تقرير الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية   
الجمعة 22/7/1426 هـ - الموافق 26/8/2005 م (آخر تحديث) الساعة 4:20 (مكة المكرمة)، 1:20 (غرينتش)
عرض/محمود عبد الغفار
صدر مؤخرا عن مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام تقرير الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية، وفي ثلاثة أبواب تتناول الاقتصاد الدولي بين انتعاش النمو وآفاق تراجعه بفعل العجز الأميركي، والاقتصاد العربي ومشاكله مع الفقر والفساد، والاقتصاد المصري مع حكومة جديدة تنتهج شكلا متسارعا لما تعتبره الإصلاح الاقتصادي.
 

- الكتاب: تقرير الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية
- عدد الصفحات: 449
- رئيس التحرير: أحمد السيد النجار
- الناشر: مركز الدراسات السياسية
- الطبعة: 2005

وقد رصد التقرير أن الاقتصاد الدولي شهد تعافيا ملحوظا عام 2004 مقوما بمعدلات النمو الاقتصادي الكلية التي سجلت أعلى معدلاتها منذ 30 عاما.
 
وتتمثل الرافعة الأساسية لهذا النمو في التوسع المالي الأميركي الذي يعد في الوقت نفسه أهم المحاذير التي تنذر بأن الانتعاش الحالي قد يكون غير مستدام.
 
فالتوسع المالي الأميركي الذي دشن زيادة معدلات النمو الاقتصادي العالمي كان قوامه تزايد الإنفاق الدفاعي والعسكري -خاصة حربي أفغانستان والعراق- والممول بعجز الموازنة الذي سجل ارتفاعا قياسيا في العام الحالي.
 
وهو الاتجاه الذي كان قد بدأ منذ العام 2000 حيث تحولت الموازنة الفدرالية الموحدة من فائض 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي أو ما يوازي 236 مليار دولار إلى عجز يقدر بـ5.75% في نهاية العام المالي 2004.
 
وينذر هذا النمو الممول بالعجز بعودة الاقتصاد العالمي إلى التباطؤ من جديد، وهو ما تشير إليه مؤشرات النمو الاقتصادي في النصف الثاني من 2004 حيث تباطأ النمو بشكل واضح في عدد من البلدان أهمها الولايات المتحدة واليابان.
 
وظهر ذلك في تقديرات النمو للعام 2005 التي تتضمن انخفاضات متفاوتة في معدلات النمو تتراوح بين 10 إلى 20% في مختلف أقاليم العالم باستثناء منطقة اليورو التي ترجح التقديرات استمرار معدلات النمو فيها خلال هذا العام، وأفريقيا التي تتجه معدلات النمو فيها إلى الارتفاع.
 
وقد تمكنت منطقة اليورو عام 2004 من الخروج من حالة التباطؤ الاقتصادي الذي تعاني منه منذ عدة سنوات حيث تضاعف معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي أربع مرات مقارنة بالعام الماضي ليصل إلى 2.2% من الناتج الإجمالي المحلي، وهو ما يعتبر أعلى المعدلات على مدى الأعوام الماضية التي سجلت أفضلها عام 2001 معدل نمو 1.5%.
 
وكما شهد 2004 أزمة العجز الأميركية المتوقع استمراره لعدة أعوام قادمة ومن المنتظر أن يؤثر سلبا على الاقتصاد العالمي خاصة الأسواق الصاعدة، شهد أيضا الصعود الصيني إيجابا على اقتصادات الدول المتقدمة والنامية على حد سواء حيث يمد الأولى بواردات منخفضة السعر من السلع متوسطة التكنولوجيا كثيفة العمالة، كما تفتح أسواق الصين أمام صادرات هذه الدول من السلع عالية التكنولوجيا.
 
كذلك يمثل الصعود الصيني فرصة أمام صادرات الدول النامية من السلع الأولية والصناعية ما عدا تلك الدول التي تتشابه في قطاعاتها الإنتاجية مع الاقتصاد الصيني وتؤذن المنافسة مع الصين بخسارة اقتصادية صافية لها.
 
الاقتصادات العربية
"
ينذر النمو الممول بالعجز بعودة الاقتصاد العالمي إلى التباطؤ من جديد، وهو ما تظهره مؤشرات النمو الاقتصادي في النصف الثاني من 2004
"
شهدت هذه الاقتصادات تطورا مهما وحاكما في توجيه المؤشرات الرئيسية المعبرة عن أدائها عام 2004، وتمثل هذا التطور في الصعود الصاروخي لأسعار النفط لأعلى مستوياتها الاسمية على الإطلاق، حيث بلغ متوسط برميل النفط من سلة خامات أوبك عام 2004 نحو 36.03 دولارا، وتجاوز الخام الأميركي حاجز الـ55 دولارا في بعض أيام التعاملات الآجلة.
 
ونظرا للأهمية الكبيرة لقطاع النفط في غالبية الاقتصادات العربية فإن التغييرات الكبيرة في سعره أثرت عليها بشكل كبير.
 
وتحقق الدول العربية معدلات ادخار واستثمار شديدة التفاوت في ما بينها، وشديدة التذبذب في كل منها من عام لآخر.
 
ويظهر التفاوت بين الدول المصدرة للنفط والأخرى التي لا تملك هذه السلعة الإستراتيجية أو تنتجها بمعدلات قليلة.
 
ولكن مع ارتفاع معدلات الاستثمار في دول مثل السعودية وعمان وليبيا والكويت يوجد ضعف في القدرة الاستيعابية في بعض هذه الدول خاصة عندما يتم تخطيط تلك الاستثمارات بناء على السوق الداخلية المحدودة، إضافة إلى تسرب جانب مهم من المدخرات إلى الخارج سواء في صورة استثمارات مباشرة أو في الاقتصاد الرمزي في أسواق المال والعملات.
 
وبالنسبة للتضخم فقد ارتفع في الدول العربية إلى أعلى معدل له منذ ربع قرن على الأقل، بما يعنيه ذلك من تحرك سريع للطلب قد يسبق في الكثير من الأحيان تطور العرض العالمي من السلع والخدمات.
 
كما تعاني غالبية هذه البلدان الساحقة من ظاهرة البطالة بمختلف أنواعها السافرة والاحتكاكية والفنية والمقنعة إلى البطالة الاختيارية، وتشير بيانات الجامعة العربية إلى أن عدد العاطلين بلغ 15 مليونا، وهو ما يشكل إهدارا لطاقة عنصر العمل وتهديدا للاستقرار السياسي والاجتماعي.
 
آثار الفقر
"
مع ارتفاع معدلات الاستثمار في دول مثل السعودية وعمان وليبيا والكويت يوجد ضعف في القدرة الاستيعابية  خاصة عندما يتم التخطيط بناء على السوق الداخلية
"
يواجه ما يزيد عن ثلث المجتمع العربي من الفقر، ولا يوجد ما يشير من السياسات الاقتصادية العربية إلى وجود طرق لمعالجة هذه المشكلة أو التخفيف منها.
 
ويصعب الحصول على تقديرات دقيقة عن أوضاع الفقر في مجتمعات نامية مثل المجتمع العربي نتيجة التشوهات الحاصلة في الإحصاءات الاقتصادية والاجتماعية ونمط تجميعها.
 
لكن التقرير اعتمد على تقديرات البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة للفقر المعتمدة على برنامج التنمية البشرية، وتشير هذه التقديرات إلى أن العدد يتراوح بين 90 و100 مليون نسمة، يمثلون ما نسبته 32% و35% من إجمالي الأفراد.
 
وأظهر مؤشر خط الفقر أن نسبة كبيرة من السكان العرب تحت هذا الخط خاصة في الدول العربية منخفضة الدخل مثل موريتانيا 57%، ولبنان 28%، والمغرب 26%.
 
ويصعب وضع برنامج لمكافحة الفقر أو التخفيف منه في المجتمع العربي دون معرفة الدوافع والمسببات المحلية المؤدية إلى هذه الظاهرة، خاصة أن الفقر يعد نتاج مجموعة معقدة من المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية، ويختلف تأثير هذه المتغيرات من مجتمع إلى آخر.
 
الفساد معوق للاستثمار
"
القضاء على الفساد في الدول العربية يتطلب إرادة سياسية قوية وعددا من الإصلاحات الجذرية التي تضمن الفصل بين السلطات واللامركزية والمراقبة المؤسسية
"
أكد تقرير صدر عن البنك الدولي تحت عنوان "التنمية في عام 2005" أن الفساد من أهم التحديات التي ينبغي على الحكومات العربية مواجهتها من أجل تحسين مناخ النمو والاستثمار فيها.
 
كما يؤكد العديد من المراقبين في العالم العربي أن الفساد اتخذ طابعا منهجيا ومؤسسيا في العديد من الدول العربية حيث أصبح القاعدة لا الاستثناء، ويشير المتخصصون إلى ضعف آليات المساءلة والشفافية كسبب رئيسي وراء ارتفاع معدلات الفساد في المنطقة.
 
ورأى تقرير الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية أن القضاء على الفساد في الدول العربية يتطلب إرادة سياسية قوية وعددا من الإصلاحات الجذرية التي تضمن الفصل بين السلطات واللامركزية والمراقبة المؤسسية والشعبية على الحكومات.
 
ورصد التقرير عددا من قضايا الفساد في العالم العربي مثل قضايا تهريب الأسمنت إلى إسرائيل، وصفقة الأدوية المهربة عبر أفراد داخل السلطة الفلسطينية إضافة إلى صفقة الباصات الهولندية وقضية بنك فلسطين الدولي.
 
وفي مصر رصدت الفساد الإداري والاقتصادي بالتلفزيون، وقضايا قيادات وزارة البترول والرشوة الكبرى ومافيا الأراضي بالفيوم والبحيرة، والعمولات الكبرى والريف الأوروبي وأولاد حنفي أباطرة البنوك.
 
كما رصدت قضايا الائتمان والتحايل على البنوك والتسهيلات المصرفية في الأردن ومجموعة خليفة في الجزائر والفساد في الوظائف العامة باليمن وما ترتب من فساد عقب زلزال الحسيمة بالمغرب.
 
انعكاسات الفصل الأحادي
أكد التقرير أنه ستكون هناك انعكاسات سلبية على الفصل الأحادي لأن إسرائيل استخدمت سياسات أسهمت في ربط الاقتصاد الفلسطيني باقتصادها من خلال محاور التجارة والعمالة وعملة التداول والمياه.
 
ففي التجارة سيطرت إسرائيل على صادرات وواردات الأراضي الفلسطينية حتى بلغ متوسط حجم التجارة الفلسطينية مع إسرائيل نحو 88% كمتوسط للفترة 1967-2000 من حجم التجارة الفلسطينية.
 
كما مثلت العمالة الفلسطينية في إسرائيل نحو ثلث قوة العمل الفلسطينية في المتوسط، وهو ما نجم في الأساس عن الظروف التي أوجدتها السياسات الإسرائيلية بجعل الاقتصاد الفلسطيني مصدرا لليد العاملة وليس للسلع.
 
أما عملة التداول فأصبح الشيكل الإسرائيلي هو العملة الأكثر استخداما في المناطق المحتلة قبل الدولار الأميركي والدينار الأردني.
 
وبالنسبة للمياه تستنزف إسرائيل نحو 70% من مياه الأراضي الفلسطينية ونحو 80% من مياه الضفة الغربية.
 
وبهذا الارتباط من البدهي أن يكون الاقتصاد الفلسطيني أكثر حساسية لأي تغيير يطرأ على الاقتصاد الإسرائيلي، وللتأثر بأي قرار ذي انعكاس اقتصادي مثل قرار الفصل الأحادي.
 
"
إسرائيل استخدمت سياسات أسهمت في ربط الاقتصاد الفلسطيني باقتصادها من خلال محاور التجارة والعمالة وعملة التداول والمياه
"
الاقتصاد العراقي

تحت هذا العنوان رصد التقرير حصاد 13 عاما بين الحصار الاقتصادي ثم الغزو والاحتلال، وأكد أن العراق واجه ظروفا صعبة على امتداد أكثر منعقدين من الزمن كان أشدها وطأة عليه من تلك الناجمة عن العمليات العسكرية لحربي 1991 و2003 والآثار المدمرة التي أحدثها الحصار على عمليات إعادة بناء ما دمرته الحرب الأولى، وتأهيل وتطوير الهيكل الإنتاجي والخدمي للاقتصاد العراقي.
 
الأموال العربية المهاجرة للخارج
تشكل هذه الأموال المستثمرة بالخارج التي تقدر بنحو 2400 مليار دولار في صورة مباشرة وغير مباشرة وودائع مصرفية تعبيرا مكثفا عن إهدار المدخرات العربية ونزحها من الاقتصادات العربية إلى الخارج لتستخدم في تمويل الاستثمارات بمختلف أشكالها في البلدان المستخدمة لها.
 
والأسوأ أن الكثير من تلك الاستثمارات يفقد جنسيته العربية إذا حصل المستثمرون الذين يملكونها على جنسيات بلدان أخرى، بما يجعل تحديد قيمة الاستثمارات العربية في الخارج أكثر صعوبة، وحتى الآن لا تزال بنوك وأسواق الولايات المتحدة هي المقصد الأول للأموال العربية.
 
ورغم ما حدث من تداعيات هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 وما تلاه من جمود في تدفقات الأموال العربية وسحب جزء منها تحت وطأة النزعات العنصرية المعادية للعرب واستثماراتهم إلا أن تلك الأموال عادت للتدفق مرة أخرى على الغرب بعد الارتفاع الكبير في أسعار النفط خلال صيف 2004.
 
ومن أبرز النتائج السلبية لتدفق رأس المال العربي إلى الخارج الذي ينطوي على تحويل الادخار من الاستثمار المحلي إلى الاستثمار الأجنبي تقليص معدل النمو الاقتصادي الذي كان يمكن أن يتحقق، وبالتالي ضياع فرص عمل لاستيعاب العاطلين العرب الذين بلغ عددهم أكثر من 15 مليونا بما وضع المنطقة العربية في مقدمة مناطق العالم المصابة بالبطالة.
 
الاقتصاد المصري وحكومة جديدة
تناول المحور الأخير للتقرير أداء الحكومة الجديدة في مصر التي جاءت في صيف 2004 برئاسة أحمد نظيف وركزت على تحويل الاقتصاد المصري إلى اقتصاد رأسمالي حر، وذلك عن طريق قوانين جديدة خاصة بالضرائب والجمارك ومنع الاحتكار.
 
ورأى التقرير أن هذه القوانين علامات فارقة في مسيرة السياسات الاقتصادية المصرية سواء بطبيعتها الاقتصادية-الاجتماعية أو لآثارها المحتملة التي يمكن أن تكون واسعة النطاق أو بسبب الجدل واسع النطاق حولها بين المؤيدين والمعارضين.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة