الزراعة العربية وتحديات الأمن الغذائي   
الأحد 13/9/1431 هـ - الموافق 22/8/2010 م (آخر تحديث) الساعة 20:00 (مكة المكرمة)، 17:00 (غرينتش)

عرض/حسين عبد العزيز
تعتبر قضية الأمن الغذائي بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية من القضايا التي تحظى باهتمام كبير على كافة المستويات العالمية.

يتساءل الكتاب عن حقيقة الأمن الغذائي في الوطن العربي، وهل الزراعة العربية بشكل عام والجزائرية بشكل خاص قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي من المواد ذات الاستهلاك الواسع؟

والإجابة على هذا السؤال توزعت على متن فصول هذا الكتاب.

- العنوان: الزراعة العربية وتحديات الأمن الغذائي.. حالة الجزائر
- المؤلف: فوزية غربي
- عدد الصفحات: 367

- الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت
- الطبعة: الأولى 2010
 
 
الزراعة والتنمية الاقتصادية

تؤدي الزراعة دورا مهما في اقتصادات الدول لاسيما النامية منها، على اعتبار أن زيادة الإنتاج لمواكبة متطلبات المجتمع أمر ضروري لتحقيق التنمية الاقتصادية.

لكن معظم الدول النامية اتجهت منذ منتصف القرن الماضي نحو الصناعة على اعتبارها المدخل الرئيسي لتحقيق التقدم الاقتصادي، وكان ذلك بحسب مؤلفة الكتاب الدكتورة فوزية غربي على حساب الزراعة التي بقيت تعتمد على الأساليب التقليدية، مما أدى إلى نقص الإنتاج الزراعي كما وكيفا.

وقبل الدخول في صلب موضوع "الزراعة العربية وتحديات الأمن الغذائي"، كشفت المؤلفة عن أهم السمات التي يتسم بها القطاع الزراعي في الدول النامية، وهي:

- صغر الحيازات الزراعية، أي انخفاض نسبة نصيب الفرد من وحدة المساحة الزراعية المستغلة.

- تدهور التربة نتيجة استغلال الإنسان للموارد الطبيعية.

- التلوث بالمبيدات والأسمدة، حيث أفادت تقارير منظمة الأغذية والزراعة أن نحو 40% من المحاصيل الزراعية في الدول النامية تضيع بسبب الأمراض النباتية المختلفة.

- انخفاض المستوى التقني في الزراعة.

- هدر الموارد الزراعية، فقد أدى الاستخدام غير الرشيد للأرض إلى خفض إنتاجيتها إلى درجة أصبحت معها مساحات كبيرة غير قادرة على إنتاج المحاصيل الزراعية الضرورية.

- انتشار الأمية وانخفاض مستوى التعليم.

- نقص الموارد المائية المخصصة للري.

وبعد عرض سمات القطاع الزراعي، وقفت المؤلفة على أسباب تخلف القطاع الزراعي في الدول النامية ولخصتها في عدة نقاط أهمها:

- أن معظم الأراضي القابلة للزراعة في كثير من الدول ذات طابع صحراوي أو صخري.

- كثير من البلدان تعاني قلة في المياه ومشاريع الري، إذ تعتمد على سقوط الأمطار التي يصعب التحكم في مواعيدها وكمياتها.

- الكثير من الأراضي الزراعية قد تفقد خصوبتها بسبب الإهمال وسوء الإدارة.

- تدني الإنتاجية الزراعية نتيجة لجهل المزارعين وعدم استجابتهم للإرشاد الفلاحي.

- انعدام سياسات تسعيرية ومالية ملائمة تستطيع استقطاب الأموال اللازمة للاستثمار في قطاع الزراعة.

- قلة أو عدم وجود الطرق والمسالك بين المزارع والأسواق، مما يعيق وصول الخدمات والتجهيزات اللازمة إلى الفلاحين.

- عدم توفر نظام قادر على توفير المتطلبات والمدخلات الزراعية الحديثة إلى الفلاحين.

"
لم تسجل الإصلاحات الزراعية الاشتراكية والليبرالية نجاحات تذكر في مجال التنمية الزراعية، بسبب سوء الإدارة وقلة المختصين وانتشار البيرقراطية
"
السياسة الزراعية العربية

تهدف السياسة الزراعية إلى تحقيق هدفين أساسيين: تحقيق الإشباع لمستهلكي السلع الزراعية، وتعظيم الربح للمنتجين الزراعيين، أي تحقيق الكفاءة الإنتاجية القصوى للموارد الزراعية.

وترى المؤلفة أنه لا بد من التعرف على السياسات الزراعية في بعض الدول العربية التي لم تفلح في القضاء على الهوة التي تفصل بين الطلب على الغذاء والإنتاج، ولعل من أسباب ذلك ما يلي:

- لم تسجل الإصلاحات الزراعية الاشتراكية منها والليبرالية نجاحات تذكر في مجال التنمية الزراعية، بسبب سوء الإدارة وقلة المختصين وانتشار البيرقراطية.

- غياب السياسات المدروسة للبحوث الزراعية، وما تستوجبه من مخططات وبرامج من أجل تطوير الزراعة مستقبلا.

- عدم تحديد أهداف لاستصلاح الأراضي، وعدم وجود تكامل وترابط بين مراحله المختلفة.

- اختلاف السياسات السعرية من بلد إلى آخر وفي داخل البلد الواحد.

- محدودية التوسع في الإنتاج الحيواني، نظرا إلى قلة المراعي وفقرها وإهمالها.

- إهمال القطاع الصناعي الزراعي بحيث لم تطرح سياسات واضحة تربط بين المجالين.

تعتبر السياسة الزراعية أداة الدولة في القطاع الزراعي لكونها تهدف إلى تحقيق زيادة في الإنتاج الزراعي بشقيه الحيواني والنباتي، وزيادة حجم الصادرات لتعويض حجم الواردات.

وتتساءل المؤلفة هنا: هل استطاعت الجزائر تحقيق هذه الأهداف من خلال السياسات الزراعية المتعاقبة؟

الإجابة على هذا السؤال تستلزم عرض أهم السياسات الزراعية المتبعة منذ الاستقلال.

فقد اتسم الاقتصاد الجزائري خلال الفترة الاستعمارية بالارتباط الوثيق بالاقتصاد الفرنسي، وبعدم التوازن بين القطاعات الاقتصادية المختلفة، وبعجز مستمر في الميزانية والميزان التجاري.

"
بعد الاستقلال شهدت الجزائر خللا اقتصاديا وديمغرافيا، إذ انخفض الناتج القومي بشكل ملحوظ نتيجة الهجرة الجماعية المقصودة من قبل الأوروبيين من أجل ضرب الاقتصاد الجزائري
"
وبعد الاستقلال شهدت الجزائر خللا اقتصاديا وديمغرافيا، إذ انخفض الناتج القومي بشكل ملحوظ نتيجة الهجرة الجماعية المقصودة من قبل الأوروبيين من أجل ضرب الاقتصاد الجزائري.

وأمام هذا الوضع استولى العمال والفلاحون على المؤسسات والمزارع الشاغرة دون سابق تدريب، ثم جاءت الدولة لتسن القوانين الزراعية في إطار ما يعرف بالتسيير الذاتي.

لقد اعتمدت سياسة التسيير الذاتي الإبقاء على المزارع كما هي دون تفتيتها إلى وحدات صغيرة، مع ضمان تسييرها جماعيا من طرف عمالها الذين تسلموا إدارتها بعد رحيل الفرنسيين.

ثم منحت الدولة المجاهدين مساحات كبيرة من الأراضي لإدارتها جماعيا، وكنتيجة لهذه الإجراءات أصبح الأجراء الفلاحون أصحاب ملكيات جماعية باستيلائهم على الأراضي والمزارع التي تركها الفرنسيون، وانتخبوا من بينهم لجانا للتسيير الذاتي لمتابعة الأعمال الزراعية.

وترى المؤلفة أن نظام التسيير الذاتي يعتبر الأكثر فعالية في تطوير القطاع الزراعي في المرحلة المبكرة من الاستقلال، فهو من الناحية الاقتصادية يكتسي أهمية كبيرة لضمه 80% من الأراضي المزروعة، وساهم بنسبة 60% من الدخل الإجمالي من القطاع الزراعي.

ومع قيام "الثورة الزراعية" حددت الجزائر ثلاث طرق لاستغلال الأرض تتمثل في:

- التسيير الذاتي الذي يستمر كهيكل تسيير متطور.

- التعاون في الزراعة كنوع من المشاركة الديمقراطية لترقية الفلاحين.

- الاستغلال الخاص، حيث إن الثورة الزراعية لا تقضي على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وإنما تقضي على استغلال الإنسان.

وتؤكد المؤلفة أن الثورة الزراعية سمحت بإلغاء الملكية العقارية الكبيرة، وتجميع الأراضي المؤممة في وحدات كبيرة الحجم.

ومع مطلع تسعينيات القرن الماضي اتبعت الجزائر سياسات زراعية تتعلق ببرامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي وفتح المجال لخصخصة القطاع الزراعي بما يضمن له المرونة في متابعة التحولات التي تفرضها العولمة.

كما أعادت الجزائر هيكلة المؤسسات العامة واتبعت سياسات نقدية لمكافحة التضخم. وتتلخص أهم مرتكزات إستراتيجية التنمية الزراعية خلال عقد التسعينيات في النقاط التالية:

- استرجاع الأراضي المؤممة.
- استصلاح الأراضي في المناطق الصحراوية.
- دعم الاستثمارات لتطوير جهاز الإنتاج.
- المحافظة على مصالح المزارعين.
- ترقية المنتجات ذات النوعية الإيجابية.
- وضع خطط تنموية متكاملة.

"
لا توجد قاعدة ثابتة لوتيرة الإنتاج الزراعي الغذائي، وهذا الميل يعمق اتساع الفجوة الغذائية، ويعني استحالة الوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي في المدى القريب
"
مشاكل الزراعة في الجزائر

اهتمت المؤلفة في هذا الفصل بتشخيص مشاكل ومعوقات الزراعة في الجزائر، كالمعوقات المتعلقة بالموارد الأرضية والطبيعية كالمياه والحيازات، ومعوقات متعلقة بالتكنولوجيا من بينها ما يتعلق بمستلزمات الإنتاج، كالبذور والأسمدة، إلى جانب مشاكل تعلق بالتطورات السياسية الاقتصادية.

وترى مؤلفة الكتاب أن هذه المشاكل والمعوقات قد أصبحت تتعايش مع القطاع الزراعي، بحيث أضحت وكأنها خصائص نمطية متوطنة وأصيلة فيه.

ويمكن اختصار المشاكل النوعية التي تطبع الإنتاج الزراعي الجزائري في النقاط التالية:
- الانطلاق المتأخر للمواسم الزراعية، وذلك نظرا لاعتبارات غير موضوعية، كعدم توفير الكميات اللازمة من البذور، أو قلة العتاد الفلاحي اللازم للحرث.

- اعتماد نوعية رديئة من البذور، مما يعني حصادا متدني الكمية ورديء النوعية.

- الظروف المناخية غير المواتية، حيث تعزى الإنتاجية إلى حالات الجفاف أو مستوى هطول الأمطار السائد خلال الموسم الزراعي.

- طول موسم الحصاد.

ومهما تكن طبيعة هذه المشاكل، فإن القطاع الزراعي في الجزائر -كشأن القطاع الزراعي في أغلب الدول العربية- يعيش كثيرا من المشاكل، سواء كانت طبيعية أو بنائية أو تنظيمية، والنتيجة كلفة إنتاج عالية وتدن في مستوى الإنتاجية كما ونوعا، مما يترك أثره المباشر على الأمن الغذائي.

وتوصلت المؤلفة إلى نتيجة مفادها أن الزراعة الجزائرية في مجال الغذاء بعيدة عن تسجيل مستوى مقبول من الاكتفاء الذاتي، وخاصة في المواد ذات الاستهلاك الواسع.

وتأكيدا لذلك صنفت المؤلفة أهم السلع الزراعية الغذائية ضمن مجموعات تبعا لوتيرة الإنتاج المسجلة، وبالتالي معدلات الاكتفاء منها، وهي:

- مجموعات متناقصة الإنتاج: لقد بينت المؤشرات الرقمية أن خاصية التراجع المستمر ليست واردة، وربما تكون قد سجلت في فترة زمنية محددة بالنسبة إلى الكروم، عندما تم نزع الأصناف المستعملة في إنتاج الخمور.

- مجموعة مستقرة الإنتاج: وهما سلعتا اللحوم البيضاء والبيض.
- مجموعات متزايدة الإنتاج: كالحمضيات والتمور.
- مجموعات متذبذبة الإنتاج: تبدو هذه الحالة هي التي تطبع إنتاج وإنتاجية أغلب المحاصيل الغذائية التي يمكن اعتبارها سلعا إستراتيجية ذات علاقة كبيرة بالأمن الغذائي.

وبناء على هذه المعطيات لا توجد قاعدة ثابتة لوتيرة الإنتاج الزراعي الغذائي، وهذا الميل يعمق اتساع الفجوة الغذائية، ويعني استحالة الوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي في المدى القريب.

"
تقترح المؤلفة تنظيم القطاع الزراعي وفق أسس علمية تعتمد على الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة، والعمل على توجيهها بكيفية سليمة
"
النتائج

في محاولة لتحقيق حد مقبول من الأمن الغذائي، سعت المؤلفة إلى تقديم بعض المقترحات سواء على المستوى القطري أو القومي، من منطلق أن أغلب المشاكل التي تصادف القطاع الزراعي تعتبر نتيجة منطقية لعملية التنمية في بلد نامٍ يفتقد مبدأي العقلانية والرشد من جهة، وانعدام العناية التي تولى لهذا القطاع من جهة ثانية.

وتقترح تنظيم القطاع الزراعي وفق أسس علمية تعتمد على الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة، والعمل على توجيهها بكيفية سليمة.

ومن المقترحات التي تقدمها:
- وضع سياسات زراعية واضحة تمكن الفلاح من العمل في إطارها من ناحية الأسعار والاستيراد والتصدير.
- المحافظة على المساحة الصالحة للزراعة، وزيادة نصيب الحبوب.
- توفير المدخلات الزراعية المحسنة من أسمدة ومبيدات.
- العمل على إقامة خدمات التنمية المستدامة والكافية من طرق ومواصلات ووسائل نقل وتخزين ومراكز بحوث.
- توفير الخبرة والأيدي المدربة وإدارة مشروعات التنمية الزراعية لإحداث التغير الكمي والكيفي.
- ضرورة خلق تكامل بين الزراعة والصناعة، وتشجيع ميدان الصناعات الغائية.
- تعزيز الاستفادة من البحوث العلمية في مجال الزراعة.
- الاهتمام بالتنمية التسويقية داخليا وخارجيا وبينيا ضمن المنطقة.
- تشجيع الاستخدام الواسع للتقنية وتسهيل توفيرها في مختلف مراحل الإنتا
ج.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة