رحلة العمر   
الأربعاء 1432/7/1 هـ - الموافق 1/6/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:27 (مكة المكرمة)، 14:27 (غرينتش)

عرض/ بدر محمد بدر

يحاول هذا الكتاب إلقاء الضوء على جوانب من العلاقات والأزمات السياسية والدبلوماسية بين مصر والولايات المتحدة الأميركية, منذ منتصف الخمسينيات وحتى أوائل التسعينيات من القرن الماضي, وهي فترة زاخرة بالأحداث والصراعات والمواقف, ابتداءً بتأميم قناة السويس وحرب 56, ومروراً بالعدوان الصهيوني عام 67, ثم حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 73, وإبرام اتفاقية كامب ديفد, وانتهاءً بالصراع في أفغانستان، وحرب العراق عام 1991م.

-الكتاب: رحلة العمر (مصر وأميركا.. معارك الحرب والسلام) 
-المؤلف: عبد الرؤوف الريدي
-عدد الصفحات: 568 
-الناشر: دار نهضة مصر، القاهرة
الطبعة: الأولى/ 2011

والمؤلف هو الدبلوماسي المخضرم عبد الرؤوف الريدي, الذي عمل ضمن بعثة مصر في الأمم المتحدة منذ عام 1955, وكان سفيراً لمصر في باكستان أثناء العدوان السوفياتي على أفغانستان في نهاية السبعينيات, ثم انتقل سفيراً لمصر في الولايات المتحدة لمدة ثماني سنوات, ويتميز أسلوبه بالسلاسة الأدبية والدقة المعلوماتية والرصانة الدبلوماسية, ورغم كثرة صفحاته إلا أن قارءه يجد متعة في متابعته.

يبدأ الكتاب من أوائل عام 1955 عندما كان الرئيس عبد الناصر مستعداً للتعاون مع الغرب لإيجاد حل لمشكلة فلسطين, لكن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في فبراير/شباط من نفس العام، دفع بالرئيس المصري للحصول على السلاح من المعسكر الاشتراكي, وهو ما أدى إلى التصادم مع الغرب.

ثم جاء مشروع بناء السد العالي باعتباره المشروع الرمز لثورة يوليو/تموز 52, وقرار الولايات المتحدة برفض تمويله, ليقرر عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس ردا على هذا الرفض, وهو ما رفعه في مصر والوطن العربي إلى عنان السماء كبطل قومي, لكن الغرب بدأ في تلك الفترة في التدبير للقيام بعمل مسلح ضد مصر, وهو ما أسفر بعد ثلاثة أشهر من قرار تأميم القناة عن عدوان عسكري، شاركت فيه إنجلترا وفرنسا وإسرائيل.

لكن "حرب السويس" أو العدوان الثلاثي انتهى بنصر سياسي لعبد الناصر, وهزيمة بريطانيا وفرنسا, بينما كسبت إسرائيل مرور سفنها في مضيق تيران وخليج العقبة, وأيضا توقفت عمليات الفدائيين في قطاع غزة ضد الاحتلال، نتيجة وجود قوات الطوارئ الدولية هناك, وأصبح الرابح الأكبر هو الاتحاد السوفياتي, الذي ظهر أمام شعوب العالم الثالث باعتبار أنه القوة الداعمة لكفاح الشعوب ضد الاستعمار.

بداية تدهور العلاقات
ويؤرخ الكتاب لبداية "التدهور" في العلاقات المصرية الأميركية في أوائل عام 65, عندما اتجهت مظاهرة شعبية إلى مبنى مكتبة السفارة الأميركية بحي غاردن سيتي بالقاهرة, وأضرمت فيه النيران، وفي إثر ذلك هاجم عبد الناصر الولايات المتحدة بعنف, ومن أسباب التوتر أيضاً الوجود العسكري المصري في اليمن, الذي رأت فيه أميركا تهديداً لحليفتها السعودية, إضافة إلى جانب آخر بدأ يتحرك بدأب، ويعمل كخط عام لإفساد العلاقة, وهو "إسرائيل" واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة.

ويرى المؤلف أن "إسرائيل" استفادت ثلاثة دروس مهمة، بعد العدوان الثلاثي عام 56، الأول: أهمية تحسين علاقتها بالولايات المتحدة, التي أمرتها بالانسحاب من المعركة دون شروط, ولذلك بدأت في إنشاء "لوبي" صهيوني داخل الولايات المتحدة, لتشكيل قوة ضاغطة على الإدارة والكونغرس, مثل منظمة "إيباك" ذات التأثير الهائل على أعضاء الكونغرس.

والدرس الثاني: ألا تعمل بشكل سافر مع دول أخرى وأن تتحرك وحدها, لأن من بين أسباب إدانتها عام 56 مشاركتها مع دول استعمارية أخرى لها خصومة مع مصر.

"
إسرائيل" استفادت ثلاثة دروس مهمة، بعد العدوان الثلاثي عام 56، الأول: أهمية تحسين علاقتها بأميركا, والثاني: ألا تعمل بشكل سافر مع دول أخرى, والثالث: الاستفادة من حالة الانقسام في العالم العربي
"
أما الدرس الثالث: فكان أهمية الاستفادة من حالة الانقسام والاستقطاب في العالم العربي, بعد تبني القيادة المصرية لشعار "محاربة الرجعية العربية".

ويشير إلى إن التعاطف الدولي مع مصر في تلك الفترة (ما قبل عدوان 67), وضغط بعض الإذاعات العربية, شجعها على طلب سحب القوات الدولية بشكل جزئي من الحدود مع "إسرائيل" بهدف منع سفنها من المرور في خليج العقبة, لكن الأمور إزدادت سخونة عندما أبلغ السوفيات القيادة المصرية بأن هناك حشوداً للجيش الإسرائيلي على الحدود مع سوريا في مايو/أيار, وكانت هذه هي الأجواء التي سبقت العدوان الصهيوني في يونيو/حزيران عام 1967.

أسباب هزيمة 67
ويحدد المؤلف أسباب الهزيمة العربية في حرب الأيام الستة, في ثماني نقاط هي:

ـ تخبط القرار في إدارة الأزمة, لأن هدف حشد القوات لم يكن الحرب, ولكن تخفيف الضغط على سوريا.

ـ الغموض القانوني والترتيبات الهشة بين الطرفين بعد حربي 48, و56.

ـ العلاقة المتوترة مع الولايات المتحدة, حيث كانت في أسوأ حالاتها.

ـ الدور السوفياتي الذي اكتنفه الغموض, وربما المشاركة في الإيقاع بمصر.

ـ الانقسام والاستقطاب الحاد في العالم العربي, وخصوصا تدهور علاقات مصر والسعودية.

ـ الإعلام المصري لعب دوراً خطيرا للضغط على الأنظمة العربية والتشهير بها.

ـ دور المنظمات الفلسطينية, التي ساهمت في "توريط" المنطقة العربية كلها في الحرب.

ـ وأخيراً غياب الديمقراطية, حيث كان القرار بيد الرئيس وحده وعلى الجميع المباركة والتصفيق.

وهكذا انتهت حرب "الأيام الستة" بهزيمة قاسية للعرب, واحتلت "إسرائيل" كامل الأراضي الفلسطينية، وشبه جزيرة سيناء، ومرتفعات الجولان السورية, وصدر القرار رقم 242 من الأمم المتحدة يطالب "إسرائيل" بالانسحاب من "أراض" احتلتها أثناء الحرب, حسب النص الإنجليزي, ثم توالت الأحداث وبدأت حرب الاستنزاف، وتصاعدت المقاومة الفلسطينية، حتى رحل عبد الناصر, وتولى أنور السادات مقاليد السلطة في مصر, وبدأ الجميع يضغطون عليه لبدء الحرب.

"
كان السادات هو الوحيد الذي يمسك بخيوط اللعبة, بعد أن وقع السوفيات في شراك هنري كيسنجر, ابتداءً من مايو72, وأصبحوا عازفين عن تقديم المساندة الفعالة لمصر السادات
"
ويقول المؤلف إنه مع نهاية عام 71, كان وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر صاحب اليد العليا في توجيه السياسة الخارجية الأميركية, وكان هدفه الذي أعلنه: طرد الاتحاد السوفياتي من منطقة الشرق الأوسط, وفي نفس الوقت كان يعمل على تنفيذ رغبات "إسرائيل" بإبقاء الوضع على ما هو عليه (حالة اللا سلم واللا حرب).

وبمضي الوقت فقد الرئيس السادات أي أمل في الحل السلمي, وبات يركز أساساً على التخطيط للمعركة, مصمما على أن تكون له ميزة المبادأة وتوجيه الضربة الأولى, والواقع أن السادات -كما يقول المؤلف- كان هو الوحيد الذي يمسك بخيوط اللعبة, بعد أن وقع السوفيات في شراك هنري كيسنجر, ابتداءً من مايو/آيار 72, وباتوا يخضعون سياساتهم في الشرق الأوسط لسياسة الوفاق مع أميركا, وبالتالي أصبحوا عازفين عن تقديم المساندة الفعالة لمصر السادات.

حرب أكتوبر 73
ويروي السفير الريدي كيف كانت البعثة المصرية في الأمم المتحدة تتابع بشغف كبير أنباء حرب أكتوبر/تشرين الأول 73, وكيف أدارتها مصر بذكاء شديد سياسياً ودبلوماسياً وعسكريا, إلى الدرجة التي أعلنت فيها أميركا بدء إمداد "إسرائيل" بجسر جوي من المساعدات العسكرية بعد أسبوع من بدء الحرب, بعد أن تأكدت من هزيمتها, وسعت باتصالاتها لوقف إطلاق النار.

وتحت عنوان "الزلزال.. الرئيس السادات في القدس" يروي المؤلف كيف كانت خطوة الرئيس المصري, التى أعلن فيها استعداده للذهاب إلى أي مكان في العالم, بما فيها الكنيست الإسرائيلي نفسه, من أجل السلام في المنطقة, مذهلة للجميع بمن فيهم الإسرائيليون والأميركان, والكل كان يسأل عن الدافع, وكيف سارت الأمور بإيقاع سريع للغاية, حيث تمت زيارة "إسرائيل" بالفعل بعد الإعلان بفترة قصيرة, مما أدى إلى استقالة إسماعيل فهمي وزير الخارجية ومحمد رياض وزير الدولة للشؤون الخارجية، وتولي بطرس بطرس غالي منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية.

"
أدت زيارة الرئيس السادات إلى القدس إلى أزمة عاصفة في العالم العربي, بل كانت زلزالا في المواقف والمشاعر، وكانت ردود الفعل عليها متباينة
"
لقد أدت خطوة الرئيس السادات إلى أزمة عاصفة في العالم العربي, بل كانت زلزالا في المواقف والمشاعر، وكانت ردود الفعل عليها متباينة، سواء على مستوى الشعوب أو النخب المثقفة في مصر والدول العربية.

ويقول المؤلف إن الأميركان واصلوا اتصالاتهم مع مصر و"إسرائيل" بهدف التوصل إلى إعلان مبادئ متفق عليها، ولم تنجح الجهود في البداية في سد الفجوة بين الطرفين في "كامب ديفد"، وهو منتجع للرؤساء الأميركان يقضون فيه أوقاتهم للراحة, ويقع في ولاية ميرلاند, التي تجاور واشنطن العاصمة.

وبعد أيام من التفاوض ظهرت الصورة النهائية لاتفاقية "كامب ديفد" خالية من النص على تجميد المستوطنات في الأراضي الفلسطينية, وأيضا كانت هناك ثغرة أخرى خاصة بوضع مدينة القدس, وهو ما دفع أعضاء وفد الخارجية المصرية في التفاوض إلى الامتناع عن المشاركة في حفل توقيع الاتفاق, وهو ما أغضب الرئيس السادات, وكان من بين أعضاء الوفد: نبيل العربي (أمين عام الجامعة العربية الآن) وأحمد أبو الغيط وأحمد ماهر (وزيرا الخارجية فيما بعد) وأسامة الباز, مستشار الرئيس للشؤون السياسية.

ثمن الهزيمة
ويشير المؤلف إلى أن "إسرائيل" أخذت مواقف متعنتة في مفاوضات الحكم الذاتي, التي أعقبت التوقيع على اتفاقيات كامب ديفد, وساعدها على ذلك أن منظمة التحرير الفلسطينية كانت تهاجم مصر في ذلك الوقت, وتعتبر أنها غير مخولة للتفاوض مع "إسرائيل" حول قضية الشعب الفلسطيني, مما أضعف موقف مصر التفاوضي.

ويضيف: لا ينبغي أن ننسى للحظة أن معاهدة السلام ليست إلا جزءا من الثمن الغالي, الذي ما زلنا ندفعه حتى الآن، نتيجة الأخطاء الكارثية لحرب 67.

"
لا ينبغي أن ننسى للحظة أن معاهدة السلام ليست إلا جزءا من الثمن الغالي, الذي ما زلنا ندفعه حتى الآن، نتيجة الأخطاء الكارثية لحرب 67
"

وينتقل السفير الريدي بعد ذلك سفيرا لمصر في باكستان (79-84) وهي الفترة التي شهدت دخول القوات السوفياتية عام 79 إلى أفغانستان, وبدء ظهور جماعات وحركات الجهاد الإسلامي ضد الاحتلال السوفياتي, وأصبحت باكستان في تلك الفترة هي الموقع الإستراتيجي الذي لا غنى عنه لتنظيم حركات المقاومة الإسلامية وتدريب الشباب المسلم الذي كان يتوافد من كل مكان في العالم الإسلامي, ملبيا نداء الجهاد, وشهد عقد الثمانينيات أكبر عملية تنظيم وتدريب لجماعات الشباب المسلم, وقد التقت مصالح الولايات المتحدة مع مصالح باكستان والسعودية وجماعات الإسلام السياسي, مع مصالح شبكة المتاجرين بالسلاح, تحت راية "الجهاد".

وفي ختام الكتاب يتحدث المؤلف عن فترة عمله سفيرا لمصر في واشنطن عام (84 ـ 1992), وأهم القضايا التي واجهته، ومنها: أزمة السفينة "أكيلي لاورو" عام 85, التي سيطرت عليها مجموعة فلسطينية تابعة لـ"أبو العباس", وإلغاء زيارة الرئيس مبارك لواشنطن في تلك الفترة لهذا السبب, ثم عودته مرة أخرى لزيارتها عام 88, وكذلك الحوار بين واشنطن ومنظمة التحرير الفلسطينية، على خلفية حالة الضغط التي أحدثتها الانتفاضة الفلسطينية الأولى, ومن بين القضايا أيضاً: فضيحة إيران كونترا، وعودة طابا إلى السيادة المصرية, والغزو العراقي للكويت عام 90, ومعركة إلغاء الديون وبدء الإصلاح الاقتصادي في مصر، في أعقاب مساندة مصر للولايات المتحدة في حربها الأولى ضد العراق.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة