الحرب اللاشرعية على ليبيا   
الاثنين 1433/10/10 هـ - الموافق 27/8/2012 م (آخر تحديث) الساعة 16:31 (مكة المكرمة)، 13:31 (غرينتش)

عرض كتاب/ زياد منى

سِنْثْيَا مَكِّنِّي، محررة هذا الكتاب -الذي يحوي إسهامات من شخصيات مختلفة- ليست كاتبة تبحث عن شهرة ولا صحفية مغمورة وإنما شخصية سياسية معروفة في الولايات المتحدة الأميركية.

-الكتاب: الحرب اللاشرعية على ليبيا 
-تأليف: مجموعة من الكتاب 
-تحرير ومشاركة: سِنْثْيَا مَكِّنِّي       
-عدد الصفحات: 314 صفحة تحوي مجموعة من الصور                
     -إصدار: كْلَرِتِي برس، أطلنطا-
أميركا   -الطبعة: الأولى، 2012             

فقد كانت أول أميركية من أصول أفريقية، تنتخب لعضوية مجلس النواب الأميركي عن أطلنطا، لمرات عديدة، عن الحزب الديمقراطي.

شاركت في محاولات كسر الحصار على غزة، واعتقلتها إسرائيل مدة أسبوع قبل أن تتمكن من دخول غزة رفقة النائب البريطاني الشهير جورج غلاوي.

رشحها حزب الخضر الأميركي لمنصب رئاسة الولايات المتحدة الأميركية في انتخابات عام 2008 بعدما تركت الحزب الديمقراطي في عام 2007. وحظيت بالعديد من التكريمات داخل الولايات المتحدة وخارجها بسبب نشاطها المعادي للحرب ومن أجل السلام، وألفت العديد من الكتب عن الآثار التدميرية لحرب العراق وتأثيراتها في سكانها وبيئته.

ويتميز هذا الكتاب بتنوع وظائف المشاركين فيه، فمنهم صحفيون مختصون في التقصي، وأكاديميون، وأصحاب برامج تلفزيونية سياسية، وناشطون في مجال السلم ومعارضة الحروب، وطبيب نفسي، ومراسلون حربيون، وباحثون في معاهد عالمية لتقصي الحروب والنزاعات الدولية، وخبير في تقانة المعلومات.

المهم في الأمر، أن المشاركين يشتغلون في مجالات مختلفة، وليسوا أعضاء في أحزاب، من دون نفي تحزبهم لقضايا السلم ومعاداة الإمبريالية وحقوق الشعوب الضعيفة.

الكتاب
صدر ضمن "مشروع كرامة" (a Dignity Project) المتخصص في البحوث المعادية للحروب ومن أجل العدالة في العالم للمظلومين، يحوي إسهامات عديدة من شخصيات عديدة عن مختلف جوانب الأزمة في ليبيا وغزوها في عام 2011، والأدوار التي مارستها مختلف الأطراف العربية وغير العربية.

القسم الأول "في ليبيا في أثناء التدخل الإنساني" يضم عدة تقارير منها عرس الناتو الدموي، رسائل إخبارية من طرابلس، معايشة حرب إعلامية في أوج الازدهار، تشريح جرائم القتل، الناتو يدمر النهر الصناعي العظيم، فرعون أميركا الأسود وإبادة البشر السود في ليبيا، وأخيرًا، حرب الناتو على ليبيا جريمة ترتقي إلى مستوى جرائم الحرب في محاكمات نورمبرغ (محاكم الحلفاء ضد النازيين).

الكتاب يؤكدون أن هدف الحرب لم يكن أبدًا إنقاذ الشعب الليبي من نظام معمر القذافي وإنما القضاء في المهد على خططه لجعل الذهب عملة التعامل في أفريقيا ورفض الدولار الأميركي، وهو ما جعل النظام يجمع نحو 180 طن ذهب

هنا، كما في بقية أقسام الكتاب، نعثر على كتابات شهود عيان، وعلى أخبار لم نقرأ عنها في الصحف ولم نشاهدها في القنوات.

المشاركون في هذا القسم يتحدثون عن الفظائع التي خلفتها الغارات الجوية لحلف الناتو على المدن الليبية، وعلى طرابلس تحديدًا، وعلى الدمار الذي ألحقته الغارات بالمنشآت المدنية والاقتصادية، إضافة إلى قتل المدنيين.

القسم يختصر المسألة بالعودة إلى تصريحات رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق أن هدف حرب الناتو على ليبيا ليس حماية المدنيين وإنما تحريضهم للانتفاض على نظام معمر القذافي.

القسم الثاني "لماذا معمر القذافي؟ ولماذا ليبيا؟" يتعامل مع الخلفيات السياسية، وبالتالي الاقتصادية، أو العكس للحرب على ليبيا وإسقاط نظام معمر القذافي.

الكتاب يضم الأقسام: معمر القذافي، الكلب المسعور أم الأخ القائد؟ لماذا هوجمت ليبيا؟ حرب الولايات المتحدة الأميركية والناتو على ليبيا استكمال لجرائم الماضي، قتل الولايات المتحدة-الناتو لمعمر القذافي ضربة موجهة ضد كل أفريقيا.

الكتاب يؤكدون أن هدف الحرب لم يكن أبدًا إنقاذ الشعب الليبي من نظام معمر القذافي وإنما القضاء في المهد على خططه لجعل الذهب عملة التعامل في أفريقيا ورفض الدولار الأميركي، وهو ما جعل النظام يجمع نحو 180 طن من الذهب.

كان يتعاون في هذا المجال مع كل من كابيلا في الكونغو ومع لوران غباغبو رئيس دولة ساحل العاج لتأسيس اتحاد نقدي أفريقي يعتمد الذهب في التعامل الاقتصادي بدلاً من الدولار الأميركي، علمًا بأن الغرب تمكن من التخلص منهما، حيث اعتقلت القوات الفرنسية الأخير في عام 2011 ونصبت منافسه رئيسًا للبلاد بحجة تزوير الانتخابات.

القسم الثالث "تنسيق إجماع لتغيير النظام"، والمقصود هنا قيام الغرب/الناتو، بحملة إعلامية لتنسيق إجماع دولي ضد نظام معمر القذافي، ويضم مقالات عديدة عن الموضوع منها: الكذبة الكبرى وليبيا، توظيف منظمات حقوق الإنسان للبدء بالحرب، حيث ينظر في تقارير "الاستعراض الدوري الشامل" (Universal Periodic Review) وهي آلية أنشأتها الأمم المتحدة في عملية إصلاحها عام 2005، ويشكك في مصداقية بعض تقاريرها عن حقوق الإنسان في مختلف الدول.

في ظل الهيمنة الإعلامية العالمية لطرف واحد، يكتسب الكتاب أهميته من كونه ينقل وجهة النظر الأخرى حيث يتحدث المشاركون عما لم تنقله القنوات الفضائية، أو اختصرت الكثير في الحديث عنه

القسم الرابع "المخططات الإمبريالية المعدة لإفريقية" يحوي ثلاثة مقالات هي "تعريق (أو عِرقنة) الحرب-ليبيا وصراع الحضارات" و"الاستعمار الجديد، التخريب في أفريقيا وأزمة عالمية"، وأخيرًا "النفط والإمبراطورية في شمالي أفريقيا: دعاية الناتو وخيانة معمر القذافي".

يلي ذلك القسم الأخير ويحوي كلمة معمر القذافي أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2009، وينتهي الكتاب بكرونولوجيا للأحداث المهمة في ليبيا في نحو عشرين صفحة بدءًا من عام 1942 عندما تمكنت قوات الحلفاء من طرد إيطاليا من ليبيا حتى 28 مايو/أيار 2012 بخبر عن قيام منظمة العفو الدولية بالتحقيق في جرائم التعذيب والقتل التي تقوم بها عشرات الجماعات المسلحة (المليشيات) في ليبيا بحق المدنيين.

المهم في هذا القسم الكرونولوجي الزمني ذكر المساهمين -بصفتهم شهود عيان- أخبار غارات طائرات حلف الناتو على طرابلس والخسائر التي كانت تلحقها بالمدنيين وبالمنشآت المدنية.

وماذا بعد؟
في ظل الهيمنة الإعلامية العالمية لطرف واحد، يكتسب الكتاب أهميته من كونه ينقل وجهة النظر الأخرى حيث يتحدث المشاركون عما لم تنقله القنوات الفضائية، أو اختصرت الكثير في الحديث عنه.
كما أن المشاركين يتعاملون مع مسألة غزو ليبيا من منظور شمولي، وليس عبر الألعوبة السياسية المعروفة التي تتستر بحقوق الإنسان والحرية والديمقراطية وما إلى ذلك من مصطلحات اللغو المستهلكة والمملة.

الكتاب لا يدافعون عن معمر القذافي ونظامه، وإنما ينظرون إلى مسألة إسقاطه من منظور السعي الإمبريالي للهيمنة على العالم، وهنا أيضًا تنبعث رائحة النفط، كما في الحربين على العراق من قبل.

كما يتعرض الكتاب للتعاون الوثيق بين حلف الناتو وجماعات "القاعدة" لإسقاط نظام معمر القذافي، دون تجاهل مسألة مشاركة قوات الناتو في الحرب على الأرض وأسر الرئيس الليبي وتفاصيل قتله والتمثيل بجثمانه.

الكتاب لا يدافعون عن معمر القذافي ونظامه، وإنما ينظرون إلى مسألة إسقاطه من منظور السعي الإمبريالي للهيمنة على العالم، وهنا أيضًا تنبعث رائحة النفط، كما في الحربين على العراق من قبل

في الوقت نفسه يضع المشاركون مسألة غزو الناتو ليبيا وإسقاط نظام معمر القذافي وتغييره بنظام تابع تمامًا للغرب ضمن المنظور العالمي الإمبريالي، المنضوي تحت منظمة حلف شمال الأطلسي، الذي أسسه الغرب في أبريل/نيسان 1949، تحت ذريعة التصدي لعدوانية النظام الشيوعي السوفياتي، علمًا بأن الأخير أسس حلف وارسو الذي جمع الدول الشيوعية في أوربا عام 1955 فقط بعد انضمام ألمانيا (الغربية آنذاك) إلى حلف الناتو.

على أي حال، هذا الكتاب مهم لأنه يعطي وجهة النظر الأخرى في الكارثة التي حلت بليبيا، ولا يتبع النظرة النمطية السائدة في وسائل الإعلام.

ويحوي الكتاب حقائق كتبتها شخصيات محترمة في بلادها وفي العالم، وتتمتع بمصداقية كبيرة، إن شخصيًا أو في عملها.

ومن الضروري ملاحظة أن أي من الكتاب لم يتورط في الدفاع عن معمر القذافي ونظامه، وإنما اكتفى بسرد تفاصيل سياسات محددة رأى المشاركون أنها شكلت تهديدًا للهيمنة الإمبريالية على أفريقيا على نحو خاص، وعلى مصادر الطاقة في العالم ضمن مشروع (القرن الأميركي) الذي وُضع في واشنطن بعد هزيمة المعسكر الشيوعي ويهدف إلى التخلص من سبعة أنظمة "مارقة" هي "ليبيا، اليمن، السودان، لبنان، سوريا، العراق، إيران" رأت المؤسسة الحاكمة في واشنطن أنها تشكل تهديدًا لطموحتها بالهيمنة على العالم.

والكتاب لا يخلو من الإشارات الواضحة إلى دور إسرائيل في عمليات التحريض والتضليل المرافقة لذلك البرنامج العدواني.

كتاب مهم عن أحداث لا شك أن الأجيال المقبلة ستعرف تفاصيلها على نحو أفضل عندما يحين موعد الإفراج عن الوثائق السرية للجهات ذات العلاقة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة