نوري باشا السعيد   
الاثنين 23/8/1434 هـ - الموافق 1/7/2013 م (آخر تحديث) الساعة 10:31 (مكة المكرمة)، 7:31 (غرينتش)

عرض/أحمد صبري
ارتبط اسم نوري السعيد بتاريخ العراق خلال نصف قرن، كان فيها المؤثر في صنع أحداثه حتى مصرعه عام 1958، ونوري السعيد أبرز رئيس وزراء أثناء الحكم الملكي في العراق (1921-1958)، يصفه مؤلف كتاب "نوري باشا السعيد 50 عاما على مصرعه وسقوط النظام الملكي في العراق عام 1958" أنه من أكثر رجالات العراق دهاء ونفوذا وشخصية نادرة، شكّل أثناء مسيرته نحو 14 وزارة عراقية على مدى أربعة عقود.

-الكتاب: نوري باشا السعيد 50 عاما على مصرعه وسقوط النظام الملكي في العراق عام 1958
-المؤلف: سيف الدين الدوري
-عددالصفحات: 542
-الناشر: الدار العربية للموسوعات/ بيروت
-الطبعة: الثانية/ 2013

رغم أن مؤلف الكتاب قد أبرز صفات نوري السعيد كرجل دولة، فإن الانطباع السائد حول شخصية السعيد أنه كان سياسيا مستبدا وعنيفا مع معارضيه، ومنغمسا في المناورات السياسية لتأكيد دوره في الحياة السياسية، مستفيدا من الدعم البريطاني له ومتأثرا بالنظرية الميكافيلية (الغاية تبرر الوسيلة).

مؤلف الكتاب باحث وصحفي مهتم بتاريخ العراق ورجالاته، صدرت له عدة كتب توثق حقبة مثيرة من تاريخ العراق الحديث.

ويسلط المؤلف الضوء على دور السعيد في تأسيس الدولة العراقية باعتباره من الرعيل الأول، الذين ساندوا الملك فيصل الأول، وعاصر ملوك الهاشميين فيصل الأول ثم الملك غازي وأخيرا الملك فيصل الثاني.

ويقول المؤلف إنه عندما أعلنت الثورة العربية بقيادة الشريف حسين أمير مكة في العاشر من يونيو/حزيران 1916 كان نوري السعيد في مقدمة الضباط العرب الذين التحقوا بالثورة ومُنح رتبة عميد ودخل إلى دمشق عام 1918 على رأس قوة عسكرية لتحريرها من العثمانيين.

ويعزو المؤلف أسباب اعتماد نوري السعيد على بريطانيا في مواجهة الأخطار التي كانت تواجه العراق إلى أن الدول الكبرى هي التي تقرر مصير الدول الصغرى، وإزاء هذه النظرية كما يعتقد السعيد يتحتم على العراق الاعتماد على إحدى الدول الكبرى، وهي بريطانيا، حليفا لبلاده.

لعب نوري السعيد كما يشير المؤلف دورا في ترشيح فيصل على عرش العراق، ليقطع الطريق أمام منافسيه وفي مقدمتهم طالب النقيب، لأنه كان يعتقد أن حكم العائلة الهاشمية للعراق مسألة ضرورية نظرا لعلاقاتها الجيدة مع الإنجليز.

واعترفت بريطانيا بموجب المعاهدة البريطانية التي أبرمت عام 1932 باستقلال المملكة العراقية، لتفتح الطريق للعراق ليصبح أول دولة عربية عضو في عصبة الأمم المتحدة.

السعيد وفلسطين
كان نوري السعيد يأمل أن يقبل العرب بقرار تقسيم فلسطين ليحافظوا على مصالحهم، اعتقادا منه بأن التطرف السلبي لا يؤدي إلى نتيجة مفيدة. وينقل المؤلف عن رئيس الديوان الملكي العراقي عبد الله بكر قوله إنه أثناء اجتماعات القاهرة عام 1938 حول فلسطين لاحظ عقد خلوة بين السعيد وتوفيق السويدي وشخص ثالث لا يعرفه، وعندما استفسر عن هوية الشخص الثالث تبين أنه (حاييم وايزمان) الذي اقترح وحدة البلاد العربية مقابل السماح لليهود بالهجرة من الدول العربية إلى فلسطين، فكان رد الوفد العراقي هو رفض المقترح.

ويعتقد المؤلف أن صدور أحكام الإعدام بحق رشيد عالي الكيلاني، الذي أعلن الثورة على الإنجليز عام 1941، وتنفيذ أحكام الإعدام بحق الضباط المشاركين بالثورة، وهم يونس السبعاوي وفهمي سعيد ومحمود سلمان وصلاح الدين الصباغ بعد فشل ثورتهم كان خطأ فادحا أدخل العراق في صراعات وغضب شعبي ضد أحكام الإعدام.

ويسلط المؤلف الضوء على أن وزارة نوري السعيد التاسعة عام 1946 قد شهدت اعتقال الزعيم الشيوعي فهد (يوسف سلمان)، وصدرت أحكام بإعدامه مع زكي بسيم وإبراهيم شميل ونفذت في فبراير/شباط 1949.

حلف بغداد
وينقل المؤلف عن بعض الوثائق البريطانية أن فكرة الحلف التركي الباكستاني هي وليدة الدبلوماسية الأميركية، فيما كانت التكملة من صنع نوري السعيد وهو من دعاة الدرع الشرقي.

كان حلف بغداد موجها لدرء الخطر الشيوعي المفترض على الدول الموقعة عليه، وهي بريطانيا والعراق وإيران وباكستان وتركيا، مما أثار ردة فعل الشارع العراقي الذي رفض سياسة الأحلاف

ويبرر السعيد حماسه لتشكيل حلف بغداد بنص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة بالسماح للدول المجاورة بالتحالف لتنظيم دفاع إقليمي، وكان حلف بغداد يتقاطع مع رؤية عبد الناصر وخطته، في إقامة نظام دفاعي على أساس معاهدة الدفاع العربي المشترك، بقيادة مصر يرتبط بالغرب بعلاقة حياد إيجابي.

وكان حلف بغداد موجها لدرء الخطر الشيوعي المفترض على الدول الموقعة عليه، وهي بريطانيا والعراق وإيران وباكستان وتركيا، مما أثار ردة فعل الشارع العراقي الذي رفض سياسة الأحلاف.

كان موقف عبد الناصر الذي اعتبر حلف بغداد يهدد الأمن القومي العربي، ويساهم في تفتيت معاهدة الدفاع العربي المشترك، وبعد أن رفض عبد الناصر مقترح نوري السعيد لانضمام مصر إلى الحلف الجديد التقى ناصر والسعيد في القاهرة عام 1954 لبحث هذا الملف، وقد اتضح أن موقفيهما ليس اختلافا، وإنما تصادم بين عقليتين ورؤيتين متضادتين.

الاتحاد العربي الهاشمي
يقول المؤلف إنه في منتصف فبراير/شباط 1958 أعلن قيام الاتحاد العربي الهاشمي بين العراق والأردن، ردا على قيام الوحدة بين مصر وسوريا، في محاولة لتطويق تداعياتها على البلدين، خصوصا أن قيام الوحدة لاقت تأييدا شعبيا واسعا في العراق والأردن والوطن العربي.

ويكشف المؤلف أن نوري السعيد والوصي على عرش العراق عبد الإله لم يكونا متحمسين للاتحاد الهاشمي، الذي واجه مشكلة عضوية العراق في حلف بغداد، حيث اشترط الأردن خروج العراق من الحلف لتحقيق الاتحاد بين الدولتين، إلا أن هذا الخلاف جرى تسويته ببقاء الأردن خارج الحلف وبقاء العراق داخله.

نوري السعيد والجامعة العربية
يعتبر المؤلف أن نوري السعيد هو أحد عرابي تأسيس الجامعة العربية، حيث تنافس مع رئيس وزراء مصر الأسبق مصطفى النحاس على تزعم واستضافة الجامعة العربية في بغداد، مشيرا إلى أن السعيد هو صاحب الفكرة التي أطلقها عام 1941 بعد مغادرة العراق إلى القاهرة، عقب حركة رشيد عالي الكيلاني، وينقل المؤلف عن الكاتب الصحفي المصري محمد حسنين هيكل قوله "إن نوري السعيد أدى دورا في مسألة الوحدة لا يصح إنكاره عليه، لأنه اكتشف هشاشة الدولة القطرية وتراجع دورها داعيا إلى تجمعات عربية".

محاولات ضم الكويت للعراق
يحاول المؤلف رسم مسار العلاقة بين العراق والكويت منذ الانتداب البريطاني عليها، ومحاولات العراق ضم الكويت، مشيرا إلى أن نوري السعيد قد بعث رسالة إلى شيخ الكويت عن طريق الحكومة البريطانية، يؤكد فيها اعتراف العراق بالكويت.

ويذكر المؤلف ثلاث محاولات عراقية لاحتلال الكويت:
1- في عهد الملك غازي بن فيصل الأول، الذي استخدم الإذاعة لتبث من داخل قصره، تدعو لعودة اللواء السليب (الكويت) إلى العراق، وتكليف متصرف لواء البصرة في ذلك الوقت علي محمود بوضع كل الإمكانات تحت تصرف الجيش لاحتلال الكويت، إلا أن مساعي رئيس الوزراء بالوكالة ناجي شوكت حالت دون ذلك.

2- أعد العراق خطة بموافقة نوري السعيد لضم الكويت بالقوة إلى العراق تحت عنوان (حركة الشمل) لاحتلال الكويت واعتبارها جزءا لا يتجزأ من العراق.

3- حاول الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس وزراء العراق الأسبق احتلال الكويت وضمها للعراق، وأصدر أوامره إلى قائد عسكري عراقي عام 1961 لاحتلال الكويت، إلا أنه تردد في تنفيذ أمر قاسم.

ثورة 14 تموز 1958
يشير المؤلف إلى أن شاه إيران بعد مقابلته للرئيس الأميركي آيزنهاور في 8 يوليو/تموز 1958، أبلغ حلف بغداد أن لديه معلومات خطيرة، واقترح عقد اجتماع لرؤساء دول حلف بغداد في إسطنبول وحدد يوم 14 يوليو/تموز (يوم سقوط الملكية في العراق).

حاول نوري السعيد بعد إذاعة بيان الثورة أن يهرب إلى الأردن، لكن الظروف لم تسعفه، حتى اكتشف أمره ولقي مصرعه في نهاية غير مسبوقة

ففي ليلة 13/14 يوليو/تموز 1958 تحرك اللواء العشرون التابع للفرقة الثانية التي يقودها اللواء غازي الداغستاني من منطقة جلولاء شرقي بغداد باتجاه الأردن، ولدى مرور اللواء العشرين ببغداد فجر 14 يوليو/تموز تمكن العقيد عبد السلام عارف آمر الفوج الثالث من السيطرة على اللواء، وقام بتوزيع القطاعات على أنحاء بغداد والسيطرة على قصر الرحاب ومعسكر الرشيد، وأعلن من إذاعة بغداد قيام الثورة وأسماء الحكومة العراقية الجديدة، برئاسة الزعيم عبد الكريم قاسم. 

وينقل المؤلف عن صديق لصباح نجل نوري السعيد قوله إن صباح عاد إلى مسكنه في الصالحية في ساعة متأخرة من فجر 14 يوليو/تموز, فلاحظ وجود سيارتين عسكريتين عند مدخل مبنى الإذاعة في نفس المنطقة، وعندما استفسر من الضابط الموجود، رد عليه: لا تتدخل في أمور لا تعنيك.
وراود الشك نجل نوري السعيد وقام بإبلاغ والده هاتفيا بما شاهده، إلا أن الوقت قد داهم الجميع.
وحاول نوري السعيد بعد إذاعة بيان الثورة أن يهرب إلى الأردن، لكن الظروف لم تسعفه رغم تنقله من بيت إلى آخر، حتى اكتشف أمره ولقي مصرعه في نهاية غير مسبوقة، لتطوى صفحة حياة سياسي مخضرم، كان يتحسب لأسوأ الاحتمالات، معتمدا على ذكائه وحلفائه البريطانيين، الذين خذلوه في لحظة فاصلة من مسيرته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة