الحركة الإسلامية في قطاع غزة   
الأربعاء 1427/8/27 هـ - الموافق 20/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 11:24 (مكة المكرمة)، 8:24 (غرينتش)

عرض/ أحمد فياض
يجمع الباحثون المتخصصون في شؤون الحركة الإسلامية في فلسطين، على أنها لم تحظ بذات المستوى الذي حظيت به القوى السياسية الأخرى، لاسيما في المراحل التأسيسية والبدايات الأولى لنشأة الحركة، وما رافق هذه المراحل من ظروف وحيثيات وعلاقات، سواء كان ذلك مع الأطراف السياسية الفاعلة على الساحة الفلسطينية، أو مع سلطة الاحتلال.


- الكتاب: الحركة الإسلامية في قطاع غزة بين الدعوة والسياسة
- المؤلف: عدنان أبو عامر
- عدد الصفحات: 120
- الناشر: مركز الإعلام العربي، القاهرة
- الطبعة: الأولى/2006

ويعود هذا الإغفال إلى عدة أسباب، أهمها أن الحركة الإسلامية قبل مرحلة السبعينيات لم تحظ بذلك الوجود السياسي الهام، مقارنة مع منظمة التحرير وقواها السياسية، التي شكلت أطرافا رئيسة على الساحة السياسية، كما أن الحركة الإسلامية نفسها لم تعط الاهتمام الكافي للجانب البحثي، والتأريخ لمسيرتها منذ البدايات الأولى، مقابل اهتمام القوى الأخرى بالكتابة عن جهودها مهما كانت متواضعة.

ولعل كتاب (الحركة الإسلامية في قطاع غزة بين الدعوة والسياسة) الصادر عن مركز الإعلام العربي في القاهرة/ 2006 لمؤلفه الباحث الفلسطيني عدنان أبو عامر، يشير إلى وجود إهمال متعمد من جانب بعض الباحثين ووسائل الإعلام للحركة الإسلامية بشكل مقصود، انطلاقا من قناعات سياسية مختلفة عن الإسلاميين، وتخوفا من أن يشكلوا منافسا لهم في المستقبل.

وهذا ما حصل بالفعل، موضحا أن الكتابات التي ظهرت في مراحل لاحقة لمرحلة التأسيس، لا سيما بعد انطلاق حركة المقاومة الإسلامية حماس في نهاية الثمانينيات، لم تتناول تلك المرحلة التأسيسية بالتفصيل اللازم، وإنما اكتفت بالتعريج عليها، كمقدمة للحديث عن نشأة ما بات يعرف بظاهرة الإسلام السياسي في فلسطين.

التأريخ للإخوان المسلمين
"
كانت إعادة الحياة للتنظيم الإخواني في قطاع غزة بعد سقوطه تحت الاحتلال مهمة محفوفة بالمخاطر، ولذلك يسجل للثلة الأولى التي اجتمعت للبدء في هذه المهمة السبق التاريخي، وعلى رأسهم الشيخ الشهيد أحمد ياسين
"
ويحدد الباحث أبو عامر أهمية الكتابة في التأريخ للإخوان المسلمين في قطاع غزة بين العامين 1967 و1987 في عدد من النقاط، أهمها أن هذه المرحلة أتت فور وقوع قطاع غزة تحت نير الاحتلال الإسرائيلي، وما رافق ذلك من تعرض الفلسطينيين -ومنهم الإخوان المسلمون- لشتى ألوان المعاناة والظلم، وبالتالي كانت إعادة الحياة للتنظيم الإخواني في القطاع مهمة محفوفة بالمخاطر، ولذلك يسجل للثلة الأولى التي اجتمعت للبدء في هذه المهمة السبق التاريخي، وعلى رأسهم الشيخ الشهيد أحمد ياسين.

ويتناول الكتاب الذي جاء في أربعة فصول المراحل التاريخية التي مر بها التنظيم الإخواني في قطاع غزة، بدءا بمرحلة الدعوة والانتشار وما رافقها من ظاهرة انتشار المساجد، والهياكل التنظيمية والمالية، والدور القيادي للشيخ أحمد ياسين.

وجاء الفصل الثاني ليتحدث عن مرحلة العمل المؤسسي خاصة إقامة المجمع الإسلامي والجامعة الإسلامية والجمعية الإسلامية، وفوائد هذه المؤسسات لبنية التنظيم، فضلا عن الموقف الإسرائيلي من التمدد الحاصل في الحركة الإسلامية.

ثم يعرج الكاتب في الفصل الثالث على مرحلة النفوذ السياسي واستكمال الأجهزة التنظيمية، بما في ذلك التحضير لانطلاق العمل ضد الاحتلال، والخطوات العملية في مسيرة المقاومة، وإنشاء الجهازين العسكري باسم (المجاهدون الفلسطينيون) والأمني باسم (الجهاد والدعوة-مجد) في أواسط الثمانينيات.

ثم يختم المؤلف كتابه بالحديث في الفصل الرابع عن علاقات الإخوان المسلمين في غزة بالقوى السياسية الأخرى، خاصة مع حركة فتح والجهاد الإسلامي واليسار الفلسطيني عموما، فضلا عن علاقتهم بتنظيمات الإخوان المسلمين في الدول المجاورة.

مسيرة المقاومة الإسلامية
وربما ما يثير القراءة في الكتاب ما تناوله المؤلف عدنان أبو عامر في المحور الخاص بالعمل المقاوم ضد الاحتلال الإسرائيلي، حيث يذكر أنه رغم أن مرحلة السبعينيات والثمانينيات اتسمت بالعمل التربوي الجماهيري والاجتماعي، لم تخل من إرهاصات العمل الجهادي المقاوم، من مظاهرات وشهداء واعتقالات ومجموعات عسكرية وأسلحة، وكلها تنبأت بأن الحركة الإسلامية ستدخل قريبا جدا ساحة العمل المقاوم.

"
رغم أن مرحلة السبعينيات والثمانينيات اتسمت بالعمل التربوي الجماهيري والاجتماعي، لم تخل من إرهاصات العمل الجهادي المقاوم، ما نبأ بأن الحركة الإسلامية ستدخل قريبا جدا ساحة العمل المقاوم
"
وبالفعل بدأت مسيرة المقاومة الإسلامية في فلسطين منذ العام 1981، حين أنشأ بعض رموز الإخوان ما عرف آنذاك بـ(أسرة الجهاد) في قرى المثلث المحتل، واكتشاف كميات من الأسلحة عام 1983 في قطاع غزة، إلى أن توجت هذه المسيرة بانطلاق الانتفاضة الأولى عام 1987.

ويقدم الكتاب استطرادا تاريخيا حول عوامل المد الإخواني في فلسطين، لعل أهمها هزيمة يونيو/ حزيران 1967، والتأثر بالمد الإخواني في مصر، وأثر الطفرة النفطية، فضلا عن أثر الثورة الإسلامية في إيران، وانحسار نفوذ منظمة التحرير وضعف التيار الوطني، وأخيرا التعصب الديني اليهودي، الذي منح الصراع الفلسطيني الإسرائيلي صبغة دينية عقائدية.

إنجازات ومنزلقات الإخوان المسلمين
ويشير المؤلف في إطار تقييمه لإنجازات الإخوان المسلمين في قطاع غزة إلى عدد من المنجزات الفكرية والحضارية والجهادية التي قدموها للمجتمع الفلسطيني، ومع ذلك اتهموا طوال مرحلة الدراسة بعدد من التهم، خاصة أنهم جردوا من أي عمل وطني، وإن قاموا به فإنه ينسب لقوى أخرى لا تخشى منافستها في ذلك الوقت.

كما اتهمت مؤسساتهم الخيرية الناجحة التي خدمت الناس بصورة نزيهة بأنها نتاج أموال مشبوهة تأتي من أعداء الشعب الفلسطيني، وقد خرجت معظم هذه الشبهات من مصادر إسرائيلية وتم ترويجها فلسطينيا دون النظر للمصدر.

ورغم هذه المنجزات، قدم الباحث مراجعة متعمقة لبعض المنزلقات التي وقع فيها الإخوان المسلمون في فلسطين، خاصة في اختلاق التقابلية الموهومة بين الوطني والإسلامي، وما أنتجته من فرز للألوان السياسية بحيث صارت صفة الإسلامي تنفي صفة الوطني، والعكس بالعكس، مع أن مفهوم الوطنية بمعناه الفلسطيني اتخذ لونا مختلفا عن الوطنيات العربية، لأنها حملت مدلولات نضالية وكفاحية ضد المحتل الأجنبي خلال مرحلة الاستعمارين البريطاني والصهيوني.

كما أن الخلافات التي نشبت بين الإخوان وبقية القوى السياسية في قطاع غزة تتحمل مسؤوليتها جميع القوى بما فيهم الإخوان، خاصة حين تطورت هذه الخلافات في مراحل عديدة للشجارات والعراك وإطلاق النار، علما بأن الباحث في جميع هذه المناسبات لم يعثر من أي طرف كان على محاولة واحدة للنقد الذاتي، فكل طرف يمثل الحق كله، وخصمه يمثل الباطل كله، ولم يجد إنصافا من طرف لآخر.

وتتضاعف أهمية هذا الكتاب وتتنامى جدارة مطالعته في ضوء التطورات والمستجدات التي طرأت على صفحة الواقع الفلسطيني، فقد استطاع الإخوان المسلمون وذراعهم الفلسطيني المسلح حركة المقاومة الإسلامية حماس، بترسيخ أقدامها كفاعل رئيس في كافة مجالات الفعل الفلسطيني. سواء كان ذلك على صعيد المقاومة أو الأداء المجتمعي.

"
الحركة الإسلامية في فلسطين (الإخوان المسلمون) أصابوا قدرا من النجاح وقدرا آخر من الإخفاق، وهذا أمر طبيعي في نشأة الحركات السياسية، ومع ذلك من السابق لأوانه التقرير بشكل نهائي بمدى نجاحهم أو إخفاقهم
"
وتوجت الحركة الإسلامية هذه المنظومة بخوض غمار الاستحقاق الانتخابي، واستطاعت أن تحصد غالبية أصوات الفلسطينيين، وتصل إلى سدة الحكم، ورغم كل ما حدث، فإن بعض الباحثين يظل مأخوذا بما جرى، ولا يكاد يصدق أن الحركة الإسلامية في فلسطين يمكنها تحقيق كل ذلك المردود في عدد ضئيل من السنوات، والأمر الذي يغيب عن بال الدارسين أن الحركة الإسلامية في فلسطين ليست حركة طارئة، ولا هي وليدة الانتفاضة الأولى.

يشير الكتاب إلى أنه بعد أكثر من 30 عاما من إعادة تأسيس تنظيم الإخوان المسلمين في قطاع غزة، بات من غير المشكوك فيه أن هذا التنظيم تمكن من فرض وجوده على أرض الواقع ولم يعد من جدوى لمحاولات التهميش والتغييب.

وليس هناك من شك في أن الحركة الإسلامية في فلسطين، وأعني الإخوان المسلمين، قد أصابوا قدرا من النجاح، وقدرا آخر من الإخفاق، وهذا أمر طبيعي في نشأة الحركات السياسية، ومع ذلك من السابق لأوانه التقرير بشكل نهائي، خاصة في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها القضية الفلسطينية والإخوان أنفسهم، في مدى نجاحهم أو إخفاقهم.

الكتاب يلقي الضوء على جوانب مهمة في تاريخ الحركة الإسلامية في قطاع غزة، ويكشف عن حجم الجهود التي شكلت خميرة النهوض ومنصة الانطلاق والإقلاع للمشروع الإسلامي في الساحة الفلسطينية، وجاء ليسد ثغرة هامة في المكتبة العربية حين يتناول تاريخ الحركة الإسلامية بين الدعوة والسياسة.

ويأتي في هذا التوقيت الذي وصلت فيه حركة حماس إلى السلطة، ليمثل دراسة حالة حول كيفية المزاوجة بين العمل الدعوي والسياسي، أو بين الدعوة والدولة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة