نحو تحريفية أوسع للفكر القومي العربي   
الجمعة 1426/11/23 هـ - الموافق 23/12/2005 م (آخر تحديث) الساعة 1:01 (مكة المكرمة)، 22:01 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة
يجمع هذا الكتاب مختارات من كتابات المفكر العراقي الراحل عزيز السيد جاسم التي تصب في مفهوم "التحريفية" وهو يعني إعادة الصياغة والتنظيم، وإعادة القراءة للأفكار ونظم المعرفة وأنساقها لأجل مواصلة النمو والتطور والحماية من الركود والتخلف والتراجع، وهي ما يعتبرها جاسم رسالة الفكر القومي العربي.

- الكتاب: نحو تحريفية أوسع للفكر القومي العربي
- المؤلف: عزيز السيد جاسم
- عدد الصفحات: 255
- الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت
- الطبعة: الأولى/2005

الدولة العربية والثقافة
تبتدئ الثقافة الرسمية من المدرسة والجامعة والكتاب المدرسي والمنهج، وترتبط بالصحافة وأدوات ومعروضات الدعاية والإعلام، وأي تطوير يجب أن يتناول وحدة أجهزة الثقافة وأدواتها ووسائطها هذه لا جزءا دون آخر.

لقد كانت الإبداعات الفكرية في فترات نادرة من التاريخ العربي تأخذ مكانتها في ظل الثقافة الرسمية، لأنها في الغالب كانت مهددة من قبل سلطة التقاليد الثقافية السائدة، التي روجت للاتباعية وأغلقت الأبواب بوجه الإبداعية.

ومن الغريب أن العرب الذين قدموا ما قدموا لأوروبا من معارف وطرائق في العلم، مساهمين في دحر ظلام القروسطية الأوروبية، قد نقلوا عن أوروبا جذامها الخطير: محاكم التفتيش باستنساخ قبيح وبصورة مختلفة دون مراعاة لما حققه الإنسان من تقدم كبير على صعيد حرية الفكر والرأي والتعبير.

فساد منطق التكفير
ما هي العوامل التي أدت إلى وصول الثقافة العربية إلى هذه الحال؟

إن العوامل الأساسية التي تؤثر على الثقافة العربية المعاصرة، هي العوامل العميقة التي تبتدئ من المحتوى القومي نفسه، أي هي عوامل بنيوية، وليست خارجية، أو فوقية أو هامشية.

فالثقافة في كل الأحوال تنطلق من واقع التركيبة الاجتماعية والحضارية للكيان العربي الموزع في عدة أقطار عربية.

ومن هذا المنحى، فإن العامل الأول في أزمة الثقافة العربية هو الازدواجية وتناقض البنى الاجتماعية الحضارية العربية المتكونة من أهالي المدن والأرياف والبوادي، بصورة دوائر اجتماعية منغلقة لم يوحدها مجرى حضاري عصري يرتبط بحركة العلم والتكنولوجيا والفكر.

إن الثقافة العربية ضحية عدم استقرار العلاقة بين السلطة والمثقف، فبينما تخص الثقافة الأمة العربية بأسرها والتاريخ العربي والمستقبل العربي، فإن السلطات تختار الهامش الثقافي الذي تعتقد أنه يناسبها، فتنفخ فيه حتى درجة التوهم بأن ذلك الانتفاخ هو الثقافة العظيمة، الهائلة الرائدة.

"
آن للسلطات العربية أن تدرك أنها ليست خالدة، ولذلك فهي مطالبة بأن تستجيب لحقائق العصر من التقدم والديمقراطية والعدالة
"
ويكثر التمجيد حول دور الدولة في بناء الثقافة والعلم، فيما يتسرب العلماء والشعراء والفنانون واحدا بعد الآخر، حتى يكتشف أصحاب التمجيد أن الساحة خلت إلا منهم، فيمجدون أنفسهم ويصفقون لها.

إن ما كتب عن الديمقراطية في الوطن العربي يفوق ما كتب عنها في البلدان التي انتهجتها، فلماذا التضحية بالديمقراطية في الوطن العربي؟

الجواب التقليدي لأن العرب يعيشون في ظروف الحرب مع إسرائيل، وأن التضحية بالديمقراطية هي من أجل قومية المعركة.

ولكن قومية المعركة أين هي؟ ماذا حققت؟ والى أين وصلت؟ في خمس حروب رسمية وعشرات أو مئات المعارك والعرب يقدمون الخسائر على صعيد الأرض القومية والتنازلات على صعيد السياسة، والتراجع على صعيد المبادئ وما من فائدة.

لقد آن للسلطات العربية أن تدرك أنها ليست خالدة، ولذلك فهي مطالبة بأن تستجيب لحقائق العصر: التقدم والديمقراطية والعدالة.

أما الدكتاتورية والبيروقراطية والثيوقراطية فهي مسلك جائر سرعان ما يندثر، وهي حدث سيئ في التاريخ وهي ليل حالك يبدده نهار الشعوب وشموس وكواكب وأفلاك الحياة التي تزهو بالأشعة والجمال.

وقد آن للمثقفين والمفكرين أن يدركوا أن مسؤوليتهم تاريخية قاسية لا ترحم لأن تاريخ الأمم هو تاريخ الحضارة والعلم والفكر والإدارة والفنون والصناعات الثقافية، وهو من نتاجهم، فعليهم أن يراعوا مكانة الثقافة بالتشديد على قيمهم العلمية وعلى الديمقراطية والموضوعية والحرية نظريا وعمليا، وعليهم أن يحددوا علاقتهم بالسلطة لوحدة العلاقة بين الدولة والثقافة، بين الأجهزة الرسمية والمؤسسات الشعبية، بين الممارسة والحرية.

الثقافة العربية بين الاستغراب والتمجيد القومي
الثقافة تعكس بدقة تحولات الأمة وإرهاصاتها والصراع بين ظروف وجودها الواقعي وبين الاتجاهات المستقبلية، وهي سلاح مادي فيما إذا حازته الجماهير الشعبية، وهو قادر أن يكون سلاح الأمة المادي فيما إذا حققت الأمة لنفسها نهوضا ثقافيا شاملا.

وتاريخ العرب هو في بعض خصائصه الأصلية تاريخ ثقافي أسهمت فيه المعرفة والكلمة إسهاما كبيرا يمكن استشفافه من الإرث الثقافي الكبير الذي خلفه لنا القرآن والشعر والكندي والفارابي وابن سينا وابن طفيل وابن خلدون..الخ.

لقد تعرض مصطلح الثقافة القومية لتشويهات عديدة نظريا وعمليا، ولكي نصل إلى ملاحظات نافعة بهذا الخصوص يجب أن نفصل بين معنى الثقافة القومية والاستقلال الثقافي القومي، لان مثل هذا الفصل ينتج عنه فهم أكثر واقعية لمصطلح الثقافة القومية.

وهكذا فرضت جدلية التطور الثقافي والعلاقات الثقافية في العالم أن يجتاز المثقف القومي الطريق الذي قد يلتقي في أكثر من موقع بالثقافات القومية الأخرى لكي يؤكد هويته ويغني مضامين ثقافته بالشكل الفعال والمؤثر.

ذلك أن غنى الثقافة لا يتحقق إلا من خلال التنوع وتعدد المصادر المعرفية، فيما يظل التمثل الثقافي قوميا بناء يعزز الأصالة القومية ولا يعارضها.

"
أن يتحول المثقف إلى إنسان متعال أو بيروقراطي أو مكتبي يجنح إلى قبول الامتيازات باسم الثقافة أو تغمره الوظيفة الحكومية، فإنه بعد ذلك يكف عن أن يستمر مثقفا
"
من هو المثقف الحر؟
يتحمل المثقف مسؤولية المشاركة في قيادة المجتمع العربي نحو التحرر الكامل والوحدة القومية، وفي ظل ظروف عاتية وفي الوقت الذي يوجه فيها حلف الإمبريالية والصهيونية والرجعية سهامه القاتلة باتجاه صميم الأمة العربية وجوهرها، أي باتجاه تفتيت أو تضييع العروبة ذاتها، فإنه ولقوة مهماته، لا يستطيع أن يحافظ على مزايا أحادية ثقافية منقطعة عن الواقع العملي، ولقد ثبت أصلا أن العمل الواقعي هو المصدر الأساسي الحي لكل ثقافة أو تجربة ثقافية.

إن الكتب والكراريس وحدها لا تعمل شيئا من دون التجربة الواقعية، تجربة العمل والنشاط الاجتماعي، فالمثقف العربي الحر ابن الأرض العربية والشارع العربي لكي يكون بمستوى المعركة عليه أن يكون مع الجماهير دوما.

أما أن يتحول المثقف إلى إنسان متعال أو بيروقراطي أو مكتبي، يجنح إلى قبول الامتيازات باسم الثقافة أو تغمره الوظيفة الحكومية فإنه بعد ذلك يكف عن أن يستمر مثقفا.

في التجربة العربية توجد أسباب عديدة مؤدية لفقدان الاستقرار الثقافي وما ينجم عنه من فقدان الثبات الفكري الواعي، ولكن السبب الرئيسي من بين هذه الأسباب ينبع من ظاهرة التداخل الطبقي وانعدام التماسك الاجتماعي على نحو تقريبي.

والمثقف العربي الحر، إذ يرفض الغش الثقافي فإنه يثبت ميزة أساسية من مزايا المثقف الحقيقي الذي يجب على الدولة إزاءه تنفيذ إجراءات واعية بتجسيد الديمقراطية باعتبارها ضرورة موضوعية ذاتية للثقافة الثورية.

فمن أعلى مؤسسات الدولة إلى أدناها، لا يمكن تحقيق عمل تقدمي في أي مجال سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو عسكري دون الثقافة الحقيقية.

ولكي نحدد الموقف الصحيح ضد الغش الثقافي، فإننا مطالبون بتحديد معناه والظاهرة الدالة عليه، فهو من حيث التعريف ينطوي على اتجاهين:

- ثقافة مغشوشة.
- ثقافة موظفة لمصالح مغشوشة.

وفي الوقت الحالي يمكن اكتشاف الغش الثقافي في الحالات التالية:
- الوصولية الثقافية.
- الثقافية الشعارية الدعائية.
- الحشو الآلي.

"
لمعرفة مدى الضرر الذي يلحقه الاستخدام الشائه لمصطلح العنف الثوري ينبغي تعيين حدوده الصحيحة التي بدونها لن يكون له معنى غير معنى الجريمة نفسها
"
الحرية بين العنف الثوري والإرهاب
لمعرفة مدى الضرر الذي يلحقه الاستخدام الشائه لمصطلح العنف الثوري ينبغي تعيين حدوده الصحيحة التي بدونها لن يكون له معنى غير معنى الجريمة نفسها.

فهو يستكمل أبعاده الصحيحة بين شرطين جوهريين: الأول متضمن في من هي القوى التي يحق لها استخدام العنف الثوري؟ والثاني متضمن في من القوى التي تستحق المقاضاة بهذا العنف الثوري؟

وبذلك فقط يمكن تحديده من حيث كونه عنفا تستخدمه الجماهير الكادحة، بواسطة أدواتها السياسية الثورية، ضد الاضطهاد الطبقي التاريخي، وهكذا فانه ليس غاية، بل وسيلة تنتهي بتحقيق الغاية.

كما أنه لا يمكن أن يكون مطلقا، فهو يأخذ أشكالا متعددة، ويكشف عن نفسه كمنطلق وحيد في التصدي للقهر الاستعماري والاضطهاد الطبقي القاسي من حيث كونه أسلوبا سياسيا ثوريا له تبريره التاريخي والإنساني.

ويثير الكاتب مسألة مهمة في تحديد ظاهرة العنف بأن الاعتقال مظهر بسيط من مظاهره بتحديدها كما يلي:

- إن الحكم الوطني الذي يمارس العنف ضد قوى وطنية أو قومية، هو حكم غير متأكد من طبيعة قواه كما أنه غير متأكد من نوعية أعدائه، وفي هذه الحالة يرتبك، ويقدم على التعامل مع كل عنصر مختلف معه (القوة السياسية والاجتماعية) بوسائل إرهابية جاهزة.

- عدم توافر الرؤى الثورية لدى الحكم الوطني يدفعه لاستعمال كل الطرق التي يستعملها قصار النظر وضيقو الأفق.

- عدم تجانس قوى الحكم من حيث الانتماء الثوري يفسح مجالات واسعة أمام الاجتهاد والتصرفات الشخصية بحيث يعمل أي مسؤول حكومي وفقا لهواه.

- الإرهاب لا يدين مسببه فحسب، بل إنه يسقط بشكل تدريجي العناصر الثورية والتقدمية أو الوطنية الموجودة في الحكم.

- إن إباحة العنف ضد الشعب وقواه الوطنية، تؤول حتما إلى إباحة العنف ضد العناصر التقدمية في السلطة.

- عدم تطهير الأجهزة الحكومية من العناصر الفاقدة للقيم والمسؤولة عن إرهاب الجماهير في عهد سابق يؤدي إلى زيادة إشعال الحرائق لأن العناصر المعادية للوضع الوطني التي لم تشملها يد التطهير لا ترغب في شيء كما ترغب في هذه الحرائق التي تربك الوضع، و تضع السلطة والجماهير طرفين متضادين ومتشاحنين.

- إن بعض العناصر الوطنية الحاكمة قد تجد نفسها في ظرف جديد بحيث تكون متطلبات الحكم لها الأولوية في السلم أما متطلبات الثورة فهي في درجة ثانوية وبذلك يتعاظم حسها البيروقراطي الذي يندفع مسعورا ضد كل نقد بناء أو معارضة وطنية.

- بمجرد تحول الإرهاب إلى فئة إرهابية لها حياتها وخصائصها تثبت مقولة عدمية هي علاج الإرهاب بالإرهاب مما يؤدي إلى تفشي أشكال الاضطهاد.

"
العنف غير المشروع هو ظاهرة الحكم المتناقض الذي لا تحكمه حرية ثورية واعية، ولا يمتلك إستراتيجية صحيحة في العمل السياسي، ويعتبر علاقته بالشعب علاقة مؤقتة
"
يتضح من هذا كله، أن العنف غير المشروع هو ظاهرة الحكم المتناقض الذي لا تحكمه حرية ثورية واعية، ولا يمتلك إستراتيجية صحيحة في العمل السياسي، ويعتبر علاقته بالشعب علاقة مؤقتة ينفض يديه منها متى أصبح حكما.

وفي الحديث عن الحرية تعرض المؤلف للكثير من المفاهيم والاتجاهات والآراء عن الحرية وعن الحركات التحررية، وانتهى إلى أن هذه الحركات التحررية أصيبت بانتكاسات كثيرة في دول العالم الثالث ولم تكد تنجح تلك التجارب القادرة على الصمود والوصول إلى النقطة التي وصل إليها العالم لكي تنطلق كبؤر زائدة في تبديل مصير العالم الثالث.

وفقدان الحرية لا يتوقف في حدود اقتصادية واجتماعية وثقافية وحسب، بل إنه يتغلغل في الوضع النفسي للجماعات والأفراد، وذلك يشير إلى احتمال رهيب، وهو عدم جدوى الحرية بالنسبة إلى نفس منسلخة عن المعقول، وقد تفعل من اللامعقول ما يقربها من حافة الجنون.

وليس من أمل في الإنقاذ العمومي للبشرية غير الحرية التي تعطيها الثورة المتخلصة أبدا من نقصها، وهذا هو جدل الحرية في التاريخ.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة