حرب "السايبر" والأمن القومي الإسرائيلي   
الخميس 16/7/1435 هـ - الموافق 15/5/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:40 (مكة المكرمة)، 14:40 (غرينتش)
عرض/عدنان أبو عامر
يقدم الكتاب استعراضا للجبهة القتالية الجديدة بين الإسرائيليين والفلسطينيين عبر شبكة الإنترنت، وجهود الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لمكافحة "ظاهرة القراصنة"، واستعدادها لمواجهة التهديدات الفلسطينية والعربية في مجال الحرب الإلكترونية على الإنترنت، واستكمال إقامة غرفة عمليات جديدة لرصد الهجمات الإلكترونية، وإحباطها بشكل منظم، خشية أن تجد إسرائيل نفسها فجأة -وبدون مقدمات- في مواجهة مفروضة عليها.

جبهة فتاكة
يحاول المؤلف إيجاد حلول عملية لمواجهة نجاحات "القراصنة" العرب والفلسطينيين ضد إسرائيل، في حرب لم تستخدم فيها رصاصة واحدة، ولم تطلق قذيفة أو صاروخ مضاد، لكن خسائرها فادحة، وأدواتها فتاكة، ونتائجها لم تتمكن أجهزتها الاستخبارية من تقديرها حتى إصدار هذا الكتاب، تطلق عليها أوصاف حرب "الإنترنت، هاكرز الحاسوب، حرب الظلال، الهجمات الإلكترونية، حرب السايبر".

ويرى الكتاب أنه مع تزايد الحديث الإسرائيلي حول تعاظم الحرب الإلكترونية التي تدور رحاها بأقصى قوة، بات واضحا أنّ جبهتها الداخلية أصبحت عرضة للتضرر عبر شبكات الحواسيب.

-العنوان: حرب السايبر والأمن القومي الإسرائيلي
-المؤلف: جنرال احتياط غابي سيبوني
-عدد الصفحات: 122
-دار النشر: معهد أبحاث الأمن القومي- جامعة تل أبيب
-تاريخ الصدور: 2014

ومما يزيد الخوف الإسرائيلي أنّ هذه الحرب التي يشنها قراصنة فلسطينيون وعرب، هي المجال القتالي الوحيد الذي لا تؤثر فيه العمليات الهجومية على قدرات العدو للقيام بهجوم من جانبه، خاصة أن الميزة الأبرز توجد دائما لدى الطرف المهاجم، وهو ما لا يمثل بشرى سعيدة لإسرائيل التي تخشى التعرض في السنوات القادمة لهجمات بلا توقف من هذا القبيل.

وأشار الكتاب إلى أن هذا المجال الإلكتروني أصبح بمثابة مجال قتال جديد يضاف إلى المجالات البحرية والجوية والبرية التي يخوضها الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، لتصبح شبكة الإنترنت ساحة معركة حقيقية، وليست مجرد ذراع إضافية، بل اتجاها ذا أبعاد يتفوق على جميع أذرع الجيش.

وتكمن مهمته في التأكد من أن جميع أسلحته مستعدة لهذا العصر، حيث يقوم بصياغة تصورات، وبناء نظريات، وتأسيس وحدات تعمل على رصد حوادث "السايبر" على شبكة الإنترنت، في إطار عملية الاستعداد وبناء القوة لهذه الجبهة الجديدة في مواجهة الفلسطينيين.

ويأتي إصدار الكتاب -الذي شارك فيه عدد من جنرالات الجيش الإسرائيلي- بهدف إبراز استعداد تل أبيب لهذه الحرب الإلكترونية، خشية أن تدخل في أنظمتها الحساسة "فيروسات" تشل عملها في أحرج الأوقات، خاصة أن أعداءها الفلسطينيين نجحوا في السيطرة على عدة أنظمة في السنوات الأخيرة، وقفزوا لمراتب تقنية متقدمة ذات صلة بها، وباتت جبهة دينامية يستعملون فيها سلاحا ثقيلا، تتحارب فيها أفضل العقول.

كما تحول الجيش الإسرائيلي إلى لاعب رئيسي في هذا الميدان، وسينفق في خطته الخمسية مئات ملايين الشيكلات على هجوم ودفاع عن نظم المعلومات، ورغم أنها حرب لا يوجد للصاروخ والطائرة الحربية المتطورة أي تميز فيها، فإنها تعتبر بامتياز "حرب العقل للعقل".

الأخطر من ذلك، أن الكتاب يؤكد أن حرب الإنترنت التي تواجه إسرائيل من قبل الفلسطينيين والعرب تدور فيها كل يوم معارك دفاع وهجوم، وتقع أضرار واضحة ومخفية، مما يعني أن "الجميع يستعملون هذا السلاح ضد الجميع"، فهناك جيوش حديثة، ومنظمات مسلحة، وقراصنة حواسيب من الأفراد، بعد أن تواصلت هجمات الفلسطينيين عبر الشبكة العنكبوتية.

ويكشف المؤلف النقاب عن تحقيقات إسرائيلية في عمليات اختراق "الهاكرز" لمعلومات شخصية بحجم ثلاثين ميغابايتا، تحتوي على التفاصيل الخاصة لأربعمائة ألف إسرائيلي، تضمنت أسماءهم، وأرقام هواتفهم، وعناوين سكناهم، وأرقام بطاقات الائتمان والاعتماد الخاصة بهم.

إسرائيل وقعت في مشكلتين: أولهما أن كل شيء في إسرائيل يدار بواسطة الشبكات المحوسبة، ومن الصعب تحديد سلم الأولويات كشبكة الكهرباء، والمنظومة البنكية، والبورصة، والطيران. وثانيهما أن المس بإحداها سيلحق ضررا هائلا
وهو ما اعتبره أكبر تسرب معلوماتي في إسرائيل، دفع بـ"الهيئة الوطنية للحرب الإلكترونية" لمباشرة عملها لتنسيق العمليات الدفاعية من الهجمات الإلكترونية على الحواسيب، وتطوير أنظمة الحماية، وجمع معلومات إلكترونية عن الدولة.

شبكات الحاسوب
وأورد الكتاب معلومات جديدة تنشر لأول مرة عن عمل الجيش الإسرائيلي سنويا لتأهيل مئات الجنود والضباط للعمل في مجال الحرب الإلكترونية في إطار الدوائر الاستخبارية والتنصت، بعد قيام قراصنة فلسطينيين وعرب في السنوات الأخيرة عدة مرات بمحاولات اقتحام شبكات الحاسوب الحكومية والأمنية، في ظل مخاوف من حصول "ضربة قاتلة" للبنى التحتية، وكل ذلك يعني أن ما يعرف بـ"المخزون البيومتري" لإسرائيل بات ثغرة تدعو القراصنة الفلسطينيين والعرب لشنّ مزيد من الهجمات.

الكتاب لا تفوته الإشارة إلى أن إسرائيل -القوة العظمى العالمية في التطوير المتعلق بمجال حرب المعلومات- وقعت في مشكلتين تقنيتين أمنيتين لدى شروعها في الحرب الإلكترونية الدفاعية والهجومية: أولهما أن كل شيء في إسرائيل يدار بواسطة الشبكات المحوسبة، ومن الصعب تحديد سلم الأولويات كشبكة الكهرباء، والمنظومة البنكية، والبورصة، والطيران. وثانيهما أن المس بإحداها سيلحق ضررا هائلا، وكلها تعتمد على الاتصال المتواصل مع الخارج، مما يجعل من الصعب توفير الحماية لها.

وهو ما دفع الكاتب للإشارة -استنادا إلى معلومات نافذة في هيئة الأركان للجيش- إلى الكشف عن تخوفات شديدة تسود في الآونة الأخيرة من إمكانية مطاردة حركة حماس لعناصر الجيش عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وسقوط أحد أجهزة الحاسوب العسكري في أيديها، أو قدرتها على دخول تلك الأجهزة والحصول على المعلومات السرية.

ولذلك، يأخذ الجيش المسألة على محمل الجد، ويسعى لمحاربتها، من خلال "شعبة تكنولوجيا المعلومات" المسؤولة مباشرة عن توفير سبل الحماية من الاختراق، كما مرت شبكة الحواسيب العسكرية بإجراءات تعديلية في السنوات الأخيرة، للسماح بإخراج وثائق ومستندات عسكرية بطريقة آمنة.

الكتاب يطرح مقارنة فريدة من نوعها حين يتحدث عن قدرة الفلسطينيين "الضعفاء" على استهداف إسرائيل "القوية" من خلال شبكة الإنترنت، مما دفع بها لتشكيل هيئة خاصة للحرب المعلوماتية، وتخصيص الاعتمادات المطلوبة لعمل سلطة المعلومات المحوسبة، تخوفا من اختراق المواقع الإلكترونية، وتسريب معطياتها ضمن حرب محوسبة تهدف إلى شلّ البنى التحتية الحيوية للدولة، في مجالات الكهرباء والمياه والاتصالات.

كما قرر الجيش الإسرائيلي تجميع فرق النخبة من "هاكرز" الكمبيوتر لمواجهة الحرب الإلكترونية وعمليات القرصنة المحوسبة، وسط مخاوف من التهديدات المتنامية على الشبكات المدنية والعسكرية، وقام بتجنيد ثلاثمائة خبير حاسوب، لتعزيز قدراته في مجال الحرب الجديدة، في سياق خطة متعددة السنوات، بعد أن باتت تشعر إسرائيل بالقلق نتيجة الهجمات التي تعرضت لها الشهور الماضية.

خبرة طويلة
تكشف فصول الكتاب عن إنشاء الحكومة الإسرائيلية وحدة خاصة مسؤولة عن تحسين الدفاعات التقنية، وتنسيق وتطوير البرمجيات، وتعزيز العلاقات بين الدفاعات المحلية في الجيش والشركات التكنولوجية، بعد الكشف عن إعداد خطة معادية لاستثمار ملايين الدولارات لتطوير التكنولوجيا، وتوظيف خبراء كمبيوتر بهدف تعزيز قدراتها الدفاعية والهجومية في مجال الحرب الإلكترونية.

كما انكب الجيش في الآونة الأخيرة على العمل على تطوير قدراته الدفاعية والهجومية "السايبرية"، وسط المخاوف من تنامي تهديد الشبكات المدنية والعسكرية في الدولة، مع الإقرار بأنها ليست في المكان الذي يجب أن تكون فيه في ما يتعلق بعالم الإنترنت، مما يتطلب العمل لتحسين قدراتها في مواجهة ما انكشف لدى أعدائها من قدرات في هذا المجال.

تزايد الهجمات الإلكترونية الفلسطينية والعربية، واتساع رقعة مهاجمة إسرائيل عبر شبكة الإنترنت، يجعلها تشكل تهديدا وجوديا على إسرائيل، لأنها تتسبب في شلل منظومات إلكترونية عديدة في إسرائيل
كما إن تزايد هذه الهجمات الإلكترونية الفلسطينية والعربية، واتساع رقعة مهاجمة إسرائيل عبر شبكة الإنترنت، يجعلها تشكل تهديدا وجوديا على إسرائيل، لأنها تتسبب في شلل منظومات المياه، والكهرباء والطاقة، وانهيار المنظومات البنكية، والمنظومات المحوسبة الوطنية والخاصة عبر هجوم منظم، ويجعل من الدفاع عن حدودها عبر الدبابات والمدفعية أمرا مستبعدا، لأن الفلسطينيين يعلمون أن مسافة العالم الافتراضي لا تمر بالحدود، بل يمكنهم مهاجمتها من كل مكان في العالم.

الكتاب ينقسم إلى ثمانية فصول أساسية، ناقشت ظاهرة حرب "السايبر" من النواحي التالية: حماية البنية التحتية في إسرائيل من الهجمات الإلكترونية من إعداد المحرر "غابي سيفوني"، الفضاء الإلكتروني وحروب الإرهاب للخبير العسكري "يورام شفايتسر"، المخاطر الكامنة من الحروب الإلكترونية لـ"ليئور تبينسكي"، قراءة في تجربتي الصين وإيران في الحروب الإلكترونية لـ"عيناف يوغاف"، الجرائم الإلكترونية وخطرها على الأمن القومي لـ"سامي كرونفيلد"، الأسلحة المضادة للهجمات التقنية لـ"دانيئيل كوهين"، فشل الحلول التقليدية للحروب الإلكترونية لـ"أمير أورباخ".

محرر الكتاب الجنرال "سيفوني"، وهو محرر دورية The Wisdom of Action، ومساعد رئيس "معهد بناء القوة العسكرية"، إضافة إلى خبرته في مجال التكنولوجيا العسكرية، وإدارة النزاعات، والطاقة والبيئة، وهو حاصل على شهادتي البكالوريوس والماجستير في مجال الهندسة الميكانيكية من جامعة تل أبيب، ودرجة الدكتوراه في علوم الأنظمة الجغرافية من جامعة بن غوريون في النقب.

وأصدر الكتاب معهد أبحاث الأمن القومي -أحد أرفع المراكز البحثية في إسرائيل- حيث يستقطب صناع القرار بين الحين والآخر، وينشر دراسات غاية في الأهمية والخطورة، موجها جل عمله لدراسة التهديدات المحيطة بالدولة، والأوضاع المتغيرة في الشرق الأوسط والعالم بأسره، وأثرها على إسرائيل في مختلف المجالات: السياسية والعسكرية والإستراتيجية والاقتصادية، علما بأن النخبة الأساسية العاملة في المعهد قادمة من الأوساط العسكرية والاستخبارية، ويضعون خبرتهم في خدمته.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة