الجماعة الوطنية.. العزلة والاندماج   
الاثنين 1426/7/17 هـ - الموافق 22/8/2005 م (آخر تحديث) الساعة 21:41 (مكة المكرمة)، 18:41 (غرينتش)
عرض/كمال حبيب
هذا الكتاب هو تكملة للسفر الكبير والمرجع المهم الذي كتبه المؤلف المستشار طارق البشري بعنوان "المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية" والذي صدرت طبعته الأولى عام 1981.
 
ومن ثم فنحن في قلب علم اجتماع المعرفة حين نعرض ما كتبه البشري عن نفس المسألة عام 2005، فبين التاريخين حدثت تحولات هائلة في نسيج الجماعة الوطنية المصرية أراد المؤلف أن يسجلها لتكون استكمالا لما سبق أن أثبته من قبل.
 
يقول البشري في مقدمة كتابه "نحن شعوب قامت جماعاتها الوطنية وتماسكت في معارك الدفاع عن النفس وعن التراث الجماعي في مواجهة مخاطر الخارج"، وهو يري أن تيار الانعزال اليوم داخل الجماعة الوطنية المصرية أقوى مما كان عليه في بدايات القرن العشرين لسببين:
 

- الكتاب: الجماعة الوطنية.. العزلة والاندماج
- عدد الصفحات: 285
- المؤلف : طارق البشري
- الناشر: دار الهلال/القاهرة
- تاريخ النشر: أبريل/2005

أولهما وجود أقباط المهجر وتأثيرهم علي سياسات إدارة الكنيسة القبطية. وثانيهما تأثر الإدارة الكنسية بأقباط المهجر والاستبداد بالشأن القبطي والقبض على ولاء رعاياها ودفعهم باتجاه تيار العزلة، وهو ما لم يكن موجودا في السابق.
 
لقد كانت الكنيسة تتخذ موقفا محايدا بين الاتجاه الانعزالي والاتجاه المتوحد في الجماعة الوطنية، وتعتبر الكل أبناءها وتدع للأقباط أنشطتهم غير الدينية يندرجون بشأنها في التيارات والهيئات المختلفة.
 
ويشير البشري إلى أن الكتاب الذي أصدره "إدوارد ووكن " (Edward waken) بعنوان "الأقلية الوحيدة " عام 1963 كان أحد أسباب التحول في سلوك الكنيسة القبطية ناحية بناء دياسبورا قبطية في الخارج لتقوية الجماعة القبطية وكنيستها في مواجهة الدولة.
 
كما أن الاتجاه الانعزالي داخل الجماعة القبطية هو الذي حاول بناء وعي قبطي سياسي في مواجهة الجماعة الوطنية بحيث يضع الاهتمام بالوضع القبطي على رأس قائمة أولويات الجماعة الوطنية.
 
وهو ما يؤدي إلى الشعور بانعدام الأمن وإشاعة التخويف بين الأقباط والتشنيع على الأكثرية المسلمة وإشعارها بأن في سلوكها شيئا مشينا بالطريقة التي تتبعها حملات معاداة السامية في أوروبا.
 
مشروع النهضة المصرية
"
تيار الانعزال اليوم داخل الجماعة الوطنية المصرية أقوى مما كان عليه في بدايات القرن العشرين وذلك لوجود أقباط المهجر وتأثير الإدارة الكنسية فيهم  
"
يشير المؤلف تحت هذا العنوان إلي "المؤتمر المصري الأول" الذي انعقد عام 1911 بضاحية مصر الجديدة ردا على المؤتمر القبطي الذي عقد في نفس العام بمدينة أسيوط وحمل مطالب قبطية ذات طابع طائفي مثل المساواة في الوظائف، وبناء الكنائس، وإجازة يوم الأحد، والمحاكم القبطية للأحوال الشخصية، والتمثيل في المجالس النيابية، وهي نفس المطالب التي لا يزال الأقباط يطالبون بها اليوم.
 
لقد اختار رجال الفكر والسياسية اسم "المؤتمر المصري" بدلا من "المؤتمر الإسلامي" وذلك للاحتكام إلى الرابطة الجامعة المانعة التي تحكم الفريقين والتي يمكنها رد التيار الانعزالي إلى الجماعة الوطنية، تجنبا لما حدث في الهند حين طرحت الرابطة الإسلامية في مواجهة الهندوسية وهو ما أدى إلى تمزيق البلاد.
 
تحدث في المؤتمر لطفي السيد وعبد العزيز فهمي ومحمود أبو النصر والشيخ عبد العزيز جاويش والسيدة ملك حفني ناصف ومحمد أبو شادي وغيرهم، وبين المتحدثون أن جامع المصرية ليس بديلا عن الإسلام الذي هو دين الدولة الرسمي لأنه دين الأغلبية الذي لا يقبل التعدد، وتحدث المؤتمر عن التسامح وأنه لا يجب أن يفهم إلا في سياق العدل، وإلا نظر إليه على أنه غفلة واستكانة وكان عظيم الضرر.
 
واعتبر البشري أن البرنامج الذي طرحه المؤتمر المصري هو نفسه البرنامج الاقتصادي والاجتماعي لثورة 1919 وتنظيم الوفد، وهو البرنامج الذي ظل مطروحا على مصر طوال خمسين عاما بعد انعقاد المؤتمر.
 
لقد تحول المؤتمر لدعوة إلى الجامعة الوطنية التي ترفض الطائفية والانعزالية بالتأكيد أن الأمة المصرية هي في مجموعها كل لا يقبل التجزئة في الحقوق السياسية، وأنه مع ما لكل طائفة دينية من الحرية التامة في عقيدتها فإن للحكومة المصرية دينا رسميا واحدا هو الإسلام.
 
ليس في تاريخنا ما يشين
"
دعا "المؤتمر المصري الأول" إلى نبذ الطائفية والانعزالية والتأكيد على أن الأمة المصرية هي في مجموعها كل لا يقبل التجزئة في الحقوق السياسية
"
تحت هذا العنوان أشار المؤلف إلى أن الضغوط الأميركية على السياسة المصرية من زاوية العلاقة بين المسلمين والمسيحيين لأسباب سياسية وهو ما قد يثير الشعور في الضمير الجمعي ولو من طرف خفي أن ثمة في تاريخنا أو حاضرنا ما يشين، أو يجعلنا محل التهمة كعرب ومسلمين.
 
وهنا علينا أن نقف في شموخ وتباه واعتزاز لنساءل من يريد أن يحاسبنا من أنت قبل أن نجيبه ونتبادل معه حوارا، ونقول لمن يتكلمون عن حقوق الإنسان إنهم تخلوا عن الثمار التاريخية بانتهاك حقوق الجماعات في تاريخكم وحاضركم.
 
وتحدث عن التكوين السياسي للجماعة العربية المعاصرة فوصفه بأنه قام على المشاركة لإجلاء المحتل الأجنبي واسترداد الحوزة الوطنية واستخلاص الإرادة السياسية وتحريرها من السيطرة الأجنبية.
 
بيد أن هذا التكوين لم يكن له إطار مرجعي يحدد العلاقة بين المتشاركين في الجماعة الوطنية الجديدة من مسلمين ومسيحيين، ولذا تمت المسارعة إلى العلمانية كصيغة جاهزة للتعبير عن الذات، ورسخت وجودها كما لو كانت تؤدي وظيفة تاريخية لدمج عناصر الأمة لكنها في الواقع كانت أقرب إلى أن تكون مداواة بالداء لا بالدواء.
 
فبعد أن كانت العلمانية أداة فكرية لصوغ أسس المساواة بين المسلمين والمسيحيين صار الحال علي العكس وصار مبدأ المساواة بينهم هو مجرد أداة في الصراع الفكري القائم بين الإسلام والعلمانية وصارت العلمانية هدفا والمساواة مجرد أداة وحجة بحيث أصبح ضمان تحقق المساواة من داخل الفكر الإسلامي لا يجد ترحيبا.
 
والمثير أن العلمانية تتخذ المسألة المسيحية كأداة في الصراع مع المرجعية الإسلامية دون أن تكون هي الطرف الأصيل فيه.
 
كتاب في الكراهية
"
يعتبر المؤلف أن كتاب "وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها" الذي أعده الراهب القمص أنطونيوس الأنطوني كتاب سيئ وضار بالكنيسة والتاريخ المصري
"
يشير المؤلف إلى كتاب "وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها" الذي أعده الراهب القمص أنطونيوس الأنطوني والذي يعتبره كتابا سيئا وضارا بالكنيسة والتاريخ المصري معا، لأنه يكرس لفكرة العزلة داخل الجماعة القبطية عن سياقها الوطني العام، وأثره الضار يأتي من التشكيل الذهني والوجداني الذي يخرج به قارئ الكتاب والذي يشعره أنه لا ينتمي لهذه الجماعة أو الأمة أو المجتمع.
 
كما أن ضرره يأتي من إعادة تفسيره للتاريخ عبر بناء إدراك للجماعة القبطية المعاصرة بأنها كانت خاضعة للاضطهاد الذي لا يرجى زواله إلا عن طريق المفاصلة والانفصال.
 
الكتاب المشار إليه خص تاريخ ما قبل الإسلام وهو 600 عام بأربعين صفحة بينما السنوات الباقية الأربعمائة والألف كانت موضوع باقي الكتاب حيث يريد مؤلفه أن يقول إن الاضطهاد الذي عرفته الجماعة القبطية كان في ظل الإسلام.
 
وهو متأثر في ذلك بكتاب سيئ آخر لمؤلف اسمه جاك تاجر عنوانه "أقباط ومسلمون" صدر في الفترة الليبرالية، ولم يكن هدفه التعليم ولكن التربية التي تشكل وجدان القارئ بالشعور الخائف والقلق من جماعة الأغلبية التي يمثلها المسلمون.
 
والغريب في الأمر أن المؤلف أهدى الكتاب المشيع للكراهية بين المسيحيين تجاه إخوانهم المسلمين للأب شنودة رأس الكنيسة المصرية.
 
بين الدولة والإدارة الكنسية
الأحداث التي يوردها المؤلف تعكس طبيعة العلاقة بين الدولة المصرية والكنيسة القبطية، فهي ليست علاقة كل بجزء ولكنها علاقة بين ندين، والكنيسة هي مؤسسة مدنية دينية تضم الأقباط بوضع ديني مشترك، والبابا يمثل وضعا دينيا روحيا ومدنيا، والعلاقة تأخذ طابعا ثأريا بين مؤسستين متجاورتين.
 
والسؤال هو ماذا تصنع المؤسسات السياسية أكثر من ذلك؟ وهل توجد في مصر مؤسسة سياسية دينية اجتماعية تملك كل هذه الصلاحيات؟ ولذا لم يعد غريبا أن نجد الشباب القبطي حين يثورون على شيء إنما يذهبون إلى الكنيسة وليس إلى الدولة أو مؤسساتها.
 
وحين حدثت أزمة جريدة النبأ التي نشرت ما يمس النزاهة الأخلاقية لقسيس بدير المحرق ووصفته بالفسق، ثار الشباب القبطي وكانت ثورتهم ضد الدولة والمجتمع الذي يعيشون فيه، وهو من أثر التهيؤ الوجداني والتشكل الثقافي لهؤلاء الشباب والذي جاء من التيار الانعزالي في الكنيسة القبطية فأشاع الخوف والكراهية بينهم ضد الجماعة الوطنية وضد الدولة.
 
"
علاقة الدولة المصرية والكنيسة القبطية ليست علاقة كل بجزء بل هي علاقة بين ندين تأخذ طابعا ثأريا بين مؤسستين متجاورتين
"
ويبدو أن أحد الدوافع الكامنة لثورة الشباب يرجع إلى إخراج شأن كنسي إلى الفضاء العام، فالكنيسة حريصة علي أن يبقى الشأن القبطي الداخلي بعيدا عن الحوار مع غير الأقباط خارج الكنيسة وهذا من مظاهر قوة تيار الانعزال داخل الكنيسة المصرية.
 
ويعزز هذا التيار الثقافة التي يتلقاها الشباب القبطي داخل الكنيسة والتي لا تعرف الجماعة الوطنية أو الدولة عنها شيئا، وهي ثقافة تقوم على "الفرز والتجنيب" كما يقول المؤلف أي الفصل والقطع مع الأغلبية وتتخذ من الخوف وعدم الأمان عنوانا رئيسيا لها.
 
وفي حالة أخرى من الغضب القبطي بسبب مزاعم بضغوط على المسيحيين ليسلموا من قبل أمين الحزب الوطني في أسيوط ثبت كذب هذه المزاعم بل تأكد أن "الفتاة" التي أرادت أن تسلم تم تسنينها على غير حقيقة عمرها وأعيدت لوالدها المسيحي بغير رغبتها بقرار من النيابة العامة وهو ما اعتبر مخالفات صارخة لقوانين الدولة إرضاء للكنيسة.
 
لكن الحادث الأشهر والأخطر هو حادث "أبو المطامير" بمحافظة البحيرة حيث أسلمت السيدة وفاء قسطنطين، التي كانت متزوجة من أحد رجال الكنيسة وبعد تمكن الإسلام من قلبها تركت بيتها تاركة خبر إسلامها لابنتها، وذهبت لصديقة مسلمة لتستكمل إجراءات إشهار إسلامها، وتدخلت المؤسسة الكنسية فأذاعت على غير الحقيقة أنها اختطفت وأنها ستتزوج من زميل في العمل أغراها بالإسلام.
 
وكان بإمكان الحادث أن يحل في البحيرة ولكن قيادة الكنيسة نقلته إلى البطريركية الرئيسية في العباسية بالقاهرة وتم نقل الشباب القبطي إلى هناك وبدأ توافد الأقباط من جميع الجهات.
 
"
قصة تسليم وفاء قسطنطين بعد إسلامها أكدت تغول الكنيسة على سلطة الدولة المصرية وانتهازها حالة الوهن التي تمر بها تحت الضغوط الخارجية
"
وترك البابا شنودة الجموع الغفيرة وذهب إلي سوريا لحضور مجلس الكنائس وبعد عودته ذهب مغاضبا إلى دير الأنبا بيشوي معلنا الاعتكاف وهو ما فجر الموقف حيث شعر الشباب الغاضب وقتها باليتم والضياع وهنا تفجرت أحداث العنف ضد الشرطة بقذف الحجارة، وضد المسلمين بالهتافات المعادية.
 
وقد أصرت الكنيسة علي تسليم السيدة "وفاء قسطنطين" إليها حفاظا على عزوتها أمام شعبها القبطي، واضطرت الدولة للرضوخ أمام مطالب الكنيسة، وسلمت مواطنة مصرية إلى من كانت تريد أن تفر منهم، ولم تذهب السيدة إلى منزلها وإنما ذهبت إلى دير الأنبا بيشوي إلى "وادي النطرون" حيث لا يعرف عنها أحد في مصر شيئا إلا الكنيسة.
 
واشترطت الكنيسة علي الدولة أن يسلم إليها كل من يريد أن يشهر إسلامه، وتحقق للكنيسة ولرجلها الأوحد ما يريد ولكنه اختار الذي هو أدنى على الذي هو خير. قصة السيدة وفاء أكدت ممارسة الكنيسة للسياسة وتغولها على سلطة الدولة المصرية، منتهزة حالة الوهن التي تمر بها تحت الضغوط الخارجية.
 
فهي في هذه الحالة أصبحت دولة موازية للدولة المصرية التي تعرف باستبدادها وتصلبها وعدم تنازلها للجماعة الوطنية العامة ولكنها رضخت أمام هيئة استبدادية أخرى هي الكنيسة التي تمارس على من يتبعونها استبدادا وطغيانا بغير مسوغ شرعي.
 
الإدارة الكنسية بوضعها الراهن انتقلت من الهيمنة الفردية إلى التفرد المؤسسي ثم إلى التوجه الحزبي السياسي ثم أضافت لذلك نزوعا إلى السلطة واستخدام أدواتها في الضبط والاعتقال، لقد قالت للدولة أعطني قطعة من استبدادك فأعطتها الدولة.
كتاب المستشار البشري هو وثيقة مهمة قال فيها الرجل كلمة حق شعر أمام ضميره أنه لا بد من قولها مهما كانت قاسية حفاظا على الجماعة الوطنية من أن يختطفها دعاة الانعزال ومثيري الكراهية والشقاق.
 
وكما يقول الرجل في ختام كتابه "الأحداث الأخيرة أحدثت عددا من الجراح من جانب الكنيسة تجاه الدولة وتجاه المسلمين والقبط أنفسهم الذين تنازلت الدولة عن حمايتهم إلى الكنيسة حتى في حال اختلافهم معها، وصحيح أن الجروح يتعين العمل على التئامها ولكن لا بد من تركها مفتوحة حتى تخرج قيحها كلها وتتطهر، وما تعتبره الإدارة الكنسية سوابق وحقوق لها يتعين التأكيد على أنها سوابق باطلة لا ينبغي أن تتحول إلى حقوق".
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة