غواية الاسم   
الخميس 1432/8/14 هـ - الموافق 14/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:00 (مكة المكرمة)، 13:00 (غرينتش)

عرض/محمد تركي الربيعو

يحاول هذا الكتاب استعادة ذاكرة تعاطي القهوة وتحريمها في لحظة ما من تاريخنا الإسلامي، والتي لا تزال بعض رواسبها النفسية والثقافية موجودة في حياتنا الاجتماعية والثقافية حتى الآن.

وذلك من خلال التعرف على البيئة التي انتشر فيها تعاطي القهوة أثناء اكتشافها في أوائل القرن العاشر الهجري، وما نشر حول هذا الاكتشاف من حكايات وروايات تتجاوز عتبة الواقع لتترك للمخيلة فرصة التعبير عن التوق للمطلق وكسر حد الممكن والولوج إلى عالم المستحيل، وما تلا ذلك من تحول القهوة من مشروب يكاد يقتصر تعاطيه على جماعة من العباد والزهاد والمتصوفة إلى مشروب تتعاطاه العامة من الناس، واتصالها بأحوال وغايات جعلت تعاطيها موضعا للريبة وأماكن شربها محلا للشبهات.

البحث عن الجذور

-الكتاب: سيرة القهوة وخطاب التحريم
-المؤلف
: سعيد السريحي
-عدد الصفحات: 150
الناشر: المركز الثقافي العربي ببيروت- النادي الأدبي بالرياض
-الطبعة: الأولى 2011

تتعاقب في الحديث عن اكتشاف القهوة والتعرف عليها روايات عدة، تتقارب في تحديد الأماكن وتتباعد في تعيين الزمان، يوغل بعض منها فيما لا يقوم له مقام في غير المخيلة، ويؤوب بعضها الآخر إلى ما تصادق عليه وقائع التاريخ، وتتنازع فضل اكتشافها كائنات متباينة تمتد من العالم العلوي حيث تحلق الملائكة، إلى العالم السفلي حيث يتخفى الجان، وبينهما يتعاون الإنسان والحيوان ليشاركا في فضل اكتشاف القهوة.

إذ يروى أن سكان إحدى المدن كانوا مصابين بمرض خطير، فعجزوا لذلك عن استقبال الملك سليمان الذي جاء لزيارتهم على بساط الريح مع حاشيته من الجن، فنزل جبريل (عليه السلام) على سليمان وأمره أن يأمر الجن بجلب ثمر البن من بلاد اليمن وأن يحرقه ويطبخه بالماء ويسقيهم، ففعل فشفاهم الله ثم تناسى الناس أمرها إلى أن ظهرت في أوائل القرن العاشر الهجري.

وينهض جبريل عليه السلام بالدور نفسه بالرواية الغربية لاكتشاف القهوة حين يحل النبي محمد صلى الله عليه وسلم محل النبي سليمان وتذهب الرواية إلى أن جبريل حين رأى حزن النبي بعد أن كذبه قومه حين دعاهم، حمل إليه ثمر البن فذهب عنه الغم بعد تناوله لها.

وحين تقترب رواية تاريخ اكتشاف القهوة من واقعية التاريخ، يحل العارفون بالله والأولياء والفقهاء محل الأنبياء والملائكة والجن في التعرف عليها، من ذلك ما يروى عن أحد رعاة الماعز في عدن، واسمه خالدي، أنه لاحظ أن الماعز كلما أكلت من براعم إحدى الشجيرات البرية ازدادت نشاطا ويقظة، فأخبر ذلك الراعي وليا من الأولياء في منطقته، فأيقن أن أثرها على الإنسان سيكون أعظم من أثرها على الحيوانات وأنها سوف تساعد الدراويش من أتباعه على السهر والعبادة، فجربها الشيخ على نفسه وشربها باردة أول الأمر فلم تحدث أثرا ثم جربها ساخنة فلاحظ أن مشروبها قد جعله يتصبب عرقا، وأحس بالصفاء الذهني، فدعا الناس لشربها.

وبرأي السريحي فإن هذه الروايات ترتقي على تباينها بالقهوة مكانة رفيعة حين تجعل من اكتشافها فعلا متصلا بمعجزات الأنبياء حينا، ومتصلا بكرامات الأولياء حينا آخر، فلا يغدو الاهتداء إليها فعلا بشريا خالصا بل حدثا يشارك فيه الملائكة والجان والحيوان، على ما بين هذه الكائنات من اختلاف في سبيل التعرف على العالم.

"
الروايات التاريخية ترتقي على تباينها بالقهوة مكانةً رفيعة حين تجعل من اكتشافها فعلا متصلا بمعجزات الأنبياء حينا، ومتصلا بكرامات الأولياء حينا آخر
"
كما تحرص الروايات التي تعيد اكتشاف القهوة للحيوانات على أن يمر اكتشافها من خلال ولي من الأولياء، وكأنما هي تعبر بطقس تطهيري تنتقل فيه من حالتها البدائية المتوحشة إلى الحالة الإنسانية المتمدنة وتصبح بانتقالها من كونها نبتة لا يأكلها إلا الحيوان إلى نبتة مطبوخة حاملة للدلالات على ثقافة الإنسان وتصرفه فيما يهيئه لأكله وشربه مما حوله من نباتات برية بحيث يتميز فيها عن الحيوان الذي يكتفي بأكل ما حوله كما هو دون تصرف.

تجليات القهوة
بين القهوة المزّة التي تغنى بها الأعشى في معلقته حين غدا إلى الحانوت مع رفاقه للهو:

وقد غدوت إلى الحانوت** يتبعني شاو مشل شلول شلشل شول

نازعتهم قضب الريحان متكئا** وقهوة مزة راووقها خضل

لا يستفيقون منها وهي راهنة** إلا بهات وإن علوا وإن نهلوا

والقهوة التي يتغنى بها الشاعر هنا ليست قهوة هذه الأيام وإنما المقصود هنا اسم من أسماء الخمر ووصف من أوصافها يتنزل منها منزلة الاسم إذا ذكر لا يمكن له أن يحيل إلا إليها.

ولما كان التعرف على القهوة تم في بيئة المتصوفة الذين كانوا يستعينون بها على اجتلاب البدن وصفاء الذهن والسهر للعبادة، فمن المرجح أنهم هم من أطلق عليها اسم القهوة، وهم من خلال إطلاق تلك التسمية على المشروب المستحدث يجسدون توقهم إلى الرمز الغائب المتمثل بأنهار الخمر في الجنة مشفوعا بالحكمة التي تتجنب المجاهرة بهذا التوق.

ولم تعد القهوة سببا للسهر فحسب، بل أصبحت وسيلة للكشف وذلك لارتباطها بحلقات الذكر حتى بات التعرف عليها بابا للعرفان وسبيلاً لبلوغ المعارف اللدنية التي لا يتأتى التعرف عليها بغير صفاء الذهن وإخلاص النية.

وبالتالي فقد أصبحت القهوة بذلك شرابا مرتبطا بما للمتصوفة من طقوس في العبادة، وانضمت إلى قائمة الأشربة التاريخية التي كانت الشعوب القديمة تحرص على تعاطيها من خلال أدائها شعائر العبادة باعتبارها أشربة مقدسة وهي في أغلبها أشربة تجمع لشاربها بين حالة النشاط البدني وحالة النشوة التي قد تفضي إلى السكر، وتمنحه الطاقة التي تمكنه من القيام بمقتضيات العبادة في الوقت الذي تشعره بحالة من الانتشاء التي ترتبط لديه بلحظة التجلي والكشف، وتحقق ما يستهدفه من وراء العبادة من اتصال بالمطلق أو بالقوى الخفية في الكون والتواصل معها.

"
أصبحت القهوة شرابا مرتبطا بما للمتصوفة من طقوس في العبادة، وانضمت إلى قائمة الأشربة التاريخية التي تحرص الشعوب القديمة على تعاطيها 
"
وفي الحقيقة كشفت الدراسات التي أعدها بعض الباحثين والتي تناولت الطقوس المرتبطة بالعبادات، عن تجذر البحث عن ما يمكن تعاطيه خلال أداء الشعائر الدينية، ففي إيران كانوا يعتصرون من نبات غير معروف شرابا مسكرا يسمى السوما، ومن ثم كانوا يريقون هذا السائل المسكر للآلهة عند تقديم الأضاحي والقرابين، اعتقادا منهم أن الآلهة يحتسونها نشدانا للقوة.

وفي الأساطير الهندية القديمة كان أندرا إله العواصف والمطر يصارع فرترا الذي أمسك الماء في أعالي الجبال، ومن أجل هذه الغاية كان يعبأ ثلاثة أقداح من شراب السوما، مما يوحي أن هذا الشراب الأسطوري كان مصدر قوة للآلهة.

ولعل التعلق بالخمر واستحضار القهوة كرمز للشراب المقدس عند المتصوفة، ثم حلولها مكان الحشيشة التي عرفت بخمر الفقراء (الدراويش) من أتباع المتصوفين، جميع ذلك لا يجعل التعرف عليها أمرا محكوما بالصدفة على نحو ما يمكن أن نشعر به من خلال الروايات التي تتحدث عن تاريخ التعرف عليها، بل كمحصلة للبحث عما يمكن أن يحل محل الخمر الذي يبعث على النشوة التي هي من أهم مرتكزات الفكر الصوفي في الاتصال مع العالم الغيبي والتي لم يعد من سبيل لتعاطيها بعد القطع بتحريمها ومحل الحشيشة التي استنكرها بعض شيوخ المتصوفة.

بعدها انتقلت القهوة من بيئة العلماء والمتصوفة الذين وجدوا فيما توفره لهم من صفاء الذهن وما يعينهم على الدرس ويساعدهم في العبادة، إلى بيئة العوام الذين باتوا يتعاطونها لما وجدوا فيها من تنشيط للبدن يمكنهم من القيام بما هو موكل لهم من الحرف والصناعات ويمنحهم في الوقت نفسه فضلة من النشاط يستعينون بها على ما يفرغون له من لهو ومرح.

لكن لم يكن للعوام الذين انتشر بينهم تعاطي القهوة أن يتوقفوا عند البعد الرمزي لها كما توقف المتصوفة، وأن يكتفوا منها بما كان يكتفي به المتصوفة من قدرة على السهر للعبادة وصفاء للذهن يمنح القدرة على التأمل فاستغرقوا فيها حتى بلغوا بها مداها معيدين للقهوة حقيقة المعنى التاريخي لها من حيث الإحالة على الخمر وأحاطوا ذلك كله بما يستدعيه من أجواء الطرب واللهو وما يصاحبه من غناء وتغزل بالقيان والغلمان، ثم بلغوا بالأمر مداه حين مزجوها بما هو مسكر من الخمر.

التحريم ولعبة الأسئلة
"
اجتمع ناظر الحسبة في مكة أوائل القرن العاشر مع قضاة وعلماء وفقهاء للنظر في أمر القهوة, فأجمعوا على أنها مفسدة للبدن ومذهبة للعقل مما يستوجب تحريمها  
"
ولذلك لم يكن من السهل على ناظر الحسبة في مكة في أوائل القرن العاشر خاير بك المعمار أن يطلب من حاكم مصر السلطان قنصوه الغوري، الذي كانت تخضع لحكمه مكة في عصر المماليك، إصدار مرسوم سلطاني يحرم فيه القهوة، كما لم يكن من اليسير عليه أن يستبق صدور المرسوم فيبعث مناديا في أسواق مكة ينادي بالمنع من شربها وبيعها، ولذلك استبق ذلك كله بعقد مجلس ضم قضاة وعلماء وفقهاء مكة من مختلف المذاهب كما ضم بعض الأطباء وشهود العيان، تداولوا فيه النظر في أمر القهوة من النواحي الفقهية والطبية، لينفض مجلسهم وقد أجمعوا على أن القهوة مفسدة للبدن ومذهبة للعقل مما يستوجب تحريمها قياسا على ما يماثلها من المذهبات للعقل والمفسدات للبدن.

ويورد هذا الاجتماع بتفاصيله عبد القادر الجزيري في كتابه "عمدة الصفوة في حل القهوة" حيث تكرس اللغة التي كتب بها المحضر وكذلك الأفراد الذين حضروا المجلس المنعقد للتباحث مجموعة من التساؤلات عن الغايات غير البريئة من هذا الاجتماع وعما إذا كان هناك من تقاطع لمجموعة من الأهداف السياسية والمهنية والاقتصادية تقبع خلف الحجج الظاهرة المتمثلة بالمظاهر الفاسدة لشرب القهوة.

فليس من المستبعد مثلا برأي السريحي أن يكون موقف الأطباء بتحريمه إنما يعود لتعاطي الناس لها باعتبارها ضربا من الدواء مما يلزم إنكارها من باب الصراع بين أصحاب الحرف حيث تتعارض مصالحهم.

كما يمكن أن نعيد الموقف المتشدد من القهوة إلى أسباب سياسية تتصل بالأوضاع المضطربة في مكة آنذاك، فقد كانت مكة آنذاك تحيا حقبة من الصراع بين أبناء الشريف محمد بن بركات الذي توفي سنة 903 هـ والتي شهدت صراعا محتدما حول الأحقية في الولاية، مما أفسح المجال لأن تكون مسرحا لهجمات القبائل وعدم الاستقرار السياسي.

"
النظرة المشوبة بالريبة لمن يجلسون في المقاهي وإلى وقت قريب, إنما تعود في الحقيقة إلى ذلك التاريخ المريب للمقاهي
"
وفي ظل هذه الظروف يمكن لنا أن نتفهم التحفظ على الاجتماعات التي كانت تتم في بيوت القهوة، وما يمكن أن تثيره من لغط وما تغري به من أحاديث حول الفتن التي شهدتها مكة وعمليات الضبط التي تتم من أجل إعادة الاستقرار لها.

أما ما يتصل بالعلاقة بين المماليك واليمن في تلك الفترة والتي اتسمت بتوتر شديد تمثلت بقيادة المماليك حملة على بعض المدن اليمنية ونهب بيوتها وفرض الضرائب على الناس.

ففي ظل هذه الأوضاع يمكن لنا أن نتفهم تلك النظرة المتوجسة للقهوة القادمة من أرض اليمن والتي يقوم على جلبها تجار يمنيون، كما يقوم بطبخها وتقديمها للناس في بيوت القهوة المنتشرة في جدة ومكة عمال يمنيون وعلى نحو من شأنه أن يجعل قرار إغلاق بيوت القهوة ومستودعات ومخازن البن قرارا أمنيا من ناحية، كما هو قرار اقتصادي يستهدف ضرب مجال العمل لرجال ينتمون إلى دولة معادية.

وبالتالي فإن ما توارثه الناس في حياتنا الاجتماعية لفترة قريبة وعلى نحو خاص في الجزيرة من نظرة مشوبة بالريبة لمن يجلسون في المقاهي وتجنب ارتيادها، إنما يعود في الحقيقة إلى ذلك التاريخ المريب للمقاهي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة