الإسلامية في زمن القاعدة   
الاثنين 9/12/1426 هـ - الموافق 9/1/2006 م (آخر تحديث) الساعة 11:22 (مكة المكرمة)، 8:22 (غرينتش)

عرض/ حسن السرات
الخبير الفرنسي فرانسوا بورغا متخصص في علم السياسة ومدير أبحاث بمعهد البحوث والدراسات حول العالم العربي والإسلامي التابع للمعهد الوطني الفرنسي للبحث العلمي، وهو مؤلف كتاب "الإسلامية بالمغرب العربي: صوت الجنوب" وكتاب "الإسلامية وجها لوجه".

في كتابه الجديد "الإسلامية في زمن القاعدة"، يسعى بورغا إلى التمييز بين شيئين أساسيين، الأول هو عودة شعبية عارمة لنزعة التدين الإسلامي، والثاني هو مئات الأشكال التعبيرية لأبناء الإسلام في المجال السياسي والاجتماعي.

يؤكد الكاتب تمسكه برؤيته للانبعاث الإسلامي، التي عبر عنها منذ أكثر من عقد من الزمان، على أنه رد فعل ضد الغرب وتجديد لموقف الرفض وأخذ مسافة معتبرة من الاستعمار الغربي.


- الكتاب: الإسلامية في زمن القاعدة
- المؤلف: فرانسوا بورغا
- عدد الصفحات: 213
- الناشر: دار "لاديكوفيرت"، باريس، فرنسا.
- الطبعة: الأولى/ 2005

انبعاث إسلامي ضد الغرب

ولوضع التعبئة الإسلامية في سياقات عرفت تطورا سريعا خلال قرن واحد (من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين) يقترح المؤلف التفريق بين ثلاث فترات كبرى: الحضور الاستعماري، والاستقلال، ومن سنة 1990 إلى غاية اليوم.

وسعيا وراء فهم التعدد في التعبير الإسلامي، يستكشف الباحث التوترات بين الخصوصيات الوطنية والظواهر العابرة للأوطان والقوميات. ويفرد فرانسوا بورغا لتنظيم القاعدة وشرح أسباب تشدده وظهوره فصلا كاملا هو الفصل السادس، ويتبعه بدراسة سير أربعة وجوه يعتبرها متشددة ساهمت في تأسيس هذه الحركة، انطلاقا من السيد قطب إلى المنفذ الرئيسي لتفجيرات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 محمد عطا. كما يتناول الكاتب تفسير التعاطي العاطفي المشحون لدى الغربيين مما يمنع من الرؤية الموضوعية والتحليل العلمي النزيه.

واعتمادا على خبرة امتدت 18 عاما قضاها الباحث في العالم العربي، وعلى تحقيقات مطولة قام بها في أوساط الحركات الإسلامية، يقدم تحليلا أساسيا لفهم الظاهرة المعقدة أكثر مما يتصور كثير من أشباه الباحثين.

وينتقد بورغا في ختام بحثه الخيار الأمني للغرب والحكومات الموالية له في مواجهة التشدد الإسلامي، معتبرا أنه خيار فاشل لا يختلف عن خيار المتطرفين الإسلاميين.

ويتساءل هل صحيح أن العالم دخل بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول في مواجهة بين أنصار "الحرية" أو "التسامح" والمدافعين عنها من جهة، والتهديد "الإرهابي" لـ"التطرف" الإسلامي؟

النظرية الأساسية للكتاب هي أن تمرد القاعدة في جوهره سياسي أكثر منه ديني، وأن "التطرف الإسلامي" يجر وراءه قليلا من التشدد الديني والظلامية، بقدر ما يجر كثيرا من الدفاع، غير المشروع أحيانا، عن المصالح السياسية والاقتصادية المغلفة بتعبيرات الهوية والانتماء الديني.

"
النظرية الأساسية للكتاب هي أن تمرد القاعدة في جوهره سياسي أكثر منه ديني، وأن "التطرف الإسلامي" يجر وراءه قليلا من التشدد الديني والظلامية بقدر ما يجر كثيرا من الدفاع
"
مصطلح حربي

قبل التوغل داخل فصول الكتاب، يخصص بورغا الفصل الأول لتحديد مصطلح "الإسلامية"، ويبذل جهدا كبيرا في تنقيته من الشوائب الانفعالية التي ألصقت به، ويبين كيف انتقل المعنى من النسبة إلى الإسلام في القرن التاسع عشر إلى تهمة جاهزة، حتى "أصبح سهلا اليوم أن "تتهم بالإسلامية" أو أن تكون "إسلاميا محتملا".

ومن الصعب في هذا الجو المشحون تحقيق دراسة علمية وموضوعية عن الإسلامية، ولكن فرانسوا بورغا يصر على رفع التحدي المزدوج: فلن يحول التهويل الغربي من الإسلاميين، ولا تمسك هؤلاء بالمرجعية الإسلامية، بينه وبين استخدام الوسائل العلمية المجمع عليها عالميا في متابعة تحولات تعبئة إنسانية محضة.

فمن حق الإسلاميين، كما يرى بورغا، أن يعبروا عن إسلاميتهم وليس من حق أحد أن يصادر هذا الحق، ومن حقهم السعي إلى الكونية والعالمية، إذ ليس هذا الحق مقتصرا على صنف من الناس دون الآخرين، "وربما كانت الصعوبة التي يجدها الغرب في الإنصات إلى هؤلاء آتية من هذا الأمر" كما عبر عن ذلك الباحث الفرنسي.

وينتقد بورغا بعض "الإسلامولوجيين" الذين يفسرون صعود الإسلامية بالعامل الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي أو السياسي، فهؤلاء الإسلاميون -والقول له- ليسوا فقط فقراء "منسيين من التنمية"، وليسوا فضلا عن هذا "أغنياء" منغمسين في ثروة بترول يبددونها، ولا فتية أخرجتهم ديمغرافية غير متحكم فيها، ولا "بورجوازيين ورعين"، ولا "مثقفين"، ولا حتى "مدنيين" أو "عسكريين"، أو "رجال" مرضى بالذكورية ولا نساء مسحوقات مقهورات.

إنهم هؤلاء جميعا، على تنوع شبيه بتنوع عوامل تعبئات أخرى نشأت كاستجابة ضد هذا الشكل أو ذاك من أشكال الهيمنة. وبناء على هذه الرؤية، يتنوع الإسلاميون في التعبير عن إسلاميتهم، لا بل يختلفون أيضا فيما بينهم، ومن الواجب العلمي النظر إليهم جميعا دون أي استثناء.

"القاعدة" ضد تجديد الاستعمار 
"
في الوقت الذي سعت فيه واشنطن إلى عولمة الخيار الأمني في مواجهة الإسلاميين، رد هؤلاء -خاصة منهم تنظيم القاعدة- بعولمة الجهاد والمقاومة والإسلامية انطلاقا من القاعدة الأفغانية
"
يصنف الباحث الفرنسي تنظيم القاعدة على أنه يمثل المرحلة الثالثة في المواجهة بين الاستعمار المتجدد والعالم الإسلامي، فبعد مرحلة مقاومة الاستعمار ومرحلة الاستقلال، جاءت المرحلة الثالثة التي تجدد فيها الاستعمار مغيرا جنسيته الأوروبية بجنسية أميركية.

ويرى بورغا أن هناك ثلاثة أشكال من الإقصاء والإنكار تعرضت لها الشعوب العربية والإسلامية حملت في رحمها جنين "تنظيم القاعدة" ويخرج إلى الوجود كمولود متوحش لمظالم العالم.

الصنف الأول من أصناف الإقصاء يتمثل في انسداد العمل السياسي والتضييق على النخب الجديدة من طرف حكومات يصفها الباحث الفرنسي بأن حكامها وقادتها هم "بينوشيهات العرب" تشبيها بليغا بالدكتاتور بينوشه المدعوم أميركيا قبل الإطاحة به والتخلي عنه.

والصنف الثاني للإقصاء يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي ومآلاته في حالتي الحرب والمفاوضات. أما الثالث فيرتبط بالتحولات العالمية عقب سقوط المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي وانفراد الولايات المتحدة الأميركية بالقرار والهيمنة.

وفي الوقت الذي سعت فيه واشنطن إلى عولمة الخيار الأمني في مواجهة الإسلاميين، رد هؤلاء، خاصة منهم تنظيم القاعدة، بعولمة الجهاد والمقاومة والإسلامية، انطلاقا من القاعدة الأفغانية.

بعد الفراغ من هذا التحديد الرأسي أو الزمني لظهور "القاعدة" يتولى فرانسوا بورغا التحديد الأفقي لهذا التنظيم بين مختلف التعبيرات الإسلامية أو فصائل الصحوة الإسلامية وأشكالها، ويحدد عوامل الانتقال من الإسلامية القطرية إلى الإسلامية العالمية، ومنها مواسم الحج والبعثات التعليمية والأسفار السياحية وتأثير مدرسة الإخوان المسلمين والسلفية السعودية.

المرضى بالإسلام
"
"المرضى بالإسلام" عند فرانسوا بورغا هم أولئك الذين خسروا معركة مزدوجة: معركة ضد غريزة التدين الإسلامي المتجددة من جهة، ومعركة ضد رجعية الأنظمة الحاكمة في البلدان العربية والإسلامية من جهة ثانية
"
لا يكتفي بورغا برفض مناهج "خبراء الإسلامية" (الإسلامولوجيين)، ولكنه يقدم صفحات معتبرة في انتقادهم وبيان تهافت أطروحاتهم، ويتكرر هذا في فصول مختلفة من كتابه. وفي بعض الأحيان يفرد فصلا كاملا للتفصيل مثل الفصل الثامن والفصل التاسع وخاتمة الكتاب.

في فصل بعنوان "من المخاوف الموروثة إلى المخاوف المستثمرة: حرب التمثلات"، وهو الفصل الثامن، يستعرض الباحث أشكال المعالجة الإعلامية والسياسية المنحرفة للإسلامية المصابة بمواريث المواجهات الاستعمارية ومكتسبات موازين القوى وتقسيم مغانم الكعكة الإسلامية بين القوى الغربية.

ويعرب الكاتب عن تفهمه للانحرفات الإعلامية وخضوعها لضغوط المعالجات الأمنية، لكنه لا يقبل انخراط المتخصصين الأكاديميين في هذه "المناورات السياسية" ليصبح الكتاب والنظار والمفكرون في خدمة الاستخبارات المطلوقة يدها.

ويتوقف بالخصوص عند حالتي كل من برنارد لويس وبرنار هنري ليفي، وكتاب يتبعون سبيلهما، يتهمون الإسلام ذاته بأنه حامل بجنين العنف ومحرض عليه. وهو ما "اجتهدت (والقول لبورغا) طيلة الكتاب في بيان ضعفه وهشاشته".

فالعنف، فيما يفصله الباحث الفرنسي، ليس له عقيدة أو دين، ويوجد في كل الثقافات والإيديولوجيات والقوميات. ويكشف بورغا لعبة التوظيف والقيام بدور كاسحات ألغام أو أرانب سباق، التي يقبلها "أشباه" مثقفين لتشويه صورة الإسلامية وعرقلة سيرها وتعميق الحفر في طريقها، مقدما نماذج من هؤلاء في مشرق العالم العربي الإسلامي ومغربه، خاصة من الملحدين والمسيحيين واليساريين الماركسيين الستالينيين الذين ينطقون اليوم بلسان يميني فرنسي متطرف.

"المرضى بالإسلام" عند فرانسوا بورغا هم أولئك الذين خسروا معركة مزدوجة: معركة ضد غريزة التدين الإسلامي المتجددة من جهة، ومعركة ضد رجعية الأنظمة الحاكمة في البلدان العربية والإسلامية من جهة ثانية.

وللخروج من زاوية العزلة والتهميش التي حوصروا فيها، سعوا إلى تقديم خدماتهم للأنظمة التي حاربوها من قبل وللدوائر الأجنبية الغربية التي طالما نعتوها بالإمبريالية. ومن المغرب العربي يورد بورغا نماذج من حزب الطليعة الاشتراكي الجزائري وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين التونسيين.

اعدلوا في القسمة!
"
الحرب الشاملة على الإرهاب حرب خاسرة لا محالة، وهناك حل أو سلاح آخر هو الكفيل بوضع حد للعنف والعنف المضاد، ولكنه سلاح لا يقدر عليه المرتهنون للنظام العالمي للقرن الواحد والعشرين
"
يشن فرانسوا بورغا في خاتمة "الإسلامية في زمن القاعدة" هجوما لاذعا على خيار "الحرب الشاملة على الإرهاب"، ويعلن أنها حرب خاسرة لا محالة، وأن هناك حلا أو سلاحا آخر هو الكفيل بوضع حد للعنف والعنف المضاد، ولكنه سلاح لا يقدر عليه المرتهنون للنظام العالمي للقرن الواحد والعشرين، لأنه مكلف جدا وخاسر جدا بالنسبة لهم، إن هذا السلاح يسمى، حسب كلمات بورغا، "القسمة"، قسمة عادلة للثروات الاقتصادية والمالية والسياسية.

وتعني القسمة العادلة قبول الخطابات الأخرى والعقائد الأخرى لتكون لها حرية التعبير والظهور. ويقول "إننا نقدر على البكاء من أجل مصير مستوطنين أكرهوا على ترك أرض لم تكن لهم، والتوجه نحو مستوطنات أخرى متمتعين بتعويضات سخية. لكن، علينا وقتها أن لا ننسى إطلاقا مصير الآلاف من أولئك الذين محيت منازلهم في صباح باكر، دون تهمة، وفي صمت، بعيدا عن عيون الكاميرات التلفزيونية".

والقسمة العادلة تعني أيضا العطاء كما تعني الأخذ، خاصة من جهة الذين من حقهم أن يأخذوا ما يجب أن يعطيه الآخرون لهم.

ويختم بورغا كتابه متحدثا عن خصائص سلاح القسمة العادلة ومقاصدها النبيلة، فيكتب "الشجاعة السياسية الحقيقية، التي تهيئ لترسيخ حقيقي للأمن، هي التي تكمن في قراءة أخرى للتوترات الدولية.

قراءة لا ترتهن للخيارات الاختزالية لكل أولئك الذين يرفضون، لهذا السبب أو ذاك، القبول بأن المسؤوليات حول الإرهاب مشتركة، وأنه يجب تحملها. وما دام صوت الجوقة الموسيقية للذئاب هو الوحيد الذي يحظى بالاستماع والتجذر، فإنه يقوي يوما بعد يوم، أصوات السياسيين المهووسين بالبحث عن الانتصارات السهلة.

إما القسمة وإما الرعب. يبقى هذا الخيار، أكثر من أي وقت مضى، هو خيارنا الأخير".

إنصاف وحكمة
"
تفسيرات بورغا للإسلامية تحتمل الصواب وتحتمل الخطأ، ويمكن أن تقبل أو ترفض كلها أو جلها، غير أنه يبقى من أكثر الباحثين إنصافا وحكمة في قراءة الصحوة الإسلامية وحركاتها المنظمة والعفوية
"
تفسيرات فرانسوا بورغا للإسلامية تحتمل الصواب وتحتمل الخطأ، ويمكن أن تقبل أو ترفض كلها أو جلها، غير أنه يبقى من أكثر الباحثين إنصافا وحكمة في قراءة الصحوة الإسلامية وحركاتها المنظمة والعفوية.

ويعد منهجه العلمي في دراسة الإسلامية واستخلاص النتائج منها في علاقتها بالتحولات العالمية السريعة والمتعاقبة من أكثر المناهج موضوعية، مثله في ذلك مثل باحثين آخرين تعرض عنهم القنوات الفضائية الغربية المتحاملة والمنابر الإعلامية المنحازة إلى جوقة الذئاب التي تحدث عنها.

وقبل أن نختم هذا العرض، يجدر أن نثير انتباه كثير من الدارسين للصحوة الإسلامية العالمية، وحتى الصحوة الدينية الدولية، إلى عامل مهم في تجديد التدين وظهور الإسلامية، ألا وهو العامل الذاتي الذي يبقى في نظري أهم عامل ينبغي استحضاره في هذا المجال، وبتغييبه تغيب عنا كثير من الحقائق، وتنحرف بنا التحليلات وتزيع لنا النظرات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة