية اليهودية في الجزائر، وعلاقتهم بإسرائيل، لاسيما وأنه يصدر في الذكرى الـ50 لاستقلال الجزائر.

-الكتاب: الجالية اليهودية في الجزائر
-المؤلف: د. حاييم سعدون
-لغة الكتاب: العبرية
-الناشر: معهد "بن تسافي" ووزارة التعليم, تل أبيب
-عدد الصفحات: 318
-الطبعة: الأولى/ 2012

فئات اليهود
يقول الكتاب: تتكون الجالية اليهودية في الجزائر من فئتين رئيسيتين هما:
1- الفئة الأولى: من ذوي التاريخ القديم، وقد توالوا على البلاد منذ ما قبل الميلاد إلى ما يعتبرها "فترة المطاردات المسيحية الإسبانية لليهود" في القرنين الـ14 والـ15 ميلادي، وهذا الفئة تدعى "توشافيم" بالعبرية أي الأهالي بالعربية، وقد انصهرت في المجتمع الجزائري، ولولا اختلاف الدين والطقوس والطبائع النفسية المكتسبة من سنين التشرد لأصبحوا جزائريين بعمق الانصهار، ولذلك أطلق عليهم لقب "اليهود الأصليين".

ويضيف المؤلف: تشمل تلك الموجات اليهودية بعض يهود الجزيرة العربية بعد الفتح الإسلامي من بني قريظة وبني النضير الذين أجلاهم الرسول الكريم محمد عليه السلام، وبعض يهود بني الدريد الهلاليين الذين قدموا إلى الجنوب التونسي أثناء الهجرة الهلالية الكبيرة من المشرق إلى المغرب خلال القرن العاشر الميلادي.

2- الفئة الثانية: وتعرف باسم "الميغورشيم" بالعبرية، وتعني المطرودين، من يهود إسبانيا، عندما بدأت دويلات الأندلس بالتساقط في سنوات 1391و1462و1608، وعرفوا بـ"الكبوسين" نسبة للكبوسة الحمراء التي يضعونها على رؤوسهم، وبفضل تكوينهم الديني المتفوق على الفئة الأولى، وإمكانياتهم العددية والثقافية العلمية النابعة من البيئة الأندلسية، فقد استحوذوا على المراكز الديناميكية للجالية اليهودية.

ويعود المؤلف للحديث عن الأصول التاريخية ليهود الجزائر بالقول إنه قديم جداً، مقدراً أن أول دفعة منهم وصلت شمال أفريقيا مع مجيء الفينيقيين الذين أسسوا مدينة قرطاج، أواسط القرن الثامن قبل الميلاد، وبعد الفتح الإسلامي، أطلق على الطوائف اليهودية التي لم تدخل الإسلام تسمية "الذميين".

ويضيف: منذ عام 1165، أقرت سياسة التحويل القسري، كان من نتيجته تحريم الزواج عليهم من المسلمين، ومنعهم من ممارسة التجارة على نطاق واسع، لذا، كان عليهم، إما ممارستها سراً وبصورة غير قانونية، أو اللجوء للمنفى في مصر، كما فعل الفيلسوف الطبيب التلمودي الميموني، أو فلسطين، أو إيطاليا.

إضافة لذلك، فرض على يهود الجزائر ارتداء ملابس خاصة من اللون الأصفر، في عام 1198 أيام حكم "الموحدي" المنصور، وهذا الميل لتمييز اليهود بلون أو علامة فارقة، تفاوت حسب البلدان والعصور، أعيد العمل بها في أوروبا في القرون الوسطى.

ويرى الكتاب أنه في مطلع القرن السادس عشر، حيث السنوات التي تلت طرد اليهود من شبه الجزيرة الأيبيرية، تحول المغرب الأوسط إلى فسيفساء سياسية مجزأة، حيث كانت الموانئ تنتظم للتسابق، مهملين التجارة البحرية إلى إسبانيا، ومتناسين المسيحيين.

كما تنادى الملوك الكاثوليك لحرب صليبية جديدة، وقاموا بين عامي 1505-1510 بالاستيلاء على عدد من مرافئ دول شمال أفريقيا، ومنها المرسى الكبير، ومدينة بجاية ووهران، حيث أقاموا حاميات محصنة، مقابل قيام المسلمين بعمليات قرصنة استدعتهم لتنظيم أنفسهم عام 1516، حين قام خير الدين الملقب "بربروسا" بالاستيلاء على مدينة الجزائر، وفي عام 1518، قدّم الولاء للسلطان العثماني الذي منحه لقب "بيه العربي" وعينه أميراً للأسطول.

المقاطعة الاقتصادية
ينتقل المؤلف بالحديث عن يهود الجزائر خلال الفترة العثمانية، حيث خضعوا لوضع "الذميين"، مشيراً لكيفية تطبيق هذه القواعد وتنوعها حسب المناطق الجغرافية والفترات التاريخية، مؤكداً أنها كانت علاقات حسن جوار وصداقة نشأت فيما يتعلق باحتفالات الأعياد اليهودية، وممارسة "الحماية"، من خلال وضع فرد معين تحت حماية حاكم مسلم، أو مسؤول كبير أو تحت حماية "الداي" مثلاً.
لعب القناصل الأوروبيون دور الحماية لليهود والتي لم يحظ بها سوى عدد قليل من التجار الأثرياء، وفي بعض الأحيان أناس متواضعون جداً، أما في المناطق الريفية، فقد عاشوا جنباً إلى جنب مع جيرانهم المسلمين

كما لعب القناصل الأوروبيون أيضاً دور الحماية التي لم يحظ بها سوى عدد قليل من التجار الأثرياء، وفي بعض الأحيان أناس متواضعون جداً، أما في المناطق الريفية، فقد نعمت بعض القبائل اليهودية بالعيش جنباً إلى جنب مع جيرانهم المسلمين.

ويستند الكتاب إلى تقرير أعده قنصل الولايات المتحدة في الجزائر عام 1825، حول ما اعتبرها "مضايقات مخجلة" حصلت خلال الفترة الانتقالية في الجزائر العاصمة، بين القرن الثامن عشر وحتى الغزو الفرنسي، منها إلزام اليهود العيش في "غيتو" منفصل في مناطق: "وهران، وهارا، حارة قسنطينة، الجزائر العاصمة"، أو إلزامهم ارتداء الألوان الداكنة.

وفي عام 1830، إثر الاستعمار الفرنسي للجزائر، تم تحرير اليهود من وضع "الذمي"، وحصلوا في البداية على المساواة في الحقوق مع "السكان الأصليين" المسلمين، ضمن إطار قانون استسلام تم بين الجنرال "بورمون"، وبين "داي" الجزائر العاصمة، ونص على احترام جميع الأديان.

ومنذ افتتاح الدفعة الأولى للمدارس الفرنسية عام 1831، عمد اليهود لإرسال أبنائهم إليها، وسرعان ما تخلوا عن محاكمهم الدينية، على عكس المسلمين، منصاعين بذلك لحكم المحاكم الفرنسية، وتطبيق قانونها العام، مع الحفاظ على قانون منوع يتمثل باستشارة حاخام الجالية قبل تطبيق الحكم.

وبعد ذلك، منحت الحكومة الفرنسية بموجب مرسوم "كريميو" الجنسية ليهود الجزائر بتاريخ 24 أكتوبر/تشرين الأول 1870، وهذا المرسوم لم يمكّن المسلمين من الاستفادة منه، لأنهم لم يقبلوا -كما اليهود- أن يحرموا من محاكمهم الدينية، ولرفضهم الخدمة العسكرية، وهي رمز المواطنة الفرنسية.

ينتقل المؤلف بالحديث عن أوضاع اليهود بعد هزيمة فرنسا في يونيو/حزيران 1940، حيث شهدت الجزائر إحياء لمعاداة السامية ضد اليهود، وعمت المنشورات والملصقات والشعارات ضدهم أنحاءً عديدة من المدن الجزائرية، كما قوطعت المحلات اليهودية، ورفعت شعارات تطالب بإلغاء مرسوم "كريميو"، وطرد اليهود من الجزائر.

واستعرض الكتاب أبرز القوانين الفرنسية التمييزية ضد اليهودية، عندما صدر في "فيشي" قانون يضع مواصفات معينة لليهودي، تم تطبيقه في الجزائر، بفارق زمني، وفقا للحالة من عدة أيام إلى عدة شهور، و"بجرة قلم"، ألغت الحكومة مرسوم "كريميو"، الذي يمنح اليهود كافة الحقوق المدنية مساوياً بينهم وبين الفرنسيين، واستفاد منها اليهود لمدة سبعين عاماً، كما حظر قانون على اليهود ممارسة عدد كبير من الوظائف والمهن.

ثم أعيدت المواطنة الفرنسية رسمياً ليهود الجزائر، بعد عام تقريباً من دخول الحلفاء، حيث شارك العديد من اليهود في المعارك في تونس، إيطاليا، فرنسا، ألمانيا، وبعد انتهاء الحرب الجزائرية، استعاد اليهود ما اعتبروه "ملكاً عزيزاً"، وهو هويتهم الفرنسية.

أجواء الصراع
وينقل الكتاب ما دونه المؤرخ اليهودي "بنيامين ستورا" حيث يقول: التمرد الذي اندلع في الجزائر نهاية العصر الفيشي، اجتذب الكثير من التعاطف مع اليهود، لأنه خلال تلك الفترة المظلمة، لم يشارك المسلمون الجزائريون بأي عمل عدائي ضدهم، وعندما بدأت حرب الاستقلال، تعرض اليهود لتحرشات من جميع الجوانب.

 كما عاش اليهود أجواء هذا الصراع بكثير من الاضطراب والقلق، وأحياناً في نوع من تعذيب الضمير، حيث تم اغتيال المغني والموسيقي "ريمون ليريت"، الملقب بـ"الشيخ ريمون"، وهو واحد من كبار مشاهير الموسيقى العربية الأندلسية، برصاص جزائري، في قلب الحي اليهودي في قسنطينة، وكانت هذه بمثابة إشارة لرحيل قسري لـ130 ألفا من اليهود، في نهاية فترة طويلة من وجودها في شمال أفريقيا، كما تركت الغالبية العظمى من يهود الجزائر موطنها الأصلي حاملة في القلب جراحاً لم تندمل أبداً، على حد تعبير المؤلف.

ينتقل الكتاب في فصل آخر للحديث عما أسماه جهود إسرائيل الجديدة للبحث عما تعتبره أملاك اليهود في عدد من الدول العربية، بينها الجزائر، وتعتزم وزارة شؤون المتقاعدين في الحكومة البحث عن أملاك من هاجروا منها، واستعادة ملكيتها، أو طلب تعويضات مالية عنها.

تشمل الأملاك التي يدعي اليهود أنهم تركوها في الجزائر التي هاجروا منها، بيوتاً وعقارات ومحلات ومصالح تجارية وحسابات مصرفية، إضافة لمؤسسات عامة مثل الكنائس والمعابد والمقابر اليهودية

وقال المؤلف إن الهيئة الإسرائيلية الجديدة تستعد لتقديم دعاوى قضائية لاستعادة أملاك اليهود في الجزائر وتونس والمغرب وليبيا والعراق واليمن ولبنان، وإيران، ومطالبتها بتقديم تعويضات عن المساس بحقوق اليهود وأملاكهم العقارية والمادية، وإلزامها بصيانة المعابد والمقابر اليهودية، وكذا العتبات المقدسة بالنسبة لليهود فيها، كما تعتزم إسرائيل مقاضاة الدول العربية التي قامت بسحب حقوق المواطنة من اليهود الذين كانوا يقيمون فيها.

وأورد الكتاب جملة من الإحصائيات الرقمية المتعلقة بيهود الجزائر، لأن ربع اليهود الذين هاجروا من الدول العربية لإسرائيل جاؤوا من الجزائر والمغرب، إضافة لـ135 ألفا من العراق، و120 ألفا من إيران، و103 آلاف من تونس، و55 ألفا من اليمن، وعشرين ألفا من سوريا، وخسة آلاف من لبنان.

وتشمل الأملاك التي يدعي اليهود أنهم تركوها في الجزائر التي هاجروا منها، بيوتاً وعقارات ومحلات ومصالح تجارية وحسابات مصرفية، إضافة لمؤسسات عامة مثل الكنائس والمعابد والمقابر اليهودية، وبالفعل فقد بدأت الدائرة الإسرائيلية المكلفة بإحصاء وجرد واستعادة أملاك اليهود في الجزائر، بتوزيع نماذج للتعبئة يفصل فيها اليهود الأملاك المتروكة، وستعمل على جمع أدلة على تملك اليهود لها، حيث يوجد 25 معبداً ومقبرة يهودية في الجزائر.

بقي القول إن مؤلف الكتاب "حاييم سعدون"، مؤرخ إسرائيلي، عميد الجامعة المفتوحة في تل أبيب، والمحرر الرئيس لسلسلة "الجاليات اليهودية في الشرق في القرنين التاسع عشر والعشرين"، وهو مشروع تقوم عليه الوكالة اليهودية للهجرة ووزارة التربية والتعليم، وقد خرج في 15 مجلداً.

السلسلة تناقش الظروف التاريخية ليهود المشرق، من النواحي الاجتماعية والتعليمية، والأوضاع القانونية لهم، وعلاقاتهم مع البيئات المحيطة بهم، ومهامهم الاقتصادية، وتنظيمهم الإداري، مخصصاً الحديث عنه اليهود في البلدان التالية: اليمن، العراق، المغرب، تونس، إيران، ليبيا، وقد حاز المؤلف على جائزة الرئيس الإسرائيلي لأفضل كتاب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة