طوارق   
الأربعاء 1426/2/19 هـ - الموافق 30/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 15:30 (مكة المكرمة)، 12:30 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة

تستعيد هذه الرواية التقاليد العربية والطوارقية القديمة، وتصف الصحراء والحياة فيها من خلال تصور لحادثة تجري في الصحراء عندما يقتل رجال حكوميون ضيفا يحل على رجل طوارقي في قلب الصحراء ويعتقلون ضيفا آخر، فيطارد غزال خصومه الحكوميين عبر هجير الصحراء والعطش والخوف والتيه والرمال، ويتمكن من قتلهم، واستعادة الضيف الذي يتبين أنه رئيس الجمهورية السابق الذي أطاح به انقلاب عسكري.

 

- العنوان: طوارق.. دهشة المعرفة عن الصحراء والصحراويين

- المؤلف: ألبرتو باثكث – فيكيروا

- المترجم: عبدو زغبور

- الناشر: ورد للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق

- الطبعة الأولى: 2004

الصحراء والصحراويون

تدهش الرواية القارئ والمحرر أيضا وتغري بعرضها مرتين مختلفتين، إحداهما عندما تعرض الأحداث والمسارات، والأخرى عندما تصف الصحراء والعادات والتقاليد الراسخة والممتدة عميقا في الصحراء والزمان الممتزجين على نحو فريد يجعل للزمان معنى آخر مختلفا، وللمكان أيضا مفهوما آخر.

 

كما يؤدي تفاعل العناصر والمواد إلى مواد مختلفة عن المكونات الأساسية، ولكن ما يحدث هنا هو سلسلة من التفاعلات المتواصلة والممتدة، فتظل النتائج تعطي أخرى متفاعلة مع المقدس والحياة والضروري، حتى تبدو الثقافة الصحراوية مزيجا يصعب فهمه وقياسه إلى التقدم والرقي والتمدن، ففيها من المدنية والفردانية والتجارة، وفيها أيضا من المعرفة والوثنية الباقية في الأديان التالية.

 

غزال صياح زعيم طارقي نبيل يقود مملكة صغيرة في عمق الصحراء، تقوم على مجموعة من الأبناء والخدم العبيد، وأربعة مضارب منسوجة من وبر الجمال، ونصف دزينة من الحظائر المجدولة بالقصب وبئر ونخيل وقطيع من الإبل وآخر من الأغنام.

 

وعلى مد البصر وأبعد بكثير في الصحراء لا يبدو ثمة أحد يشارك غزالا مملكته الصحراوية هذه التي يجوب فيها ليالي وأياما يبحث عن المها والحيوانات والطيور البرية والثمار والمراعي، لا يشاركه فيها أحد، ولا يرى سوى عابري الصحراء من التجار والقوافل والضيوف الذين تناقصوا إلى درجة الاختفاء مع الحضارة الحديثة.

 

تلاشت الأزمنة المكللة بالنصر عندما كان الطوارق يسطون على القوافل ويهاجمون الغزاة الفرنسيين، ولم يعودوا سادة الصحراء والرمال، وربما يكون غزال الطارقي الأخير الذي اختار التوغل بعيدا في الصحراء، حتى لا يكاد يقدر أحد على الوصول إليه.

 

في كل صباح يسرج العجوز سويلم العبد الذي اشتراه والد غزال من السنغال ويشكل هو وأبناؤه وأحفاده فريقا من الخدم لدى غزال، يسرج الجمل المفضل عند سيده، وهو جمل أبيض مهري، يسمى كذلك لأنه يسبق الخيل، وينسب إلى قبيلة مهمرة بن حيدان في اليمن، ويتناول الطارقي بندقيته ويمضى مع جمله في الصحراء.

 

يتفوق الطوارق على البدو في التوغل في الصحراء، في عمقها، فالبدو وإن كانوا خبيرين بالصحراء ودروبها إلا أنهم يطوفون في الأماكن المطروقة وجلين من امتدادات الصحراء الشاسعة المجهولة.

 

وفي أحد الأيام وصل إلى مضارب غزال رجلان، أحدهما شاب يحمل على كتفيه رجلا كهلا، وكانا في حالة بائسة من الإرهاق والعطش، وسقطا مغشيا عليهما فور وصولهما، وبعد ثلاثة أيام من العناية استيقظا، وبدأ غزال يفهم أشياء جديدة للمرة الأولى في حياته عن الاستقلال والحدود، وعلم أيضا أن الفرنسيين قد رحلوا عن البلد، لكنه يعتقد أنه مستقل منذ ولد، فهو يطوف وحيدا في أراضيه ويفعل ما يشاء.

 

"
تلاشت الأزمنة المكللة بالنصر عندما كان الطوارق يسطون على القوافل ويهاجمون الغزاة الفرنسيين، ولم يعودوا سادة الصحراء والرمال، وربما يكون غزال الطارقي الأخير الذي اختار التوغل بعيدا في الصحراء
"
ولكن قبل أن يعرف من ضيفيه شيئا جاءت دورية عسكرية يرشدها رجل من الطوارق، وقتل العسكر فورا الشاب الضيف واقتادوا الكهل معهم.

 

شعر غزال بأنه أهين، وبأن تقاليد الضيافة انتهكت على نحو لا يمكن التعامل معه إلا بمعاقبة الخارجين على قانون الصحراء، وأجاب كبير خدمه الذي توسل إليه أن يكف عن المواجهة فهي عديمة الجدوى قائلا: "لا أستطيع أن أعيش في سلام إذا سمحت أن يقتل أحد ضيوفي ويؤخذ الآخر عنوة من بيتي، لا يمكن أن تمر هذه الجريمة بدون عقاب".

 

ومع طلوع الفجر تحرك غزال تاركا عائلته برعاية خادمه وأوصاه أن ينتقل بها إلى مكان بعيد آمن، ومع طلوع الفجر التالي كان بجوار مضارب مبارك بن سعيد المرشد الطارقي الذي قاد المجموعة العسكرية إلى بيته، ولئن كان الدليل يرشد القوافل والصيادين والمشتغلين في الرحلات، فإنه لا يملك الحق أبدا تحت أية حجة في التوغل دون إذن في أراضي "طارقي" آخر ليرشد غرباء غير مهتمين باحترام التقاليد القديمة.

 

كان مبارك ينتظر بجزع قدوم غزال، فهو يعلم أنه قادم حتما، فتناول سيفه واستقبل الضيف القادم محييا، ولكنه لم يلق جوابا على تحيته، وهو في الحقيقة لم يكن ينتظر أن يرد عليه، ودخلا في مبارزة سريعة، قتل فيها مبارك.

 

ومضى غزال مرة أخرى في الصحراء هادئا يبحث عن طريدة، وبعد يومين من الجوع قضاهما متتبعا غريزة الصياد لديه اصطاد غزالا، وأمضى ليله يتناول الشواء وينتعش بدفء النار، وفي الفجر تحرك مواصلا السير إلى موقع عدوراس العسكري.

 

يقع المعسكر في قلب الصحراء تنفيذا لفكرة مجنونة تقضي بالسيطرة على آبار أربعة في الصحراء، ويقضي فصيل الجنود هناك الوقت في إزالة الرمال التي تحملها الريح من الطريق لأن غفلة عنها ليوم واحد تدفن الطريق إلى الأبد.

 

أمضى غزال ليلته بجوار المعسكر وتزود باالماء، واختفى في الصباح في هيئة مسافر يمر بالمكان، ولكنه عاد في الظهيرة عندما كان جميع الجنود يغطون في النوم، وتسلل إلى غرفة القائد، وعرف منه قبل أن يذبحه أنه اعتقل الضيف بناء على أوامر من الوالي.

 

ومضى مسرعا يواصل السير طوال النهار والليل متوغلا في عمق الصحراء باتجاه متاهات وسبخات ملحية ورملية لا يستطيع كائن حي اجتيازها، ويمكن أن تبتلع بهدوء وبطء القوافل والآليات التي تمر بها كما لو أنها مصيدة عملاقة.

 

وبقي مختبئا فيها لعدة أيام يراقب السيارات العسكرية تنتظره على التخوم وهي لا تجرؤ على التقدم خطوة واحدة، وبعد أن أنهكهم الانتظار واعتقدوا أنه لا بد قضى في الصحراء عطشا وتحت تأثير الشمس الحارقة تسلل بهدوء واختطف أحد الجنود وأجبره على التحرك به في سيارته نحو جبال صحراوية يستحيل ملاحقته فيها.

 

وبعد أيام من اختفائه انتقل إلى مركز الولاية الصحراوية التي تحولت إلى منطقة نفطية بالغة الأهمية، واختطف الوالي إلى كهف في الجبال، وعرف منه أن ضيفه هو الرئيس السابق الذي أطاح به انقلاب عسكري، وأنه معتقل في حصن عسكري صحراوي بعيد.

 

ويتسلل غزال إلى الحصن الصحراوي ويقتل جميع الحراس ويخلص عبد الكبير الرئيس السابق ويمضي به في الصحراء مختارا الجزء المخيف الذي تتجنبه الكائنات الحية معتمدا على خبرته السابقة، ويعثر على بقايا القافلة التي كان يقودها عمه قبل ستين سنة، يجدها مثل مومياءات من الجمال والبشر تناثرت بجوارها أكياس العاج والذهب والفضة، ويوصل عبد الكبير إلى الحدود مفلتا من كل ملاحقات الجيش والشرطة البرية والجوية، ويسلمه إلى الدولة المجاورة، ويعود ليبحث عن عائلته.

 

يكتشف غزال أن قائد معسكر عدوراس يحتجز عائلته في المعسكر، فيصاب بإحباط شديد، ويتوجه إلى العاصمة، ويوصل رسالة إلى وزير الداخلية بضرورة إطلاق سراح عائلته خلال ثلاثة أيام أو أنه سيقتل الوزير والرئيس أيضا.

 

في هذه الأثناء تشتعل الثورة الداخلية من جديد، ويهرب المسؤولون بمن فيهم وزير الداخلية ويعود الرئيس السابق عبد الكبير من فرنسا ليستلم الرئاسة، لكن غزال يكون قد اتخذ قرارا بقتل الرئيس، فيترصد موكبه الرئاسي ويطلق عليه النار ليقتل الرئيس الذي خلصه من الاعتقال في عملية أسطورية، ويقتل هو فورا على أيدي حرس الرئيس.

 

"
الناس بعيدا عن الصحراء يبدون في نظر غزال وكأنه يعجبهم الازدحام في أماكن صغيرة جدا أو في بيوت ضيقة وذات رائحة كريهة
"
الصحراء

ربما يكون المدهش في الرواية غير الأحداث هو وصف الصحراء والعادات والخبرات والثقافات الصحراوية التي تضمنتها الرواية، حتى إنها تعد بامتياز دليلا وصفيا ممتعا للصحراء.

 

ففي الهواء النقي للصحراء، في حلكة أرض ليس فيها أي ضوء في دائرة تقترب من ألف كليومتر، يعتريك إحساس بأن النجوم تترجل حتى تلامس الرمل، كان غزال يعبد هذا السكون.

 

وفي عمق الصحراء تقع أرض الخواء التي لم يستطع أن يعبرها إلا قلة من الرجال الشجعان الخبراء، وقد عبرها غزال مرتين، ويعتقد أن قافلة عظيمة تتكون من سبعمائة رجل وألفي جمل محملة بالذهب والعاج قد اختفت فيها، وكان يقودها عم غزال.

 

الناس بعيدا عن الصحراء يبدون في نظر غزال وكأنه يعجبهم الازدحام في أماكن صغيرة جدا أو في بيوت ضيقة وذات رائحة كريهة، يصرخون ويهيجون بلا سبب، يسرقون ويغشون بعضهم كبهائم لا تعرف العيش إلا ضمن قطعان.

 

كل رجل في الصحراء لديه الوقت، السكينة والأجواء الضرورية ليجد ذاته، النظر إلى بعيد أو إلى سريرته، التمعن في الطبيعة التي تحيطه والتفكير بكل ما لا يعرفه مما هو غير موجود في الكتب المقدسة، لكن هناك في المدن والقرى لم يكن ثمة سلام، لا وقت ولا مكان.

 

الجميع عديمو الإحساس، صاخبون ويفتعلون المشاكل مع الآخرين، مع أصوات ومشاجرات الغرباء، ويتكون لديك انطباع بأن ما يحدث للآخرين يكتسب أهمية أكبر مما يحدث لنفسك، لم يستطع أن يكتشف أبدا لماذا يعجبهم التصرف على هذا المنوال، الازدحام والعيش متعلقين الواحد بالآخر.

 

عندما يقترب المطر تسبقه رائحة يستطيع غزال أن يشمها فينتظر المطر بلهفة عاشق، وينهض قينزع ثيابه وينشرها لتمتص الماء ويعرض جسده العاري للمطر ليغتسل ويدعك جسده بالحجارة، ثم يمكث تحت المطر جذلا مصارعا رغبة عارمة في العودة لزراعة الشعير وانتظار الحصاد.

 

فمثل هذه الفرصة قد لا تتاح مرة أخرى لخمس عشرة سنة، لكنه طارقي، ربما كان هذا من سوء حظه، ويملك من الوعي لكي يقرر بأنه لن ينسى أبدا أن رجلا أعزل قتل تحت سقفه، وضيفه الآخر انتزع منه بالقوة، ولذا فقد أسرع بالتحرك موليا ظهره للمرة الأولى في حياته للمطر والحياة والأمل.

 

وفي الليل حفر حفرة مزيلا الرمل كي يغمر نفسه وينام مطمورا بالرمل الجاف، ذلك أنه يدرك أن الفجر يجلب الصقيع بعد المطر، والريح تحول قطرات الماء إلى جليد، وقد يكون الفارق بين درجتي الحرارة عند الظهر وقبل الفجر خمسين درجة مئوية.

 

"
غزال لم يشعر بحقد وهو يقتل المرشد الطارقي مبارك، فهو يحاول أن يقيم العدل فقط، والحقد مثل الشوق والحب والخوف والعواطف العميقة الأخرى يجب ألا يسمح رجل الصحراء لها بمرافقته
"
ثلاثة صيادين ظهروا متجمدين بين الحجارة في شعاب الصحراء في ذلك الصقيع الجحيمي، أرض قاسية يمكن للمرء أن يقضي فيها خلال بضع ساعات من الصقيع أو من شدة الحر، وحيث تبحث ناقة خلال أيام بلا جدوى عن الشراب كي تهلك مختنقة بالماء بغتة ذات صباح، ولكن غزال لا يتخيل العيش  في مكان آخر غير هذه الأرض القاسية، ويقدم الشكر في صلاته كل يوم إلى الله لأنه منحه العيش في هذه الأرض، وجعله من السلالة المباركة لرجال اللثام والرمح والسيف.

 

لم يشعر بحقد وهو يقتل المرشد الطارقي مبارك، فهو يحاول أن يقيم العدل فقط، والحقد مثل الشوق والحب والخوف والعواطف العميقة الأخرى يجب ألا يسمح رجل الصحراء لها بمرافقته، فلكي يبقى على قيد الحياة يحتاج إلى السيطرة على الذات والدم البارد، وأن يتخلى عن عواطف تجره إلى الحماقة والخطأ.

 

وفي الصيد قد يمكث ساكنا في جوف الأرض ثلاثة أيام منتظرا غزالا ذكرا لأن قتل أنثى يعني قتل أبنائها أيضا والاعتداء على غذاء أهل الصحراء وأجيالها، وأما الذكر فيحل محله ذكر فتي آخر دون أن ينقص من القطيع شيء.  

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة