الدين والسينما   
الأربعاء 1430/12/28 هـ - الموافق 16/12/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:30 (مكة المكرمة)، 12:30 (غرينتش)

عرض/فاطمة الصمادي
يكتسب كتاب "الدين والسينما" أهميته من جانبين الأول كونه -وإن كان باللغة الفارسية- من الكتب النادرة في العالم الإسلامي التي بحثت علاقة الدين بالسينما وتضمن معالجة نقدية للطروحات الفلسفية الغربية على هذا الصعيد، وثانيهما أن مؤلفه -الذي توفي عام 2005- كان واحدا من أهم أساتذة فلسفة الفن في إيران، وهو تلميذ للفيلسوف الإيراني المعروف أحمد فرديد.

-الكتاب: الدين والسينما
-المؤلف: الدكتور محمد مددبور
-عدد الصفحات: 336
-الناشر: دار سوره مهر للنشر، طهران
-الطبعة: الثانية/2009
وفي كتابه هذا كما في بحوثه وكتاباته الأخرى، يبقى الدكتور محمد مددبور متأثرا بفكر فرديد الذي يعتبر أول من نحت مصطلح "غرب زدگي" بالفارسية، وهو مصطلح يحمل دلالات سلبية تجاه الحضور الغربي في إيران، ويقابله في العربية "الإصابة بداء التغريب".

ومن الواضح أن مساحة التأثر لدى مددبور امتدت لتشمل اعتناق آراء الفيلسوف الألماني هايدغر وتوظيف بعض طروحاته في رصد مجالات فكرية إيرانية، ويتمثل ذلك في القناعة التي انتقلت إليه من أستاذه فيما يتعلق بعلاقة الغرب مع الله, وقد كان فرديد الملقب بـ"الفيلسوف الشفاهي" يعتقد أن الغربيين أضاعوا الله واستبدلوه بإله آخر هو "النفس المادية أو النفس الأمارة بالسوء".

كما يؤكد أن للبشر ثلاثة أبعاد: الأول علمي، والثاني فلسفي، والثالث معنوي. ومع أن "الأول والثاني احتلا مساحة واسعة في السنن الفكرية الغربية، فإن الثالث ظل غائبا وباهتا بصورة فاضحة".

ما بعد الطبيعة وما فی طبيعة السينما
وتحت عنوان "ما بعد الطبيعة وما في طبيعة السينما النفسانية للغرب" يؤكد مددبور في كتابه الذي يقع في اثني عشر فصلا أن النظر في تأثير الفكر الغربي الجديد في السينما الإيرانية تم بصورة فصلت السينما عن الفكر الغربي، وهو حد لا يمكن إيجاده لأن السينما الحالية هي فن غربي بالكامل، وهي فن تقني ما كانت لتوجد بدون إبداع التكنولوجيا وكذلك الفلسفة الجديدة.

ولذلك فالسينما القائمة اليوم من حيث الصورة والمحتوى بمثابة تقنية وفن جاءت ضمن سياق ظهور وتطور الفكر، والفكر الغربي على وجه التحديد، وما تأثير الفكر الدارويني في السينما إلا واحد من تجليات هذا الفكر.

ويتناول مددبور بالنقد قضية "الأسلمة"، ويرى أن فكرة أسلمة كل شيء ومن ذلك الفن والتكنولوجيا قد سيطرت بشكل واهم ولأكثر من مائة عام على عقول المستنيرين والمجددين الإسلاميين، قائلا بأنه ما زال يستحوذ على أذهان الكثيرين من أصحاب الفكر السطحي، ويرجع رفضه لذلك إلى الجذور الفلسفية لفن السينما، مما يجعل الظن بإمكانية إقامة سينما إسلامية بمجرد امتلاك وسائلها لا يعدو أن يكون وهما.

والسينما في غالب الأحيان تسلب المشاهد إرادته، والمخرج من خلال ساحته الخيالية، وفي التعبير الأفلاطوني ساحة الشهوة والغضب أي اللاعقلانية والوجود البشري ومن وجهة النظر الدينية ساحة النفس البشرية الدنيوية، يقوم بلعبة السلب هذه.

ومن وجهة نظر مددبور، فالسينما الغربية في الغالب تغفل الإنسان عن حقيقته، وتبقيه مقيدا في الجنة الموهومة، وتعطيه مخدرا لا يمكنه من إدراك الآمة ويبقى في حالة هروب لا تتوقف. وهي بذلك تسوقه من حياته الفاقدة للمعنى ليضيع في ضجيج حياة حيوانية لا تمكنه من الإحساس بقلق العالم الملكوتي.

"
السينما الغربية في الغالب تغفل الإنسان عن حقيقته، وتبقيه مقيدا في الجنة الموهومة، وتعطيه مخدرا لا يمكنه من إدراك الآمة (العيوب) ويبقى في حالة هروب لا تتوقف
"

وينقض مددبور فكرة قدرة السينما الغربية المعاصرة على أن تكون دينية، ويرجع ذلك إلى الأسس النظرية التي وجدت خلال السيرورة التاريخية للفكر والفن، والتي قامت على فكرة التقليل من مقام التفكير الديني، وذلك في رأيه لا يستثني السينما التي تحمل مضامين توراتية وإنجيلية.

فالواقعة التاريخية تغادر عوالمها المقدسة في الوقت الذي تدخل فيه الشريط السينمائي، والبطل السينمائي الذي يؤدي دور النبي موسى (عليه السلام) هو نفسه الذي رآه المشاهد مرات عديدة في أفلام إيروتيكية تخاطب الشهوة والحس، وبذلك يقوم ذهنه على الجمع بين وجهين متناقضين.

وفي النتيجة تبقى صورة بطله المحبوب التي لا تملك أي أثر قدسي من ذلك النبي أو القديس. وفي كثير من الأحيان تتحول المضامين والروايات الدينية القائمة على المقدس إلى فيلم سينمائي منزوع القداسة، ويوظف الحضور الديني لغايات المتعة والاستهلاك.

وفي حديثه عن فن موجة الحداثة وما بعد الحداثة، يقول مددبور إنه يقوم على تجارب تبحث عن الانعتاق من أي قيد سوى قيد النفس الأمارة، ويلفت مددبور إلى فكرة الدمار التي أصبحت تسيطر على الفن الغربي، وبالتزامن مع فكرة دمار العالم تجري عملية محو وهدم للغة والفن، لا تستوي إلا بمحو الآثار السابقة لدرجة أصبح فيها "الهدم والدمار" لسان الفن الحديث.

عالم الدين فی عالم السينما
وفي فصل بعنوان "تكشف عالم الدين في العالم السينمائي"، يقدم مددبور تعريفا للدين ليتسنى من خلاله فهم السينما الدينية بحكم أنها تستمد هويتها وتعريفها من الدين. والدين وفقا لتعريف الوحي وتعريف أهل الفكر يعني الطريق، والمعنى ذاته تحمله "الشريعة" و"الطريقة". ويطرح مددبور تساؤلا عن المقصد الذي تقود إليه الطريق، ليكون تعريف الدين أنه الطريق نحو الحق، أما من وجهة نظر المفسرين فالدين عبارة عن "المعرفة والطاعة".

وضمن هذا السياق يجب بحث الفن الديني، وبالنظر إلى معناه التجريدي يمكن بناء علاقة بين الدين والفن، ويذهب مددبور إلى القول بأن معنى الفن التجريدي هو انكشاف عالم الحقيقة وانكشاف العوالم الربانية والنفسية والملائكية وكذلك الشيطانية، وهو كذلك انكشاف الحقيقة في ميدان الخيال.

وتعود السينما الدينية في عمرها إلى تاريخ السينما، ومنذ البداية كانت هناك أفلام بمضامين وقصص توراتية، لكن المشكلة -كما يشخصها مددبور- تكمن في أن السينما كتكنولوجيا لم تولد في "العالم الديني" بل ولدت في "عالم الإلحاد" وكانت مرآة تتجلى فيها صفات هذا العالم، وهو العالم الذي لا يرى الإنسان فيه نفسه في محضر الخالق.

ومنذ بداية السينما الكلاسيكية وجدت مضامين دينية ومن ذلك على سبيل المثال التعصب البروتستانتي لـ"غريفت". وفي الفترة المتأخرة من عمر هذه السينما وجدت تيارات عدة حيث سجلت البروتستانتية حضورا جديا في أوروبا الشمالية، ولا يمكن تجاهل قدرة السينما الكاثوليكية في أميركا وإيطاليا، ولقيت السينما الدينية الكلاسيكية الدعم من اليهود والكاثوليك وفي بعض الأحيان كانت تجد الحماية من البابا نفسه، وبمحاذاة هذه السينما ظهرت السينما البروتستانتية وتجلت في أعمال "برسون" و"دراير" وإلى حد ما في أعمال المخرج السويدي المعروف "برغمن".

"
هناك بعض الآثار السينمائية التي حملت الرواية الدينية ولكن ضمن رؤية إلحادية أو رؤية معادية للدين والكنيسة ومنها آثار المخرج بازوليني "الإنجيل برواية متى"
"
ولأن هذا التيار يعتقد أن الدين أمر شخصي، فقد كانت التجارب الشخصية صاحبة أثر عميق في أعمال مخرجيه، وكان هذا التيار أكثر حداثة مما سبقه. وهناك بعض الآثار السينمائية التي حملت الرواية الدينية ولكن ضمن رؤية إلحادية أو رؤية معادية للدين والكنيسة، ومنها آثار المخرج بازوليني "الإنجيل برواية متى".

أما سينما العالم الثالث فلم تستطع أن تشق لنفسها طريقا مستقلا وانقسمت بين تيار يتبع لأميركا وآخر لأوروبا. وعندما يتحدث مددبور عن السينما الكاثوليكية فهو يقصد الكاثوليكية الحديثة وليس كاثوليكية القرون الوسطى، فالأخيرة لديها الكثير من الحجب والحياء، والعشق فيها لا يصل إلى الزنا، لكن الأمر مختلف تماما في الكاثوليكية الحديثة التي تحمل رواية سطحية من التاريخ.

ويرى مددبور أن فيلم "محمد رسول الله" واحد من نماذج السينما الدينية الحديثة، فهو فيلم شبه كاثوليكي لكنه إسلامي، فالمشاهد لا يرى أية جوانب روحية أو سيكولوجية، وفي هذا العمل لا أثر للشيطان أو الملائكة وكذلك لا أثر للقرآن وحتى لا أثر للخالق. ولذلك فهذا الفيلم من وجهة نظر مددبور لا يعدو أن يكون فيلما روائيا تاريخيا جديدا يستطيع المشاهد أن يجري عبره إسقاطات عديدة، فيلم يغلب عليه السيف، ونشاهد فيه الأثر الحركي (الآكشن) والجانب الكاثوليكي، بحيث يطرح الوجه الظاهري من الدين بكلية تاريخية محضة.

أما السينما الأرثوذكسية فهي سينما روسية وفي جانب منها يونانية وأوروبية شرقية، وتقوم بصورة أساسية على آلام المسيح، ونرى فيها أعمال ديستوفسكي وعلم النفس الجديد بمضامين المازوخية والسادية، وهي -كما يصفها مددبور- سينما غير معتدلة تقوم على الإفراط وفيها يصبح تعذيب الجسد رياضة روحية، وهذا المظهر يمكن مشاهدته انطلاقا من أعمال آيزنشتاين وداوشنكو وصولا إلى آثار تاركوفسكي وباراجانيف وآخرين.

وفي النهاية لم تسجل السينما الأرثوذكسية الروسية نجاحا، ومع ظهور الماركسية دخلت مرحلة إفراطية جديدة، وهي كما يشخصها مددبور مرحلة الفن الواقعي الاشتراكي.

السينما الإيرانية بعد الثورة
أما السينما الإيرانية وخصوصا تلك التي جاءت بعد الثورة الإسلامية وعرفت بـ"التيار الجديد"، فهي -وفقا لتوصيف الكتاب- تتضمن جوانب من السينما البروتستانتية التي تقوم على حوار الذات وتداعيات النفس وكذلك جوانب من السينما الكاثوليكية التي تقدم مظاهر العبادة كمشاهد الصلاة والتسبيح، وهذا لا يجعلها سينما دينية وفقا للتعريف السابق بضرورة الحراك والسعي ضمن متن الدين لا على هامشه.

والأزمة في السينما العالمية وكذلك سينما العالم الإسلامي، كما يشخصها مددبور، هي فقدان "السير والسلوك نحو عالم الدين والفن الديني"، فالسينما الدينية لا تعرف بتلاوة وصية أو موعظة أو خطبة، فهي أعمق من ذلك بكثير، فالوضوء لا يعني صلاة كاملة والمهم هو حضور القلب والمقصود من السير والسلوك هو السفر الروحي والمعنوي في مراتب الوجود وطي مدارج السالكين للوصول إلى مقام الوصل، ومن هذه المدارج التوبة والمجاهدة والخلوة والعزلة والورع والتواضع والخشوع.

والسلوك في اللغة العربية هو السير، والسالك يسافر في عالم الظاهر والباطن ومع كل مرتبة يطويها تتكشف له حقيقة جديدة من حقائق الوجود وخالقه.

"
السينما الإسلامية وفي الوقت ذاته السينما الدينية غائبة عن عالم اليوم، لأن السينما الدينية لا يمكن أن تكون غريبة عن الحق ولا تمارس هروبا من الفكر المعنوي الأصيل ولا تقوم بعملية مسخ وتحريف للحقيقة
"
وفي باب "السينما الدينية.. المجيء بالغيب إلى عالم الشهادة"، يجادل مددبور في خصوصية الإنسان في العصر الحاضر، وهو حضور يغيب فيه الحق والحقيقة، وهو ما يجعل من الصعب على أهل السينما أن تخلوا أذهانهم من سطوة هذا العصر القاتلة للروح وأن يخرجوا منها نحو عالم الحقيقة، ولذلك يبقون على حدود هذا العالم دون أن يتمكنوا من إدراك حضور الله في الكون ودون أن يقدروا على تصوير الكون كواحد من تجليات الخالق.

وفي "سينما الإيمان" الحالية يرضي الإنسان حس الملنخوليا والاضطراب لديه، ويبدو أمام ذنوبه في أفلام برغمن ودراير وبرسون عاجزا وضعيفا، وذلك في رأيه ناشئ عن ضعف الرؤية والعجز عن إدراك الكينونة الحقيقية للشخصية الدينية، وهو ما يرى مددبور أن المشاهد يرى عكسه في أعمال المخرج الإيراني المعروف بـ"الشهيد أويني" حيث قدم سينما غنية الأفق والماورائيات.

ويذهب مددبور في كتابه إلى أن السينما الإسلامية وفي الوقت ذاته السينما الدينية غائبة عن عالم اليوم، لأن السينما الدينية لا يمكن أن تكون غريبة عن الحق ولا تمارس هروبا من الفكر المعنوي الأصيل ولا تقوم بعملية مسخ وتحريف للحقيقة. فالفن كما يرى هايدغر حدث للحقيقة وانكشاف للوجود وتحرر من اليومي. وهي أي السينما الدينية في صورتها التكاملية أو في صورتها التجريدية الحديثة تأخذ شكلها اليوم ضمن الإطار العلماني المادي.

وتحقق هذه السينما في المستقبل مرهون -كما يخلص الكتاب- بعودة الإنسان إلى موقعه المعنوي الأصيل، لا بهروبه من الشريعة والطريقة الإلهية، وهو أمر يحتاج إلى المكاشفة والتجلي، وهو أمر عجزت عنه السينما الإيرانية كما يؤكد مددبور الذي يرى في أفلام مخرجين مثل محسن مخملباف وأبو الفضل جليلي نموذجا للهروب من الدين الحقيقي ودعوة لإنسان العالم الثالث لإهانة وتحقير ثقافته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة