سياسة الحجاب   
الثلاثاء 11/11/1431 هـ - الموافق 19/10/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:23 (مكة المكرمة)، 13:23 (غرينتش)

عرض/ الحسن سرات

سيبقى الحضور الإسلامي بالديار الغربية موضع جدل مستمر ومتصاعد لفترة طويلة، ومن أبرز القضايا التي جعلها الغرب بؤرة الجدل حول الإسلام والمسلمين قضية الحجاب، واحتلت فرنسا صدارة الدول التي ملأت الدنيا وشغلت الناس بقطعة القماش الساترة لشعر الرأس عند المرأة المسلمة، خاصة عند فتيات المدارس العمومية.

فلماذا كل هذا الجدل والضجيج إن صح التعبير؟ ماذا وراء إثارة الرأي العام وتحريضه ضد الحجاب؟ للإجابة عن هذا السؤال ألفت المؤرخة الأميركية جون ولاش سكوت كتابا بعنوان "سياسة الحجاب"، ترجم مؤخرا إلى اللغة العربية.

-الكتاب: سياسة الحجاب
-المؤلفة: جون ولاش سكوت
-ترجمة: المصطفى حسوني وحسن ازريزي
-عدد الصفحات 170
-الناشر: دار توبقال للنشر, المغرب
-الطبعة: الأولى/ 2010

جون ولاش سكوت من مواليد يوم 18 ديسمبر/ كانون الأول1941، وهي مؤرخة أميركية مختصة في الحركات العمالية الفرنسية وتاريخ النساء، من زاوية النوع. وهي حاليا أستاذة بمدرسة العلوم الاجتماعية بمعهد برانستاون، وعضو بلجنة التحرير في صحيفة التاريخ المعاصر. من أعمالها "المساواة: الكوني والاختلاف بين الجنسين" باريس، ألبان ميشيل 2005، و"المواطنة المتناقضة: النسوانيات الفرنسيات وحقوق الإنسان" ألبان ميشيل 1998.

تعرف بإنجازها الحالي فتقول "يتمحور عملي في هذا الكتاب حول السؤال: لماذا الحجاب؟ ماذا يحمل الحجاب حتى يكون موضع خلاف ورمزا لشيء لا يحتمل في بلد عملت على دراسة تاريخه لمدة تقارب الأربعين سنة?".

وزيادة في التوضيح، تؤكد أن هذا الكتاب "ليس هذا كتابا عن المسلمين الفرنسيين، ولكنه كتاب عن سيطرة النظرة الفرنسية لهؤلاء. وأهتم هنا بالطريقة التي أصبح الحجاب من خلالها شاشة لعرض الصور الغريبة وأوهام الخطر الذي يمس صناعة المجتمع الفرنسي ومستقبل الأمة الجمهورية.

وانصب اهتمامي أيضا على الطريقة التي يمثل بها التحام وخطر الآخر سبيلا لضمان الرؤية الأسطورية عن الجمهورية الفرنسية موحدة غير قابلة للتجزيء.

ضغط اليمين
تسجل المؤرخة ثبات موقف الحكومات المتعاقبة في تناول قضايا الإسلام والمسلمين رغم اختلاف ألوانها الحزبية من اليمين إلى اليسار، وتؤكد أن تزايد شعبية اليمين المتطرف بزعامة جان ماري لوبين والنجاح الذي حققه في الانتخابات من أهم أسباب استقرار هذه السياسة الحكومية "وتدخل مسألة الحجاب ضمن حلقات درامية متواصلة يتحدى عبرها لوبين الأحزاب الرئيسية".

ويبقى لوبين على الرغم من هزيمته الانتخابية تهديدا لاستقرار الأحزاب واستقرار الجمهورية. وقد بحث المحافظون عن سبل استرجاع أصوات الناخبين التي ضاعت منهم، ومع ذلك لم يكونوا مستعدين للتحالف مع الجبهة الوطنية للإطاحة بمرشحي الحزب الاشتراكي، كما أن اليسار كان قلقا، وعن حق، لكون مسألة الهجرة جعلتهم يحرمون من عدد كبير من العاملين داخل طبقة ناخبيهم.

ويبرز دور لوبين الذي دفع بأحزاب اليمين واليسار والوسط إلى اتخاذ موقف متشدد من المهاجرين بالنظر إلى أنه يعكس ما يجري في دول أوروبية أخرى.

وتأتي القوانين التي تتعامل مع المسلمين استجابة للمطالب الشعبية والوطنية من أجل التحرك، وتصدر هذه القوانين في بعض الأحيان كرد فعل على بعض الهجمات السياسية الراديكالية التي تنفذ باسم الإسلام.

عنصرية متجددة
"
من الخطأ تفسير موجة العداء للحجاب وللإسلام بضغوط اليمين السياسي المتطرف فقط، فالمعزوفة العنصرية ليست وليدة اليوم، ولكنها موغلة في الذاكرة الفرنسية والأوروبية
"
على أنه من الخطأ تفسير موجة العداء للحجاب وللإسلام بضغوط اليمين السياسي المتطرف فقط، فالمعزوفة العنصرية التي يؤديها لوبين ومن معه، ليست وليدة اليوم، ولكنها موغلة في الذاكرة الفرنسية والأوروبية، كما أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 ليست بداية لها، وإنما هي إخراج لها من شبه الشعور إلى الشعور الحي المتفاعل.

إنها العنصرية التي تمتد إلى بداية القرن التاسع عشر، وبالتحديد إلى المراحل الأولى من غزو الجزائر سنة 1830.

وتحيلنا الكاتبة إلى تعريف المؤرخ جورج فريديريك للعنصرية المتشكلة من "الاختلاف والسلطة، وتتبع هذه النظرية يكرس الاختلاف بين "هم" و"نحن" بشكل يغيب فيه جسر الحوار.. ولا يمكن أن نتعايش. وفي كل مظاهر العنصرية، الممارس لها والخاضع لها في المجتمع الواحد، باستثناء أن يكون ذلك مبنيا على أساس التحكم والخضوع". ثم يضيف في وضوح لا نظير له "وتستجيب تاريخيا تصورات الفرنسيين للمسلمين لهذا الوصف، فقد وسم العرب والمسلمون على أنهم شعوب منحطة غير قادرة على مواكبة التقدم، ولا سبيل لإدماجهم ضمن أسلوب الحياة الفرنسية".

لذلك تجزم المؤلفة أنه لا يمكن أن نفهم السجالات المعاصرة عن الحجاب بإهمالنا لهذه الخلفيات التاريخية، فالحجاب في عيون الفرنسيين يشكل الاختلاف الصارخ الذي لا يسمح بفهم واستيعاب الإسلام.

وعادت المؤلفة إلى الوراء قليلا مستعرضة صفحات من العنصرية الفرنسية تجاه المسلمين، وتغلغلها في الضمير الفرنسي والسلوك السياسي والإعلامي إلى درجة قصوى، آمن فيها العقل الفرنسي بتنفيذ "رسالة حضارية" مع هؤلاء المتخلفين. ورغم اختلاف "العقول الفرنسية" من الناحية السياسية، إلى يمين ويسار، إلا أن ذلك الاختلاف يختفي ويتحول اليسار إلى "يميني أكثر من اليمينيين". فمع أن جان دانييل، الصحافي المعروف، محسوب على اليسار، إلا أنه يتجاوز جاك شيراك، الرئيس اليميني السابق، ويدين أولئك الذين يسمحون بالحجاب، ويكتب "يسير المعادون للاستعمار نحو حملنا على قبول الاختلاف، ويشترط الوطنيون الجمهوريون المساواة لتخفيف هذا القبول"، وبعبارة أخرى "إذا لم يصبحوا مثلنا فلا يمكن إدماجهم تلقائيا، فهم ليسوا نحن ولن يصبحوا كذلك أبدا".

البيعة لفرنسا
لقد قدمت الوعود بالاندماج والاحتضان لكل من اختار أن يصبح فرنسيا، ولكن من جهة ثانية، فالخصائص التي يتميز بها المسلمون والمتمثلة في حاجتهم إلى التحضر تمنعهم من تحقيق هذه الوعود، كما استخلصت الكاتبة.

ولم يتردد المترجمان المغربيان في وصف الموقف الفرنسي بالتحجر، فقالا في تقديمهما للكتاب "ويرتبط هذا التحجر بالموقف الرسمي الذي يربط وحدة الأمة بالتاريخ العلماني، ليذوب موقف الدولة في هذا التاريخ، ويجسد هذا نظريا لنسق أمة تتحكم في إخلاص مواطنيها عبر البيعة لهذا التاريخ الذي بني أساسا على "المدرسة العمومية" مهد الاندماج ضمن معايير ثقافية راسخة".

وهكذا، "لكي يكون المرء فرنسيا يلزمه أن يكون غير مختلف عن الآخر، لأن الاختلاف إنكار للمبادئ الفرنسية سواء كان هذا الاختلاف قائما على الثقافة أو الدين أو العرق أو الجنس".

ما هي العلمانية؟
من أقوى اللحظات التاريخية في زمننا، انتعاش السجال السياسي والفكري والقانوني حول العلمانية وتعريفاتها وتطبيقاتها. والفضل في ذلك مرده للحضور الإسلامي بالغرب عامة، والحجاب بصفة خاصة.

ولأن الكاتبة تنتمي إلى علمانية أميركية وتنظر إلى القضية نظرة مركبة غير بسيطة، فإنها نفذت إلى عورات الفرنسيين وهم يجادلون في العلمانية. فهي على علم أن المقصود بالفصل بين الكنيسة والدولة كان يقصد به في فرنسا "ضمان تبعية الأفراد للجمهورية وإضعاف القوة السياسية للكنيسة الكاثوليكية"، وتطالب الدولة المواطنين بالولاء غير المشروط للأمة، ويعني هذا حصر مطالب الجماعات الدينية.

وهكذا تحمي الدولة الأفراد في فرنسا، بينما في أميركا تحمي الدولة الأديان كما يحمي الدين الدولة. ولكن ينبغي أن يكون الحقل السياسي في الحالتين معا بعيدا عن التأثير الديني. ومن الأساس في الأعراف الديمقراطية الجمهورية أن يكون الدين شأنا خاصا، وينبني تقليديا التمييز بين الخاص والعام (الاعتقاد الديني والتزامات الفرد نحو الدولة) في ارتباط على المستوى التاريخي بالمسيحية.

"
من أقوى اللحظات التاريخية في زمننا، انتعاش السجال السياسي والفكري والقانوني حول العلمانية وتعريفاتها وتطبيقاتها, والفضل في ذلك مرده للحضور الإسلامي بالغرب عامة، والحجاب بصفة خاصة
"
وانطلاقا من وجهة نظرها كأميركية، ترى الكاتبة أن "الحالة الفرنسية لا تساير مفهوم العلمانية لأنها تؤدي حسب ما يراه كونولي إلى التعصب والتمييز العنصري. أما من الجانب الفرنسي فيرون، بخلاف ذلك، أن نمو القوة السياسية الكاثوليكية المسيحية في الولايات المتحدة يظهر الحاجة الملحة لدولة علمانية قوية".

ثم تتساءل: أي العلمانيتين أحق أن تتبع؟ لا تستطيع المؤرخة أن تحسم، لكنها تجعل النتائج والمآلات هي الحكم. ففي استنتاجها: تظهر العلمانية في حالتين، تقصي الأولى الحقيقة الدينية من مناهج الدراسة العمومية، وترفض في الحالة الثانية وجود أي رمز يعبر عن الانتماء الديني للطالب في المدارس العمومية.

ولكن هناك في المقابل نتائج ديمقراطية لهذه التصرفات لا تقل أهمية كذلك: تمنع الأقلية في الحالة الأولى من فرض اعتقاداتها الدينية على الأغلبية، وتحرم في الحالة الثانية على أسس اعتقاداتها الدينية من التمتع بما تنعم به الأغلبية.

وهذه أهم نتيجة بعد هذا التحليل في تقدير المؤرخة، تقول عن ذلك "وقد تكون هذه هي الخلاصة الديمقراطية التي أهتم بها أكثر من اهتمامي بمبدأ العلمانية في حد ذاته".

علمانية مناهضة للإسلام
لو سلمنا بصحة هذه الخلاصات فإن العلمانية تعرف في الدول الأوروبية الغربية بمواجهتها للأوساط الإسلامية، وتحمل إحالات، يجب تقويمها لأنها ترسم لنا طريقة تفكيرنا في التعامل مع الدين بصفة عامة، وبالإسلام على وجه الخصوص.

وتقابل العلمانية عادة بالحداثة في حين يقابل الدين بالتقليد، ويرتبط الدين بالماضي في حين ترتبط الدولة العلمانية بالحاضر والمستقبل، ولتصبح الدولة حديثة عليها إلغاء الدين أو تقييده، ولو كان ذلك بالإكراه، كما فعلت تركيا سنة 1923 وإيران سنة 1936 تحت حكم الشاه، وكما فعلت الهند أيضا سنة 1947.

ولبيان التناقض الصارخ، قارنت الكاتبة من وجهة نظر دولية بين عدة أنظمة، لتؤكد وجود دول حديثة ليست علمانية ودول دينية لكنها ليست تقليدية.

وتخلص الكاتبة إلى أن فرنسا ترسم خطا فاصلا بينها وبين الإسلام باسم العلمانية، ويتضمن هذا تحريفا للتاريخ الخاص للدولة، وقد يكون من الأفضل أن نقول إن الفكرة الجوهر للعلمانية تتمثل في إقصاء الدين من الفضاء العمومي، وبذلك أصبحت العلمانية أداة إيديولوجية في حملة معاداة ومناهضة الإسلام، وكانت وسيلة أخرى لوضع الساكنة المسلمة خارج حدود فرنسا، واعتبار ديانتها وثقافتها ليستا مختلفتين وغير مقبولتين فحسب، ولكنهما خطيرتان أيضا.

وتنقل المؤلفة وجهات نظر بعض المختصين الفرنسيين المنصفين، مثل جان بوبيرو الذي ميز بين علمانيتين، علمانية ديمقراطية هي التي طبقت على اليهود والمسيحيين، وعلمانية جمهورية هي التي يراد تطبيقها على المسلمين، ويعتقد بوبيرو "أنه سوف تكون كارثة إذا ما فكرنا في تطبيق النموذج الجمهوري على الإسلام"، لأن النموذج الديمقراطي هو الذي "يشكل فرصة لمستقبل يجري فيه التحكم نسبيا في الصراعات السوسيو-دينية والمساهمة في بناء المستقبل".

النسق الجنسي
"
المعالجة النفسية لقضية الحجاب توحي بأن الأمر لا يتعلق بتخوف إرهابي، وإنما يتعلق الأمر بالدفاع عن الهوية الوطنية الفرنسية، وهي هوية كانت من خلالها المعالجة الفرنسية للعلاقات بين الجنسين موضع انتقاد
"
وبما أن الكاتبة مؤرخة وخبيرة في قضايا النسائية الفرنسية، فإنها قدمت تحليلا إضافيا حول حضور هذا العامل في سياسة الحجاب الفرنسية، وهي ترى أن "المعالجة النفسية توحي بأن الأمر لا يتعلق بتخوف إرهابي(فقد كانت هناك وسائل فعالة ومؤكدة للتعامل مع الإرهاب أفضل من إجراءات حظر الحجاب واقترح بعض منها من قبل لجان متخصصة)، وإنما يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن الهوية الوطنية الفرنسية، وهي هوية كانت من خلالها المعالجة الفرنسية للعلاقات بين الجنسين موضع انتقاد.

وتعزز الكاتبة هذا الرأي بما ذهب إليه عالم الاجتماع إيريك فاسين إذ قال إن تجديد التأكيد على الطبيعة المؤسسة للتكافؤ الجنسي يعتبر وسيلة على عدم تغير الجمهورية في تجلياتها الحالية، وقد أصبح التكافؤ الجنسي –مثل اللائكية- قيمة أساسية. فلا يعتبر أولئك الذين لا يشتركون في هذه القيمة مختلفين فقط، بل منحطين وعاجزين عن مسايرة مجريات التغيير، ويأتي الدليل على عدم انسجام الإسلام انطلاقا من عدم ملاءمة نسقه الجنسي.

الفرد في الوحدة
في نهاية الكتاب تقدم المؤلفة نظرة على المستقبل، مؤكدة أن العلمانية الفرنسية وأخواتها توجد في مأزق يضاعف من حدة المشاكل ولا يخفف منها، ناهيك عن تقديم حلول لها.

وتؤيد وجهة نظر الفيلسوف الفرنسي جان لوك نانسي الذي يرى أن المسألة لا تتعلق بوحدة الفرد، أي تماثله مع الآخرين والتوافق التام معهم، بل بالفرد في الوحدة، أي الاعتراف بالاختلاف والبحث عن حل توافقي تشاركي.

وتعتبر صياغة هذه الفكرة، حسب رأي الكاتبة، تحديا للدول الديمقراطية في القرن الواحد والعشرين، وهي بدون شك تحد للدول التي وضعت معادلة التجانس، الثقافي والديني والعرقي، مقابل الهوية الوطنية كأساس للسياسة الديمقراطية. ولكن بما أن سكان هذه الدول يطبعهم التعدد والاختلاف، فإن البديل الأنسب يكمن في اختيار "الفرد في الوحدة".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة